Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التغير المناخي يعكر أجواء العراق بالغبار والعواصف الترابية

وفيات وسقوط أبراج لنقل الطاقة الكهربائية وتأخير رحلات جوية في بعض المطارات

 لافتات تحذر من عواصف ترابية في منطقة الكطيعة (اندبندنت عربية)

عشرات العواصف الترابية تعكر أجواء العراق سنوياً، ولم يعد من النادر أن تسفر عن وفيات، وسقوط أبراج لنقل الطاقة الكهربائية، وتأخير رحلات جوية في بعض المطارات، ويتوقع علماء المناخ وخبراء الأرصاد الجوية زيادة في وتيرة العواصف الترابية في المستقبل القريب، وكميات أكبر من الغبار المتطاير في الأجواء من جراء تمدد التصحر وتفاقم الجفاف.

فالعراق ليس بمنأى عن التغيرات المناخية التي تقلق العالم، وتعزا لها فيضانات جارفة وعواصف مدمرة، وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة فإن "العراق خامس الدول هشاشة من حيث القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية".

تغيرات مناخية

في كتابه "الإنسان والكوارث الطبيعية" الصادر عام 2015 ذكر الدكتور علي عبد فهد الطائي أن "بين شهري أبريل (نيسان) وسبتمبر (أيلول) يمر العراق بموجات من العواصف الترابية التي تثير الغبار، وتمنع الرؤيا في المدن، ويصل تأثيرها إلى المناطق الشمالية من العراق، فتتأثر بها مدن مثل كركوك والموصل وأربيل.

ويعتبر تزايد عدد وشدة هذه العواصف مؤشراً مهماً على تزايد تأثيرات التغير المناخي الحاصل في المنطقة"، ويضيف الطائي أن "العواصف الترابية المتكررة صارت ظاهرة مستفحلة تستدعي إيجاد حلول مناسبة لها تتمثل في زيادة الاهتمام بالتشجير، وإحاطة المدن بأحزمة خضراء تقلل من وصول الغبار".

ويبلغ المجموع السنوي لتكرار معدلات ظاهرة الغبار العالق في أجواء العراق 88 يوماً في السنة، ما يعني أن ربع أيام العراق يسودها غبار متطاير في الهواء، وتتصدر محافظة ذي قار المحافظات العراقية في عدد العواصف الترابية وكمية الغبار المتطاير، وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها في فصل الصيف عندما ترتفع درجات الحرارة إلى أقصاها، وتنخفض الرطوبة النسبية ومعدلات الضغط الجوي.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقرير جديد عن التحديات المناخية في العراق أن "العواصف الرملية أو الترابية ازدادت بشكل كبير، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تدهور التربة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتلفت اللجنة أن "خلال الفترة الممتدة من عام 1951 حتى عام 1990 كان هناك في المتوسط 24 يوماً في السنة من العواصف الترابية في العراق مقارنة بـ122 يوماً في عام 2013"، بينما يتوقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن يشهد العراق 300 عاصفة ترابية سنوياً، والإحصائيات الرسمية العراقية لا تبتعد كثيراً عن هذه التنبؤات.

بؤرة جديدة

خلال عام 1991 أجرى الباحث الأميركي والتر ويلكرسون دراسة عن نشاط الغبار والرمال في المنطقة حدد فيها باستخدام الأقمار الصناعية 14 منطقة في العراق يهب منها الغبار، لكن تحت تأثير تعرية التربة من جراء الجفاف وانحسار الغطاء النباتي ظهرت المزيد من بؤر العواصف الترابية والغبار المتطاير، منها منطقة الكطيعة الواقعة شمال غربي محافظة ذي قار، وهي بؤرة جديدة نسبياً، ومساحتها في توسع مستمر، ولكثرة حوادث السير المهلكة على الطريق السريع الذي يمر مساره بالمنطقة اضطرت السلطات إلى تثبيت علامات تحذيرية.

في المقابل، يقول مدير دائرة الأنواء الجوية في محافظة ذي قار علي طارق لـ"اندبندنت عربية"، إن "الغبار المتصاعد من منطقة الكطيعة تأثيره يتخطى جنوب العراق إلى بعض دول الخليج كالسعودية والكويت وقطر"، مضيفاً أن "الحل الأمثل للتخفيف من تأثيرات العواصف الترابية هو إنشاء أحزمة خضراء حول المدن، ويفضل تنفيذ هكذا مشاريع بجهود إقليمية مشتركة لأن العواصف الترابية عابرة للحدود، وتؤثر على كل المنطقة".

ودعا المبعوث الخاص السابق للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للعراق مارتن كوبلر الحكومة العراقية عام 2016 إلى إنشاء حزام أخضر على امتداد الشريط الحدودي بين العراق والكويت لصد العواصف الترابية، واقترحت الحكومة المحلية في البصرة آنذاك أن ينفذ المشروع بتمويل من تعويضات الكويت الناجمة عن غزوها عام 1990.

