Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريمنغر يختم مساره بفيلم يجمع بين غرين ولوكاريه وأحزان كيم فيلبي

صاحب "العامل الإنساني" جزء من تاريخ "هوليوود" وعلامات كونيتها

المخرج أوتو بريمنغر (غيتي)

لا شك في أن غراهام غرين كان يفكر أول الأمر، حين شرع يشتغل على واحدة من آخر رواياته الكبرى وأقواها، "العامل الإنساني" بكيم فيلبي الذي استوحى منه العديد من سمات الرواية، إنما من دون أن تتطابق الأحدث التي تملأ صفحاتها، مع أحداث حياة ذلك العميل المزدوج الذي أمضى آخر سنوات حياته في موسكو بعدما فرّ إليها من بيروت وقد انكشف أمره. لكن غرين كان يفكر أيضا بزميله ومواطنه الكاتب جون لوكاريه الذي كان قد اختط لنفسه في عالم الروايات التجسسية خطاً سيكولوجياً لا ينافسه فيه أحد. ومن هنا قد تبدو "العامل الإنساني" عنواناً وشخصيات وتفاصيل تأملية رواية للوكاريه أكثر منها رواية لغرين.

ولعل هذا الواقع هو ما شدّ المخرج أوتو بريمنغر إلى الرغبة في أفلمة رواية غرين، هو الذي كان كثيراً ما أعلن رغبته في اقتباس واحدة من روايات لوكاريه ولو مرة في حياته، لكنه كان يصطدم دائماً بحاجز مالي يجعله متأخراً في تقديم عروضه في كل مرة تصدر فيها رواية جديدة للوكاريه. من هنا كان من الطبيعي أن يجد ضالته في "العامل الإنساني"، فسارع بشرائها منتظراً أن تسنح له الفرصة لإنتاجها.

الفرصة الضائعة

والحقيقة أن الفرصة قد سنحت أواخر سنوات الـ 70، وكان ذلك في شخص ثلاثة من رجال الأعمال السعوديين ممن كانوا راغبين في خوض الإنتاج السينمائي، فوافقوا على إنتاج الفيلم بموازنة تقترب من 8 ملايين دولار، لينطلق السينمائي في مشروعه بحماسة سرعان ما أخمدها انسحاب الممولين الثلاثة، مما اضطره إلى خفض الموازنة إلى الثلثين، والإنفاق على الفيلم بنفسه.

المهم هنا أن "العامل الإنساني" أنجز بسرعة وعرض ليرى فيه كثر واحداً من أفضل أفلام بريمنغر الذي كان توقف عن تحقيق أفلام جيدة منذ ما يزيد على 20 سنة، ولسوف تبدي الأيام مزيداً من قهرها له، إذ سيكون هذا الفيلم الذي حققه وهو في الـ 73 آخر نشاط سينمائي له قبل رحيله. وإلى هذا لا بد من أن نلاحظ كيف أن غراهام غرين نفسه سيرى بعد مشاهدته "العامل الإنساني" أنه واحد من أفضل الأفلام التي حققت عن رواياته. كانت تلك بالتأكيد خير شهادة لمصلحة بريمنغر يختتم بها حياته السينمائية ثم حياته الفعلية بعد ذلك بسنوات قليلة.

لو كان لوكاريه يعرف!

أما جون لوكاريه فكان تعليقه بعد مشاهدته الفيلم أن هذا الأخير كان من التميز إلى درجة أنه تمنى لو كان قد علم برغبة المعلم الهوليوودي في وقت مبكر، فكان من شأنه أن يخصّه برواية له يؤفلمها وتعيد إلى عمله ذكرى ذلك العمل الأول الذي اقتبس عنه وهو "الجاسوس الآتي من الصقيع" الذي أطلقه سينمائياً، ولكن أدبياً أيضاً معطياً كتابته سمة مناهضة لجيمس بوند لكون رواياته تتسم بقدر كبير من النزعة السيكولوجية. والحقيقة أن هذه النزعة هي التي شدد عليها أوتو بريمنغر مع كاتب السيناريو توم ستوبارد في اقتباسهما لرواية غرين التي بأكثر مما تشتغل على الأحداث والقلبات المسرحية، تغوص في البعد الأخلاقي لثاني أقدم مهنة في التاريخ، التجسس. وفي الدخول إلى جوانية صاحب العلاقة في تحر بالغ الذكاء لضروب خياناته وندمه ودوافعه، وهي على أي حال المواضيع التي كثيراً ما اشتغل عليها بريمنغر الآتي أصلاً من ثقافة فيينا بدايات القرن الـ 20 ليصب في هوليوود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الغرباء الذين صنعوا هوليوود الكبرى

ولمناسبة الحديث عن بريمنغر لا بد من الإشارة إلى واقع أنه دائماً ما يُطرح بشكل أو بآخر، سؤال أساس يتعلق بالسبب الذي جعل السينما الأميركية ناجحة، ومن دون منافس على الإطلاق، حيث تتنوع الاجابات. غير أن هناك دائماً جواباً واحداً يتفق عليه مؤرخو السينما ونقادها، على الرغم من أن هذا الجواب يظل عصياً على الفهم بالنسبة إلى عشرات الملايين من مشاهدي السينما الأميركية والمتأثرين بها، هذا الجواب هو أن هذه السينما كونية كوزموبوليتية بامتياز، فحتى إذا كانت سينما هوليوود قد انطبعت على الدوام بطابع السينما التي تحكي الحلم الأميركي وما شابه ذلك، إلا أن قيمها كانت دائما كونية، بمعنيي التأثر والتأثير. والعامل الأساس الكامن وراء عالمية وكونية هذه السينما، هو نفسه الكامن وراء شمولية المجتمع الأميركي وكوزموبوليته، تدفق المهاجرين الآتين من شتى الأصقاع إلى أميركا، وكل منهم يحمل تراثه وسمات ثقافته وتاريخه، ليضيفها إلى ما لدى "الأميركيين" أنفسهم.

