Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغربي نعمان لحلو: المطرب أصبح جزءا من منظومة الفيديو كليب

تعرف إلى عبدالوهاب في أميركا فنصحه بالاستقرار في القاهرة ثم عاد إلى وطنه ليعلن مشروعاً غنائياً وموسيقياً جديداً

الموسيقار المغربي نعمان لحلو (اندبندنت عربية)

لم يكن نعمان لحلو (مواليد فاس 1965) يعرف، حين أهديت له قيثارة وهو في عامه الخامس، أنه سيصير فناناً مجدداً للأغنية المغربية، ومساهماً كبيراً في تحويلها من التقليد والمحاكاة إلى الابتكار والفرادة. دخل معهد الموسيقى في فاس في عامه العاشر، وإلى جانب الفن نجح أيضاً في مساره العلمي، وسافر بعد إنهاء دراساته العليا إلى فلوريدا، ثم إلى ميامي ولوس أنجليس، حيث التقى في هذه المدينة الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي لفتته موهبة نعمان وقدراته الصوتية وألحانه الفريدة، فدعاه إلى الاستقرار في مصر، باعتبار القاهرة مركزاً للإشعاع والنجاح الفني في العالم العربي. فما كان منه إلا أن لبى نداء صاحب "النهر الخالد". لم يتأخر نعمان لحلو كي يصير مطرباً معتمداً في الإذاعة والتلفزيون ودار الأوبرا، لكنه كان مشدوداً على الدوام إلى بلده، ليس على المستوى الجغرافي فحسب، بل كان له تصور خاص، يريد عبره أن يجعل الأغنية المغربية حاضرة في العالم، لكن بأسلوب أكثر جدة ومواكبة للعصر، لا يقوم فقط على تقليد الطرب الشرقي، أو على الإيغال في المحلية. كان يراهن على الانفتاح على العالم، لكن مع الحفاظ على الخصوصية المغربية كلمة ولحناً وصوتاً. وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد. للرجل فلسفة خاصة في اختيار المواضيع وفي الاشتغال الفني عليها. فعوض الجنوح إلى الأغاني العاطفية ارتأى أن يغني عن أحداث وقضايا ومواضيع وتيمات قد تبدو لكثيرين غير فنية، أو غير جالبة للجماهير: التوحد، والمدن التاريخية، والماء، والجوار، والتعليم، والهجرة السرية، وغيرها. 

يتميز نعمان لحلو بانتمائه الشمولي إلى مجال اشتغاله، فهو مؤلف وملحن ومطرب وعازف ومحاضر معروف في الثقافة الموسيقية. اختار طريقاً مختلفة، وضع تصوراً خاصاً للغناء، وآمن به، وجاب بأغانيه أطراف العالم باحثاً عن مستمع يملك حاسة الإصغاء، غير آبه بالضرورة بالأضواء الشديدة.

حين سألت نعمان لحلو عن الأغنية المغربية، قاطعني: "عفوا، ليست هناك أغنية مغربية، هناك أغنية في المغرب"، وما كان مني إلا أن أسير وفق رؤيته، فسألته عن الخطاب الرائج الذي يرى أن الأغنية في المغرب تعيش تردياً وانحطاطاً، وتعرف تراجعاً وانحداراً في الذوق والقيمة الفنية، وأردت أن أعرف إن كان يتبنى هو أيضاً هذا الخطاب، غير أني وجدته على الضفة المقابلة: "لا أتفق مع هذا الخطاب ولا أسير مع هذا التيار. ينبغي أن ننطلق من منطلق أساسي، وهو أن الأضواء والأجيال تتغير عبر الزمن، ولا يوجد جيل أفضل من جيل، وهناك معادلة مهمة يجب أن نهتم بها، وهي أن النص والموسيقى يجب أن يحملا "ريحة البلاد"، بحيث إذا ما استمعنا إلى الأغنية يمكن أن نحس بمغربيتها".    