وكما يؤثر العراق على بعض الدول، فإنه يتأثر بعواصف ترابية وافدة من خارج حدوده، وتفيد دراسة وضعتها منظمة الأرصاد العالمية ضمن إطار برنامج إقليمي لمواجهة العواصف الرملية والغبار بأن "العراق يتعرض إلى عواصف غبارية تأتي من البادية السورية وإيران والسعودية والكويت".

خسائر فادحة

مع كل عاصفة ترابية تجتاح المدن العراقية تكتظ أقسام الطوارئ في المستشفيات العامة بالمصابين بالربو وحساسية القصبات الهوائية وأمراض الجهاز التنفسي، وتكون العواقب وخيمة أكثر حين تتسبب العواصف بانهيار سقوف بيوت على رؤوس ساكنيها في أحياء فقيرة، كما حصل في 1 مايو (أيار) 2019، عندما هبت على محافظتي كربلاء والنجف عاصفة ترابية عنيفة أودت بحياة خمسة أشخاص، وتسببت باقتلاع أشجار وسقوط جدران وأعمدة للكهرباء، وفي 6 فبراير (شباط) 2021 أعلنت السلطات العثور على جثتي شخصين فارقا الحياة عندما داهمتهما عاصفة ترابية خلال رحلة صيد في بحر النجف.

ولم يعد من النادر خلال فصل الصيف أن تعلق رحلات جوية عبر مطار البصرة الدولي لساعات بسبب انحسار الرؤية من جراء كثافة الغبار أو مرور عواصف ترابية، وفي 22 مايو من العام الحالي تسببت عاصفة ترابية بانقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل عن المحافظات الجنوبية.

وعن الأضرار الاقتصادية، تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقرير أعده خبراء لصالحها أن "العواصف الترابية تدمر المحاصيل الزراعية، وتجرف الطبقة العليا الخصبة لسطح التربة، ما يقلل إنتاجية القطاع الزراعي، وقد ضاعت كثير من الأراضي الخصبة في العراق بسبب هذه الظاهرة". وأضافت اللجنة أن "العواصف الترابية تتسبب أحياناً في انخفاض إنتاجية العمل، وتدني دخل الأسر بشكل حاد، إذ يعجز ملايين الأشخاص عن الذهاب إلى أعمالهم، وتغلق المصانع والمكاتب".

حلول غائبة

تدرك الحكومة العراقية أبعاد مخاطر العواصف الترابية وتداعياتها، ومطلع العام الحالي قال رئيس الجمهورية برهم صالح في كلمة له بمناسبة يوم البيئة العالمي "من الأدلة على تزايد مخاطر المناخ أن درجات الحرارة العالية باتت أكثر شيوعاً، والجفاف أشد حدةً، والعواصف الترابية أكثر تواتراً، ويؤثر التصحر على 39 في المئة من مساحة العراق، و54 في المئة من أراضينا معرضة لمخاطر فقدانها زراعياً بسبب التملح".

إلا أن هذه التصريحات لم تقترن بخطوات عملية على أرض الواقع باتجاه إحاطة المدن بأحزمة خضراء، باستثناء محافظة كربلاء التي نجحت جزئياً بتطويق حدودها الإدارية بحزام من الأشجار المعمرة، كما شكلت محافظة البصرة، أخيراً، لجنة لتنفيذ مشروع مشابه لم يزل في مرحلة التخطيط وتعبئة الإمكانات.

وكان العراق انضم عام 2009 إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر التي تعود إلى عام 1994، ومطلع العام الحالي صادقت رئاسة الجمهورية على انضمام العراق إلى اتفاقية باريس للمناخ، وهي أول وأهم اتفاقية عالمية لمواجهة الاحتباس الحراري، ودخلت حيز التنفيذ عام 2016، وبلغت الدول الموقعة 195 دولة.

ويعلق خبير الأنواء الجوية صادق عطية على ذلك بقوله، إن "البيئة العراقية تواجه إهمالاً واضحاً، وأكثر الاتفاقات المناخية والبيئية الدولية التي وقعت عليها الحكومات العراقية المتعاقبة لم تلتزم بتطبيقها، بينما يفترض أن تلاحق ظاهرة التغير المناخي بخطوات سريعة للتقليل من فداحة تأثيراتها وأضرارها الحالية والمستقبلية".

وكانت ست وزارات عراقية شاركت عام 2015 في صياغة البرنامج الوطني لمكافحة العواصف الرملية والغبارية (2015-2020)، وأنفقت منظمة الأمم المتحدة 809 آلاف دولار على إعداد البرنامج الذي تضمن إقامة ورش عمل في عمان وإسطنبول والمنامة، وبصيغته النهائية اقترح البرنامج تنفيذ 16 مشروعاً بكلفة 186 مليون دولار للتقليل من شدة وتكرار العواصف الترابية، أهمها خمسة مشاريع لتثبيت الكثبان الرملية في محافظات واسط وذي قار والنجف والمثنى والديوانية وصلاح الدين بكلفة 120 مليون دولار، فضلاً عن مشروع لإنشاء واحات في البادية بكلفة 15 مليون دولار، وكان من المفترض أن تنجز جميع هذه المشاريع قبل نهاية عام 2020، إلا أن شيئاً منها لم ينفذ لغاية الآن.

المزيد من منوعات