من هنا، ولحصر الحديث عن السينما الهوليوودية، تعود الذاكرة إلى نهاية الربع الأول من القرن السينمائي الهوليوودي، وإلى مئات السينمائيين والكتاب الذين راحوا يتدفقون على عاصمة السينما، إما هاربين من أوضاع غير ملائمة ســــادت بلـــدانهم، وإما باحثـين عن مكان في جغرافيا فن سابع بدأ، لا سيما مع زمنه الناطق، يحل محل الفنون الأخرى.

التجديد الآتي من وسط أوروبا

ولئن كان المبدعون الإنجليز من أوائل الذين قصدوا هوليوود فصاروا جزءاً منها تساعدهم في ذلك لغة وهموم وتاريخ مشترك أنغلوساكسوني، فإن الإيطاليين لم يكونوا أقل منهم تدفقاً، غير أن التجديد الأساس بدأ يطرأ على هوليوود، ذهنية وإشكالاً، مع قدوم العديد من مبدعي أواسط أوروبا إليها، لا سيما الألمان والنمساويين منهم. وهؤلاء بعد أن أسسوا سينما مزدهرة، فنياً وإلى حد ما تجارياً، في بلدانهم، كان لا بد لهم مع اشتداد القمع النازي من إن يفروا، لأن معظمهم كان إما يسارياً وإما يهودياً. و"الصنفان" كانا يلقيان ترحيباً في هوليوود التي كانت استنفدت مخزونها الفكري والجمالي في ذلك الحين، وتبحث عن دماء جديدة.

بين اليسار والصهيونية

وكان أوتو بريمنغر من بين النمساويين الذين قصدوا هوليوود عام 1935، هو الذي كان في الأصل ممثلاً يعمل مع ماكس رينهاردت في فيينا، ثم حقق فيلماً أولاً له بالألمانية هو "الحــــياة الكبيرة"، غير أن هذا الفيلم كان فيلمه الجرماني الأول والأخير، لأنه سرعان ما رحل إلى الولايات المتحدة، ووجد لنفسه مكاناً فيها، وصار واحداً من كبار الهوليووديين، إلى درجة أن اسمه كان في "القائمة السوداء" الماكارثية أوائل الخمسينيات باعتباره يؤثر "سلباً في عقول المتفرجين"، و"ينشر الدعاية الشيوعية". مهما يكن من يسارية بريمنغر، فإن صهيونيته عادت وغلبت عليه في أوائل الستينيات حين حقق فيلم "اكسودس" الذي تسبب في منع أفلامه من العرض في البلدان العربية. صحيح أن الجمهور العربي لم يخسر كثيراً بذلك المنع، فالحال أن الأفلام الكبرى والجيدة التي حققها بريمنغر كانت قد سبقت ذلك التاريخ، ومنها مثلاً "لورا"، أحد الأفلام التي لا تزال تحظى حتى اليوم بإعجاب ملايين المتفرجين. و"لورا" يذكرنا بأن بريمنغر عرف، في معظم أفلامه، كيف يجعل للمرأة دوراً أساساً. ففي هذه الأفلام إما تكون المرأة محور الحكاية، ومحط رغبات وصراع الشخصيات الأخرى، أو تكون هي التي تقود الحكاية من الأساس. بمعنى أن النساء في أفلام أوتو بريمنغر، كن إما مهدِدات وإما مهدّدات، مما يجعل تلك الأفلام تحمل نكهة جديدة لم تعرفها كثيراً السينما الهوليوودية من قبل بريمنغر.

أغنية البجعة الأخيرة

حقق بريمنغر فيلمه الهوليوودي الأول بعنوان "تحت جلدك" عام 1936، أي بعد عام من وصوله إلى وطنه الجديد، وحقق فيلمه الأخير "العامل الإنساني" عام 1979. وهو بين العامين المذكورين حقق ما يقرب من 40 فيلماً، تنوعت مواضيعها، بين الاجتماعي والبوليسي والتاريخي، وكانت له على الدوام نجاحات نقدية وضعته في مصاف مهاجرين آخرين مشهورين مثل اليوناني - التركي إيليا كازان، والهنغاري مايكل كورتز، والألماني دوغلاس سيرك.

ولئن كان بريمنغر عرف عصره الذهبي خلال الأربعينيات والخمسينيات، لا سيما في أفلام مثل "لورا" حيث أبدعت جين ترني في واحد من أجمل أدوارها، و"نهر بلا عودة" حيث كشفت مارلين مونرو أنها ممثلة جيدة، لا مجرد شكل جميل وحسب، و"كارمن جونز" و"القديسة جان" عن جورج برناردشو، و"تشريح جريمة" (1960)، فإن أفلام عقده الأخير من النشاط السينمائي دخلت كلها في مهب النسيان، باستثناء "باني ليك مفقودة" (1965) ولكن طبعاً أيضاً باستثناء فيلمه الأخير "العامل الإنساني" الذي ذكر متفرجيه بأمجاده الكبيرة، لكنه كان كأغنية البجعة، صرخة النهاية. وحين رحل أوتو بريمنغر عن عالمنا عام 1986، كانت السينما تغيرت وهوليوود تبدلت، وأضحى هو مجرد ذكرى صالحة للمتاحف.

المزيد من ثقافة