يضيف نعمان، "أجيال اليوم بالنسبة لي بلغت في الاحتراف الموسيقي أفضل من أجيال الماضي، خاصة في تقنيات العزف وتقنيات التسجيل والتوزيع الموسيقي الذي لم يكن في الأصل موجوداً، لكن هناك إشكالية بسيطة متعلقة بالأذواق، وهي اختيار الأجيال الجديدة لمواضيع سهلة لجلب قدر أكبر من المتتبعين، لكني أتساءل بخصوص "الشووبيز"، أو ما يسمى التجارة الفنية، كل فن صالح لزمانه ومكانه بالضرورة، لكن يجب التركيز على مسألة الهوية".

التقنيات الجديدة أثرت سلباً على الفن

في السياق ذاته، سألته عن التقنيات الحديثة المسموعة والمرئية التي دخلت إلى الأغنية بشكل عام، فبدا له أن التقنيات الجديدة أثرت على الفن سلباً، لأن "المتلقي في الماضي عندما يستمع إلى الأغنية كان يستمع إلى الأغنية والمطرب، بغض النظر عن شكله وهويته. أما اليوم فقد أصبح ذلك المطرب جزءاً من المنظومة، والأجزاء الأخرى هي الصورة، الديكور، الفيديو كليب وغيره؛ يعني أن اللحن أصبح جزءاً من الكل، بعكس الماضي الذي كان يمثل فيه هذا الجزء الكل، إذاً فهذه التقنيات أثرت سلباً على البنية الموسيقية، وهذه من مساوئ االعولمة الثقافية".

هل نعيش اليوم أزمة كلمات؟ هذا ما أردت معرفته من الموسيقار المغربي. فقال إننا نعيش أزمة على مستوى النص والدراما أيضاً، ثم استطرد متسائلاً: "هل هذا راجع إلى محدودية في الخيال؟ أم عدم تشجيع الأطراف المعنية من وزارة الثقافة وإذاعات وتلفزيون على هذا الجزء؟ لذلك أرى من الأفضل أن تمنح جوائز خاصة بالكتابة، لأن لدينا نقصاً على مستوى الكتابة والدراما، في السينما مثلاً نجد تقنيات عالية جداً من مونتاج وإخراج وديكور وغير ذلك، لكن على مستوى النص ثمة بالفعل أزمة".

يرى الفنان المغربي أن التجديد في الموسيقى لا يتم على مستوى اللحن، وإنما يتم على مستوى البنية، أو ما يسمى اليوم التوزيعات الموسيقية. يتساءل نعمان: "على أي مقياس تشتغل؟ على أي بنية تشتغل؟ هل تشتغل على ألحان ميلودية، أو تشتغل وفق بنية توزيعية؟ بحيث تعطي لكل آلة دورها، وفي المجموع تصل إلى النكهة العامة؟". ثم يجيب: "في هذا الإطار أشتغل على موسيقاي وفق بنية عمودية للتوزيع الموسيقي العلمي، إنني أحاول أن أجدد لأن 95 في المئة من الموسيقى المغربية يقوم على ما يسمى اللحن الميلودي الأفقي، وأنا أشتغل عمودياً".

الأغنية الجيدة بسيطة لكن عميقة 

سألناه عن الصعوبات التي واجهته في مشروعه التجديدي، وكيف تفاعل معه الجمهور، فأخبرنا أن تجربته الفنية كانت تبدو للمستمعين غريبة إلى حد ما، لكن مع الاستمرارية اكتشفوا أن الأمر يتعلق بملامح مدرسة جديدة مبنية على العلم ويستلهم روحها من الجمل المغربية، ولكن بتوظيفات جديدة، "إن موسيقاي لها معادلة خاصة وهي ما أسميها بالعمق والبساطة، أي إن الأغنية تكون عميقة، لكن في الوقت نفسه تفهم من لدن العامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أردنا أن نعرف طبيعة الجمهور الذي يتوجه إليه بفنه، وإن كان يضع أمام عينيه فئة معينة وهو يلحن عملاً جديداً، فكان جوابه على النحو التالي: "عندما أنتهي من لحن ما، أحاول أن أنظر إليه من عدة زوايا. أولاً الزاوية التقنية؛ بمعنى أن الغناء صحيح مئة في المئة خالٍ من الزخرفات، وأن النطق صحيح أيضاً، حيث إن كل حرف ظاهر في التسجيل يجب أن يشتغل عليه. ثم الإحساس؛ يعني إذا كانت الأغنية حماسية، يجب أن أفعمها بالحماسة، وكذلك إذا كانت حميمية أو أنثروبولوجية، أو غير ذلك. ثانياً الزاوية الذوقية؛ أي إنني أستمع إلى أغنيتي متقمصاً دور طفل صغير لم يدخل المدرسة بعد، ثم أبدأ في تغيير بعض الكلمات التي تبدو صعبة بكلمات أخرى سهلة، وبعد ذلك أتقمص دور موسيقي محترف من أجل ملاحظة ما إذا كان بعض المصطلحات تعاني السماجة، ثم أدير الكأس مرة أخرى لأتقمص دور سيدة ستينية، وهكذا، حتى أكون قد عاينت الأغنية من جميع الزوايا".

