Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ثمة فرصة للقوى الليبرالية للفوز في الانتخابات العراقية المقبلة؟

مراقبون يرون أن الإسلاميين لن يسلموا السلطة ونصيب أطراف المجتمع المدني مقاعد محدودة لن تحسم قراراً لصالحهم

جلسة لأعضاء البرلمان العراقي  (أ ف ب)

الانتخابات العراقية المبكرة المقرر إجراؤها في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تثير الكثير من الاحتدام والصراع غير المتكافئ بين الإسلاميين والليبراليين، كما تثير أسئلة مفتوحة عن القوى والأطراف التي ستخوضها، حتى وصلت إلى حدود الوجود أو اللاوجود بعد تراكم ملفات الفساد والاغتيالات، والإغراق في دم المحتجين الذين ما زالوا يتساقطون فوق دروب الحرية.

صراع الدولة واللادولة في العراق 

الصراع بين الإسلاميين والليبراليين، يتنامى ويتسع، لا سيما بعد إقالة الحكومة السابقة ممثلة بإسقاط عادل عبد المهدي بعد تظاهرات أكتوبر عام 2018 التي سال خلالها الكثير من الدم، ورفعت مناسيب الصراع المجتمعي، وأثارت عاصفة من الأسئلة كما أسلفنا، في مقدمها، فهل سيحجز الليبراليون، المدنيون مقاعد لهم بين حشود البنادق التي تسّلح بها الإسلاميون وهم يتخندقون خلف دولة وأحزاب، ويتمترسون وراء ميليشيات وسلطة تنقسم بين قوى الدولة واللادولة!. توجهتُ للعديد من مثقفي العراق للوقوف على واقع ذلك الصراع الذي يزداد يوماً بعد آخر، كلما اقترب موعد تلك الانتخابات التي يحلو للبعض وصفها بـ"المفصلية"، سألتُ عن فسحة القوى الليبرالية في تلك الانتخابات.

لا تراث ليبرالي في العراق

يقول الكاتب والمفكر حسن العلوي، "أفاجئك بالقول، ‏إن العراق ليس له أي تراث ليبرالي، والمعارضة وحدها كانت ليبرالية، والحكومات كانت ديكتاتورية - عثمانية وليست حديثة، على العكس من مصر أو سوريا التي تملك نصف تراث ليبرالي، الليبراليون لم يحظوا بأي أهمية في بلادنا، حتى كامل الجادرجي لديه حزب ليبرالي صغير اسمه (الوطني الديمقراطي)، والأحزاب الأخرى الثورية استغلت هذا الواقع ونفذت إليه، وهي الحزب الشيوعي والبعثي والناصري والأحزاب الإسلامية السرية بشكل عام، العراق أصلاً لا يحترم الليبراليين، حتى الجواهري شاعر العراق الأكبر يقول (فضيق الحبل وشد من خنادقهم، فربما كان في إرخائه ضرر). قالها يصف انقلاب بكر صدقي ورجاله في الثلاثينيات الذين كانوا هم جلادون انقلبوا على الحكم الملكي، وهم أنفسهم من أودعوا الجواهري في ما بعد السجن، فخرج ناقماً عليهم وعلى كل شيء، فمن هذه الحكاية أؤكد أن العراق بلا تاريخ ليبرالي".

الإسلاميون لن يسلموا السلطة 

يقول السياسي المستقل محمد السعبري، وهو إسلامي النشأة، "إن المشكلة تكمن في عدم الدخول في عمق الأحزاب الإسلامية، ويؤخذ عنها سطحية التصور ودائماً ما نقتنع بأن الأحزاب الإسلامية فاسدة وهي كذلك، بالتالي نقنع أنفسنا أنها انهارت وليست لديها شعبية، وهذه الاستهانة تعكس انطباعاً ثانياً واقعياً، فالذي أتوقعه أن يحصد الليبراليون بعض المقاعد ولكن ليست المقاعد الكافية لإعطائهم قوة القرار، لأن الإسلاميين الذين (تشيطنوا) في السياسة والسرقة والاستحواذ على المال العام حولّوا المواطن والعاطلين إلى تُبع لها، فمن المستحيل أن تأتي قوة ليبرالية شكلت خلال سنتين أو ثلاثة لتجابه قوة لها 18 سنة في الحكم، وهنا يحدث الخلاف السياسي بين الليبراليين والإسلاميين مما ولد صراعاً سياسياً على السلطة والمناصب والمال، وهو يقود لأجندة واحدة، إما الخسارة أو الفوز، فالإسلاميون لن يلبسوا ثوب الخسارة لأنهم يدركون أن ارتداءه فيه نهايتهم، ولا يدخلون الانتخابات بل سيدخلون معارك من أجل الفوز. حتى أرجح احتمال أن تصل إلى استخدام السلاح والاختطافات وممارسة العنف ضد خصومهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة ثانية يرى السعبري، "أن الليبراليين أخطأوا في التعامل وبالتوقعات والوعود التي قطعوها بعد أن تسلموها من هذا المكان أو ذاك كونهم لم يتعاملوا بروح المواطنة والحوار ودخلوا معركة من أجل الفوز حفزت الأحزاب الإسلامية على المجابهة من أجل الاستحواذ على السلطة، وفرضوا منطق أن من يسعى لإزاحتهم يجابهونه كـداعش، ويجوز إعلان الحرب عليه".

