Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

Z ثيودوراكيس زوربا العربي! (2 - 2)

كان يرى أن الانقلاب العسكري في ليبيا عمل وطني تحرري لمواجهة "الإمبريالية الأميركية"

الملحن ميكيس ثيودوراكيس (أ ف ب)

المثلث اليوناني... ثالوث يوناني مبدع، سكن وجداني، من دون إدراك ولا علم. لكن اللافت لي في المثلث اليوناني: الكاتب، الموسيقار، المخرج، أن اثنين منهم من كريت، فيما كوستا فلا أعرف سوى أنه من أصل يوناني. إذاً كريت تجمعني بالاثنين، من حيث أن كريتليين -أبناء كريت-، هم ليبيون عشت معهم. ومن ناحية أخرى، قرأت في كتاب تُرجم عن اليونانية، وصدر في ليبيا: أن ثمة فئة سكانية عاشت في كريت، عُرفت بقوم "خليكس"، وأن هذا النعت، جاء من أن غالبية القوم، عملوا في الميناء كحمالين، وكانوا حين يشرعون في حمل حاجات الزبون، يقولون له: خليك، خلي عنك، ومن هذه السمة نُعتوا بـ"خليكس"، وأن هؤلاء آتون من شمال أفريقيا/ ليبيا.

وإن ذهبنا من هذا إلى المشترك الأهم في المثلث، فإن في إبداعهم وشخصهم بعد إنسانوي. كازانتزاكيس الروائي والشاعر، تشي مبدعاته برؤية فكرية تدمج ماركس ونيتشه، فيما اعتبر غافراس المخرج السينمائي اليساري، أب السينما السياسية في أوروبا، من دافع عن قضايا كمثل القضية الفلسطينية، و"ميكيس ثيودوراكيس ولد في 29 يوليو (تموز) 1925، في خيوس الواقعة في بحر إيجه لعائلة من جزيرة كريت"، وهو يأتي من الموسيقى إلى السياسة والنضال، عبر الحزب الشيوعي اليوناني. وثلاثتهم، على الرغم من الاختلاف الظاهر، تجمعهم فلسطين، ولهم مع العرب وروح الثقافة العربية وشائج عميقة وشفافة.

كانت أثينا محطة شباب ليبيا، جيلي جيل السبعينيات، بخاصة بعد إغلاق القاهرة في وجهه، إثر قطع العلاقات مع مصر، بُعيد زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى الدولة اليهودية العنصرية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1977. وكانت أثينا على المسافة ذاتها بين بنغازي وطرابلس، وبنغازي والقاهرة، وسعر التذكرة متاح جداً، فلا فرق كبير مع سعرها إلى طرابلس. ولمن لا يعرف، فإن أثينا الصغرى، كانت هي قورينا، شحات الآن، في الجبل الأخضر بليبيا، وذلك قبل الميلاد بقرون عدة.

لم يخطر في البال أن ألتقيه، كنت صحافياً، سكرتير تحرير جريدة "الأسبوع الثقافي"، ما تُوزّع حينها في أكشاك الصحف بأثينا، اشتريت نسخة من ميدان "أمونيا"، متجهاً من دون وجهة. تظاهرة في المواجهة، شباب وشابات جميلات، من جذبنني للانخراط في التظاهرة، لم أكُن أعرف ما يهتفون، فلا أعرف من اليونانية غير "سيقا سيقا"، ما ردّدتُ كثيراً، وتعني على مهل. تمهلت لأفهم، ولم أنتبه للصور على الصدور الشامخة، لكن الوجه أليف ما في الصور.