يضيف نعمان الذي ألف ولحن وأدى كثيراً من القطع التي تتغنى بالمدن المغربية: "عندما أفكر في الكتابة عن مدينة ما، فأنا أقوم بدراسة حولها، والتركيز على معالم ومقومات كل مدينة، كالمقومات البشرية والاجتماعية والأنثروبولوجية، دون نسيان أي معطى مهم، وأسعى إلى تكثيف هذه المعطيات، لأن الأغنية قصيرة ليست كالنص".

الأرقام وحدها ليست معياراً للنجاح الفني

اعتاد جمهور نعمان لحلو أن يسمع أغانيه التي يترقبها بعد كل حدث أو ظاهرة، فالمعروف عنه أنه سريع التفاعل مع الأحداث، لذلك سألناه عن هذه الحالة التي لا يترك فيها الفنان مسافة زمنية بين الحدث والتفاعل الفني معه. فاختار أن يؤكد قبل الجواب بأنه ينتمي إلى مدرسة لا تعتبر الفن هدفاً، وإنما وسيلة. وأضاف، "بالنسبة إلى مواكبة الفنان لأحداث معينة أو لواقع المجتمع أو لشخصية ما، إذا تأخر أحياناً فقط لأربع وعشرين ساعة عليه أن ينسى الموضوع برمته، لأن الموضوع يجب أن يكون وليد اللحظة، على الأقل في المدرسة التي أنتمي إليها أنا. فأنا مثلاً لديّ مجموعة من الأعمال الجاهزة، لأنني أحياناً أستبق الأحداث. ومن بين هذه الأعمال أغنية بعنوان "غداً نفتح الحدود"، وهي تحكي قصة حب بين شاب مغربي وشابة جزائرية، لكن تحول بينهما الحدود. ولما انتهيت من الأغنية، وكنت على بعد يومين من تصويرها في نواحي مدينة السعيدية قريباً من الحدود، وقع ما وقع بيننا وبين الجزائر، بالتالي فقد توقف العمل، لأنه لو خرج إلى العامة حينها لنظر إليه من منظور سياسي، على الرغم من قيمة الأغنية والجهود التي بذلت من أجل نجاحها. واليوم، ألّفت أغنية حول سبتة ومليلية، ولما اطّلعت على المشهد السياسي وجدت نفسي قد استبقت الأحداث أيضاً، بسبب ظهور مشاكل بين المغرب وإسبانيا. وبما أن الأمر متعلق بإسبانيا حول مجموعة من الخلافات، فإن ورقة سبتة ومليلية ستلقى فوق طاولة الصراعات من دون أدنى شك، وهذا بالضبط ما حدث عام 2008، عندما أصدرت أغنية حول الماء، واليوم نجد أن الماء هو أكبر إشكالية في العالم بأسره، والمثال على ذلك ما يحدث من نزاعات وخلافات بين السودان ومصر وإثيوبيا".

حين يبدع نعمان لحلو مثل هذا النوع من الأغاني، غير العاطفية طبعاً، فهو يعلم مسبقاً أن مدى انتشارها لن يكون كبيراً، غير أنه لا يفكر في الانتشار وحده فقط: "لا يهمني الموضوع، لأن الأغنية هي التي ستعيش، وهذا ما يسمى "النجاح الأفقي"، بينما هناك نجاحات عمودية، يمكن للفنان أن يستفز الناس من خلالها، وأحياناً تكون جارحة، لكن هذا النجاح هو آني لا غير، إذ بعد مرور أشهر قليلة تنسى الأغنية وصاحبها".  

المزيد من فنون