Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الدوبيت" السوداني يتسيد الفنون الإنشادية ويقارب النبطي

اسـتخدمت ألحانه في بعـض مقدمات الأغاني الدينية والدنيوية بصورة ارتجالية شيقة

فنان سوداني ينشد ويعزف لحن "الدوبيت" (حسن حامد - اندنبدنت عربية)

أنشد السودانيون منذ القدم أنماطاً متنوعة من الشعر العربي الشعبي الذي تتعدد أنواعه بتعدد قبائل السودان واختلاف لهجاتهم، ومن أبرز تلك الأنماط فن "الدوبيت"، وقد اعتلى سلم هذه الانماط الشعرية الشعبية في السودان بجدارة وحضور متفرد، وأصبح له مبدعوه المميزون، وهو يحمل في ثناياه مخزوناً غنياً من المعاني، ومن كنوز الإبداع التي شكلت تراثاً لمادة فلكلورية تراثية شعبية، نشأت في بوادي وسط السودان المختلفة.

تسيد هذا النمط ساحة الأنماط الإنشادية الارتجالية الحرة، نسبة لمرونتها وانسجامها، واسـتخدمت ألحانـه في بعـض مقدمات الأغاني السودانية الدينية والدنيوية بصورة ارتجالية شيقة واضحة. وارتقى إلى أن استخدمه المغنون في التعبير النغمي المُتقن، فاستجاب له المستمع السوداني، واستمتع بكلماته وألحانه الارتجالية في المناسبات المختلفة. وتميز الشاعر الشعبي السوداني بعواطف وجدانية خاصة، تشي بسحر خاص يتدفق مع إيقاع نظمه المتسق وخصوصية الثقافة السودانية الآفروعربية، بما يعكس مثابرة استثنائية في النضج والازدهار.

 يحمل هذا النمط من الشعر الشعبي إحساساً مضاعفاً تجاه عبء الهوية المزدوجة وتداعياتها عبر الزمان والمكان، ليعبر عن ذلك كله في قالب بنيت كلماته من نموذج طريف في الفن القولي من الشعر الدارج. ونظراً لأثره البالغ في وجدان الانسان السوداني، وحياته اليومية، انتقل بسرعة مـن البادية إلى القرى، ومنها إلى المدن حتى أصبح يمثل حقـه الكامـل في التعبير النغمي الحر، مستخدماً نماذج مـن كلمات عاميـة وأعاريض شعرية، ومواضيع ممتعة، حتى أصبحت نماذجه الغنائية حية ومتطورة، وانعكست على حيـاة الشعب السوداني بصور متجددة، بل ظل الظاهرة التى أثـارت شـعراء الأغنية السودانية، فاتجهوا لكتابة أكثر أشعارهم من الشعر القومي السوداني.

رحلة شعبية

يقول الناقد والباحث في التراث السوداني محمد الفاتح أبوعاقلة في تناوله لهذا النمط الشعري من حيث نشأته وأثره، "عندما يسألني أحدهم عن شعر الدوبيت لا أملك إلا أن أجيبه بأنني أعتقد أنه يقصد الدوباي. فالدوباي نغم سوداني خالص، لأنه نشأ وبرز للوجود مع بدء عمارة الإنسان السوداني، بجغرافيته التي تمتد فيها السهول والبوادي، والمراعي المفتوحة التي تسرح وترعى فيها الإبل والأغنام والأبقار والضأن والحيوانات البرية الأخرى". وأرجع مرتكزه في هذا الرأي إلى أنه وجد في السودان أنساقاً شعرية شعبية كثيرة، على وزن الدوباي، منها على سبيل المثال الدوبيت الشاشاي والواواي والهداي والهوهاي والنوناي، وهي أجناس لا نظير لها في الفارسية التي ينسب إليها بعضهم الدوباي السوداني. فهذا المصطلح (دوبيت) في الفارسية، يعني بيتين من الشعر، وهو شعر لا تتحد فيه القافية في الشطرات الأربع التي تنتظم مربعه الشعري، على خلاف ما في الدوباي السوداني الخالص، الذي يلتزم قافية موحدة في كل شطراته.