عشية اليوم التقينا معاً: الصديق الليبي المقيم في أثينا، من كَنيتهُ بزوربا، صديقي يجيد اللغة اليونانية، ويعيش كيوناني أكثر من اليونانيين، لما ذكرت له مشاركتي اليوم في تظاهرة لا أعرف كنهها، فرح وألح أن نشارك غداً، فالتظاهرة مليئة بالفتيات الجميلات، وعلمت منه أنها حملة لتأييد المرشح لعمادة بلدية أثينا، وأن موسيقار شهير يُدعى ميكيس ثيودوراكيس، من لم يكُن يعني له أي شيء، صعق وقد أخذت ألح عليه بأني أريد مقابلته وإجراء حوار معه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا ما تحقق بيسر لا يخطر على بال، فقد كنت عشية ذاك اليوم، برفقة صديقي غير المكثرت إلا بجميلات مقر حملة ثيودوراكيس، ما وصلنا مقره لنُستقبل من زوجته: امرأة جميلة ومهيبة، وببساطة التقتنا وسألت من أي مدينة ليبية، لما سمعت: بنغازي، قاطعت صارخة أوه بنغازي، لقد زرتها من سنوات قليلة في عمل، وفي مطارها، حيث وصلت في وقت متقدم من الليل، لم أجد أحد في استقبالي، جندي متهور تحرش بي، هاجمتُه بقوة حتى كدتُ أضربه، لهذا زُج بي في زنزانة، لكن بعد قليل كان يعتذر ويطلب الصفح، حين وصل الضابط المسؤول مع من كان المفروض في استقبالي. صديقي علّق ضاحكاً: الحقيقة يا سيدتي أن جمالك كان سيجعلني أفعل ما فعل الشرطي ساعة استقبلتنا، فضحكت وضحكنا معها.

كان المرشح مشغولاً جداً، لهذا أطل، سلّم ورحب بنا، ثم اختفى، هكذا ستكون حاله في اليومين اللذين رافقته فيهما أثناء الحملة الانتخابية، التي أحيط فيها ثيودوراكيس، بآلاف من الشابات والشباب. وحتى عندما دعانا لوجبة معه، كانت من سندويشات "سفلاكي" اليونانية، وهي على أي حال سندويشات "شاورما". قال لي: حزنت كثيراً عند إعلان وفاة جمال عبد الناصر، وعلى حسابي الشخصي، ذهبت ليلة الجنازة، بت في الشوارع مع الجماهير، وفي اليوم التالي رافقت الجنازة، وقد ألّفت موسيقى: "ترنيمة عبد الناصر" 1970. المعروف أنه عام 1982 ألّف ترنيمة منظمة التحرير الفلسطينية، عقب احتلال الدولة الصهيونية لبيروت.

المفارقة بالنسبة لي كانت، أني أؤيد وأقدر مواقف ثيودوراكيس، كما أحب موسيقاه، بخاصة موقفه، حين وقف ضد الانقلاب العسكري في اليونان: "فترة الحكم العسكري، (1967-1973) أجبر ميكيس على الاختباء من النظام، ودعا إلى مقاومة النظام الجديد بعد يومين من الانقلاب. أوقف في 21 أغسطس (آب) 1967، ووُضع تحت الإقامة الجبرية ونُفي بعدها مع عائلته إلى زاتونا، وهي قرية تقع في جبال الأركيدس، ومن ثم نُقل إلى معسكر اعتقال، ونُفي بعد ذلك إلى الخارج".

لكن لحظة قابلته وأجريت حواراً معه، وأهداني أسطواناته الجديدة بتوقيعه، كان مؤيداً للعقيد معمر القذافي، الذي قاد انقلاباً عسكرياً مشابهاً لانقلاب اليونان. بيد أن الموسيقار ميكيس ثيودوراكيس، السياسي الشيوعي، ساعتها كان يرى أن الانقلاب العسكري في ليبيا عمل وطني تحرّري لمواجهة "الإمبريالية الأميركية".

عدت إلى ليبيا وكان ذلك عام 1978، ما في نهايته زج بي في السجن بتهمة العمل على إسقاط النظام، كنت في أول العشرينيات من العمر، كنّا 12 من زملاء شعراء وكتاب قصة ومسرح، وحُكم علينا بالإعدام المخفف للمؤبد، وفي السجن لم يخفت، ولا بعده، وحتى اليوم: أني أؤيد وأقدر مواقف ثيودوراكيس، كما أحب موسيقاه.                       

المزيد من آراء