يوضح السعبري، "الليبراليون لم يفهموا قضية مذهبهم الحقيقي، وكيف تعمل من دون تشنج لذلك قد يحصلون على مقاعد لكنها لا تؤهلهم على أن يكونوا أسياد القرار في البلد، بعكس الحال في إيران فقد دخل الإسلاميون والليبراليون في مواجهة ولكن غير متعصبة أو متشنجة بل تعمل بمرونة من أجل البقاء". المفارقة التي يوردها السعبري أن "أغلب الذين ترشحوا من الليبراليين هم من أبناء وأحفاد الأحزاب الإسلامية، يُخرجهم الإسلاميون في حال الحاجة من المغارات ويحولونهم إلى ليبراليين علمانيين ليكونوا في النتيجة تابعين لهم، وأجزم أنهم لن يعطوا الفرصة لليبرالي الحقيقي ليصل للسلطة، فالليبرالية الجديدة في العراق تكاد تكون تابعة للأحزاب الإسلامية التي تقود السلطة الحالية".

الإسلاميون ظاهرة طارئة 

لكن النائب ظافر العاني عن جبهة التوافق يرى أن الإسلاميين ظاهرة طارئة في المجتمعات الإسلامية ظهرت في السبعينيات، وتعيش آخر أطوارها الآن، يقول، "قد يكون الليبراليون اليوم ضعفاء ولكن الأخطاء الكارثية للإسلاميين في العراق، الذين بالضرورة يكونون طائفيين بحكم الانقسام المجتمعي مذهبياً، قد خلق رد فعل شعبياً ضدهم وهي تتنامى في كل يوم، ولولا القسوة والبطش والاستقواء بالسلطة والميليشيات لأنهار الحكم وعادوا لحجمهم الطبيعي".

الأزمة المتأصلة في الحكم ووهم الديمقراطية

يذهب نديم الجابري بعيداً في تصور أزمة الليبراليين والديمقراطية في العراق عموماً بقوله، "لم يألف الشعب العراقي الديمقراطية كي يصبو إليها، بل تعايش مع الاستبداد وألفه كأمر واقع لمدة سبعة آلاف سنة خلت لدرجة أصبحت أرض العراق خصبة لولادة الاستبداد تلو الآخر". يضيف، "إن القيم الدينية - السياسية التي أرسى دعائمها الإسلام السياسي الحاكم كانت قد أسهمت بتهشيم التجربة الديمقراطية في العراق، إضافة إلى القيم الاجتماعية التي تحتكم إلى القوة والتوريث وحكم الأبوة والتمييز الجنسي ولا تتسق مع أنماط التصويت في الانتخابات المتعاقبة مع الثقافة الديمقراطية لأن أصوات الناخبين ذهبت باتجاه من يؤمن (بحاكمية الله) لا باتجاه من يؤمن (بحاكمية الشعب)".

حين يتحول الحكم إلى مُلك 

الكثير من الكتّاب والمفكرين العراقيين باتوا مقتنعين بوجود أزمة تحف الانتخابات المقبلة نتيجة الصراع والاستقتال الذي يبديه المتشددون، الذين يعتقدون أن السلطة التي يمسكون بها منذ 18 عاماً منحتهم ما لم يحلموا به مما خسروه خلال عقود، وأن الأفكار التي يطلقها مثقفو الليبرالية المنادين بدولة مدنية وفصل تام للسلطات وتداول حرّ للسلطة كل أربع سنوات، حيث خلص إليه الدستور أضحى يتعارض وأمنياتهم في البقاء في الحكم الذي حولوه إلى (مُلك) يجلب لهم كل العوائد التي لا يشاركون بها أحد بقوة السلاح وتدفق المال ونهب الثروة وعقد تحالفات مسلحة في الداخل، والبحث عن حامٍ إقليمي يبقي السلطة بأيديهم حتى لو تحولوا إلى حديقة خلفية للجار الإيراني حيناً، والحليف التركي الكردي حيناً آخر، ما يهم في الاستحواذ على السلطة طريقها للمال وبأي ثمن وصيغة، هي تماماً (ديموكتاتورية) على حد وصف سياسي مخضرم.

من هنا تضيق فرص القوى الليبرالية التي تنادي بدولة مدنية، لا سيما أنها لم تؤسس على تاريخ وبنية قوية كما يصفها المفكر حسن العلوي، "الأحزاب الليبرالية لم تتمكن من العيش طويلاً بعكس الأحزاب الثورية التي كانت قائمة لعقود من الزمن، فالحزب الليبرالي مفلس من الجمهور ولا يكفي لإياد علاوي الرمز الكبير لليبرالية العراقية حالياً أن يكون مخلصاً وليبرالياً لأن القاعدة العراقية لليسار، ولو كان علاوي كذلك لاكتسح الجمهور"، أما اليمين فلم يؤسس لدينا أي ثقافة، وهو مفلس في العراق عكس اليساري الذي يعمل سراً وهذا ما حال دون انقسام الأحزاب الثورية بل وغطى على إخفاقاتها، وظلت السرية سمة حتى للأحزاب وهي تحكم وتعقد مؤتمراتها سراً!

المزيد من تحلیل