فن المسدار

وأضاف، "ثم إن الجذر دوبت له دلالة قوية في العامية السودانية، فهو يعنى شحناً وعبأً وملأً، فعندما يقول البدوي لأخيه دوّبت الوعاء بالماء فإنه يقصد ملأه بالماء. ويقول له كذلك دوبتنا بالغناء أشجيتنا ودوبنا بالغناء السمح، أي أسمعنا غناء يشحننا بالحس والذوق، والمشاعر القوية".

 وبحسب أبو عاقلة، فإن وجود فن الدوبيت في السودان قديم جداً، ومن نماذجه القديمة الأولى ما ورد على لسان الشاعر إبراهيم الفراش:

"أمانة يا الدهب صادفاني غيه

تعرب في الضمير نيرانها حيه

أكان ما خوف مديرنا اب خمسمئة

بكمل باقي عمري مع الجديّة".

ويقول، "هذا بعض ما أشار إليه البروفيسور سيد حامد حريز في كتابه "فن المسدار"، والمسدار هو جملة من مربعات الدوباي، تنتظم في نص واحد يطول في أغلب الأحيان ليصف رحلة الشاعر على ظهر البعير، من مكان إلى آخر، واصفاً الطريق ومحاوراً بعيره". ويلفت إلى أن الدوباي عالج مواضيع شتى، غطت كل جوانب الحياة السودانية، فهو تاريخ وجغرافية للسودان، ومتحف يوثق للحياة السودانية خير توثيق، فالتراث المادي مبثوث في ثنايا شعر الدوباي بحرفية عالية، والشيء الذي يفتقر إليه دوباي الشباب، الذين ينظمون الدوباي في هذه الأيام.

بحور الدوباي

ويبين الناقد والباحث أبوعاقلة أن الدوباي يؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على قيم المجتمع السوداني وتربية الأجيال على محبة تراثهم، والعمل على صيانته، ويرصد كل الأحوال التي تنتظم المجتمع السوداني، ويعبر عنها إيجاباً أو سلباً، كما يأتي على بحرين بحر قصير ضيق، وبحر عريض، والشاهد على الأول ما نجده في شاشاي ود النصيح:

"روح الروح رحلوبه

ومني بعيد فاتوبه           

الدنيا السايقة هبوبه

الليلة علي مقلوبة".

أما البحر العريض، فالشاهد عليه قول الصادق حمد الحلال ود آمنة:

"براق المشابك لم سحابو وكره

أخد الليل وباكر فوق شريط جره

السيل والغرق منع السعية الفره

حنتوت ام هبج لبس العمم وانشره".

ويؤكد أن شعراء الدوباي استخدموا أساليب شتى في معالجة أشعارهم، مثل أبجد هوز الحروف، وأبجد هوز القدسي للترميز، كما استخدموا لزوم ما لا يلزم لتكثيف الصوت وشد السامع.

انتشار وشهرة

ويوضح أبو عاقلة أن "هناك عدداً من شعراء الدوباي في القدم منهم إبراهيم الفراش وعبدالله أب سن والحاردلو وأحمد عوض الكريم اب سن وعبدالله حمد ود شوراني وود السميري الفادني والصادق حمد الحلال وطه ود الشلهمة وطه عبيدالله البطحاني وعكيرالدامر.

ومن الشعراء الذين أعقبوهم أحمد عبدالله البنا الفرجوني، وعبدالله محمد حسب الله الشريقاوي وصديق محمد العوض ويوسف القسم الشوبلي وعبدالله الدكيم ومحمد أحمد ود التقيل وسعد محمد على موسى ود النصيح وعبد المحمود محمود محمد شريف ود الخاوية.

ويلفت إلى أن "الدوباي ينتشر في معظم مناطق السودان، وبخاصة المناطق الرعوية البدوية المنتشرة في سهول الدندر والبطانة وكردفان ودارفور وشمال السودان وشرقه، لكنه الآن انتشر في كل حواضر السودان ومدنه، وصار مشروعاً لعدد كبير من البرامج الإذاعية والتلفزيونية. وكان لي شرف المبادرة في مارس (آذار) 1986 بنشر هذا النمط الشعري وترويجه، ونصرة شعرائه عبر برنامجي الإذاعي في بإذاعة ودمدني (دوبيت ومسادير)، وهذا قبل أن أكتشف صحة المصطلح (دوباي)، الذي اتخذته عنواناً لديواني الشعري لاحقاً، "دوباي وقوقاي"، كما عنيت عناية كبيرة بالدوباي في برنامجي التلفزيوني بالفضائية السودانية في أم درمان "بوادينا"، والذي استمر 11 عاماً 1993 - 2004".

ويرى أن" للدوباي حضوراً قوياً في مجال الثقافة السودانية والعربية والأفريقية والعالمية، بحيث اتضح لي أن أثره الخارجي واضح جداً من خلال قصائد الشعراء التي سادت الفضاء الأسفيري، وهناك تواصل طيب بين شعر الدوباي والشعر النبطي، مما حدا بدائرة الثقافة بإمارة الشارقة مشكورة إلى طباعة 11 ديواناً لشعر الدوباي في مهرجاناتها الثقافية، كما بدأت شعوب كثيرة تردد الأغنيات التي تستمد كلماتها من الدوباي. ويمكنني القول وبكل التأكيد إن الدوباي شعر يمتلك كل مقومات البقاء والتمدد في المستقبل، فهو صوت الإنسان السوداني، والمعبر عن همومه وآماله بصدق واضح".

مواكبة الأحداث

يوضج الباحث السوداني في شعر الدوبيت الأمين البنا أن "شعر الدوبيت أشبه بشعر الجزيرة العربية، وبالتحديد الشعر الجاهلي، لأن كل أقاليم السودان التي تهتم بهذا النوع من الشعر هي إما عربية أو شبه عربية، وذلك لتشابه كثير من العادات، فالشاعر امروء القيس كان يغني لأطلال دار سلمى، وفي السودان نجد محمد زين اللحوي يغني لمحبوبته، وكذلك هناك شعر المسادير وهو جمع مسدار، وهو أقرب للشعر الجاهلي، وفيه يصف الشاعر دار محبوبته، والسفر على ظهور الإبل، وطول الطريق ووعورته، وما يعترضهم من صعاب من أهل المحبوبة وغيره".

وأضاف، "غالباً ما يكون شعر الدوبيت مربعاً، أي أربعة أبيات من الشعر، ويختلف من منطقة إلى أخرى، ففي غرب السودان يزيد على الأربعة، كما في منطقة رفاعة، فيتكون من خمسة وأكثر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير إلى أن هذا النوع من الشعر لم يكن ملحناً وإنما كان مجرد إلقاء، لكن اجتهد بعض الموهوبين في تلحينه، واختلفت رواىات تلحينه من منطقة إلى أخرى، وأحياناً يكون في شكل إنشاد.

وأشار البنا إلى أنه في الفترة الأخيرة اهتم كثير من الشباب بفن الدوبيت مع مواكبته للأحداث الجديدة، مخالفين بذلك النمط القديم الذي كان موجهاً إلى المحبوبة والإبل ومواسم الخريف وجمال الخضرة، والارتباط بالأرض والدفاع عنها حتى الموت، لافتاً إلى وجود وجه شبه بين لغة البادية واللغة العربية في العصر الجاهلي، مع اختلاف بسيط في النطق.

ويتوقع أن يزدهر هذا النمط من الشعر الشعبي بشكل أكبر مستقبلاً، لأنه يعبر عن أحاسيس كثير من الشعراء، وبخاصة شؤون حياتهم اليومية ومشاعرهم الشخصية الخاصة، وذلك بقطع من الشعر فيها شكل القصيدة العام من دون التطويل المتبع، فشعر الدوبيت تناول مواضيع كثيرة في الحياة اليومية، منها ما هو مرتبط بالغزل وآخر بالحزن وسقاية الإبل وغير ذلك كثير، فشعراء الدوبيت هم أسرع الناس تعبيراً عما يعتمل في نفوسهم وفي نفوس الآخرين من الآلم والشعور المحض.

المزيد من فنون