Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تخلق الانقسامات حالة ثورية جديدة في السودان؟

التشكلات السياسية هي من أثار الشارع الذي ينتظر انفراجة اقتصادية وتطبيق ما تم الاتفاق بشأنه من تشريعات وحقوق

تتعالى لغة ثورية جديدة في السودان (حسن حامد)

كان من المفترض أن تعمل الأحزاب السياسية السودانية، خلال الفترة الانتقالية، على إعادة تأسيس علاقتها مع بعضها، وأن يتجاوز التعاون تحديات الفترة الانتقالية قصيرة المدى، لمواجهة تحديات انتقال السلطة وإقامة دولة مدنية ونظام ديمقراطي بتسريع عملية الانتخابات، لكن ضعف الشراكة بين المؤسسات الحزبية وضعف دور بعضها أظهرا تخليها عن التركيز على مهددات الديمقراطية. وبين اتهام حزب الأمة تحالف قوى الحرية والتغيير بعدم الحماسة لتنظيم الانتخابات، واتهام الحزب الشيوعي الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري بالتآمر على حركة الجماهير، تتعالى لغة ثورية جديدة. ولا تقف تداعيات تذبذب الحزبين من تحمل المسؤولية بفشل الفترة الانتقالية وعدم حسم القضايا العالقة، عند طول أمد الأزمة الاقتصادية وتأخر تكوين المجلس التشريعي تهيئة للانتخابات المقبلة واستيعاب التعديلات القانونية، بل امتدت لتشمل إعادة النظر في تنظيم العملية الانتخابية نفسها وبما يؤسس لأزمة مقبلة تواجهها الحكومة الانتقالية.

على الرغم من تعاطي حزبي الأمة والشيوعي مع كل النظم العسكرية في السودان، فإن الترويج لذلك في ظل الحكومة التي جاءت بها ثورة ديسمبر (كانون الأول) لشباب معظمهم بلا انتماءات سياسية إلى أي من الحزبين التاريخيين، لا يمكن أن يمر من دون ضجة؛ فالحزبان معروفان بشكلهما الحالي منذ استقلال السودان عام 1956 ولم يتغير الارتكاز على شخصيات مؤسسيهما، فهما يستمدان عناصر الحياة من بعض الخصوصيات والمرجعيات التاريخية، ولم تتطور برامجهما السياسية وآلية تعاطيهما السياسي مع الجمهور من جهة والحكومات المختلفة، سواء أكانت عسكرية طويلة أو ديمقراطية قصيرة من جهة أخرى.

وتعمل الاتهامات التي أطلقها الحزبان في اتجاهين، الاتجاه الأول هو أن هذه الاتهامات استنفرت الحالة الثورية للشارع السوداني، وهي ورقة ضغط الحزب الشيوعي، فتعالت شعارات "الثورة مستمرة" وغيرها، بينما يفضل حزب الأمة ممارسة السياسة ودوره المتوائم مع الحكومة الانتقالية ويتقرب في الوقت ذاته من القوى الثورية. الاتجاه الثاني، تستبطن هذه الاتهامات الانقلاب العسكري، وهو هدف بعيد عن أن ينادي به الحزب الشيوعي، ولكنه يبدو متقبلاً فكرة تحول العسكريين إلى مدنيين للدخول في انتخابات يتنافسون فيها ضمن القوى السياسية الأخرى، بينما يستطيع حزب الأمة العيش تحت جناح الحكم العسكري والمحافظة على خطه الثوري في آنٍ واحدٍ. وعلى الرغم من مشاركة الحزبين في الحكومة الانتقالية، فإن رضا حزب الأمة يغلفه بانتقادات تتعلق بشكل الممارسة السياسية وأداء الحكومة مهماتها، في الوقت الذي ينتهج الحزب الشيوعي لغة مصادمة وينادي باقتلاع هذه الحكومة والمجيء بأخرى. والإشارة إلى الخوف من الانقلاب هنا جاءت في سياق ردود فعل كانت ذروتها كأنها حالة من الخلافات على صعيد العلاقات وليست اختلافات مبدأية تحركها رؤى وطنية وسياسية.

تعبئة سياسية

يحاول كل من الحزبين، في ظل الارتباك السياسي، استخدام أطروحاته التي تتحدث عن التغيير، من دون أن تتبنى العملية بشكل كامل. ويتفقان على أن معرقلات التحول الديمقراطي تكمن في أن المجتمع السوداني أصبح قابلاً للاستبداد نتيجة خضوعه لحكم الإسلاميين الانقلابي قرابة ثلاثة عقود. وبينما يأخذ حزب الأمة مفردة ثورة كما هي كتعبير عن احتجاج ورفض للوضع القائم، يرى الحزب الشيوعي أن ثورة ديسمبر كانت ثورة خبز، لذلك تعثرت منذ بداية الطريق، وما فعلته هو تهيئة الشارع في ظل حالة ثورية، أما الثورة الحقيقية فهي بتصحيح مسار ثورة ديسمبر، إذ لا بد من القيام بثورة جديدة يكون هدفها الحرية والديمقراطية. وتبدو هذه الصيغة التي تتردد في بعض الاحتجاجات المحدودة خارج فهم الفئات المحتجة التي ترفع شعار "الثورة مستمرة"، لأن الحزب استطاع تمرير فرضية سيطرة العسكر على الحكومة الانتقالية، وهو ما أثار غضب الشارع، وغطى على الفكرة الأيديولوجية في نشأة الثورات.

ومن المفارقات أن مصدر المشكلة يكمن جزئياً في الاستقطاب الأيديولوجي المتطرف للحزب الشيوعي، الذي عرقل قدرة قادته على القيادة بفاعلية وتقليل التكاليف المترتبة على الاستقطاب، إذ إن نفور الشباب من الأحزاب الأيديولوجية بشكل عام وعدم معرفتهم بالحزب الشيوعي بشكل خاص أسهما في هذا الإخفاق وفي تغذية الإحباط لدى الشباب.

أصوات ثورية

اصطدم مجتمع ما بعد الثورة، الذي كان يطمح إلى تغيير جذري، بأداء الأحزاب ذات التفضيلات الأيديولوجية والانتماءات الطبقية أو الإثنية والتعيين بالتوريث. وجاء اعتراض القوى الثورية عليها من واقع أدائها العام وفي ظل الحكومة الانتقالية، إذ بدا غير منسجم وغير كافٍ لبناء دولة ديمقراطية نظراً لتضاد أفكاره مع التعددية، وإعاقتها مشروع التحول الديمقراطي. وخلقت حالة ما بعد الثورة مجتمعاً شديد التباين، ولكنه يتفق على تحسين أداء الحكومة الانتقالية، وصولاً إلى انتهاء الفترة بنظام ديمقراطي. لم تكن الانقلابات العسكرية خياراً له في يوم من الأيام، بل إن الانقلابات كلها تمت بمباركة الأحزاب السياسية، والانقلاب العسكري الأول في السودان نفذه الفريق إبراهيم عبود، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1958، بدعم كامل من حزب الأمة، ثم انقلاب العقيد جعفر النميري في مايو (أيار) 1969 بدعم من الحزب الشيوعي، وانقلاب العقيد عمر البشير في يونيو (حزيران) 1989 بدعم كامل من حزب الجبهة الإسلامي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهناك أصوات ثورية تهدف إلى تسليط الضوء على قصور سياسات الحكومة، وهي حالة عامة ملموسة ومرئية يعيشها الشعب، وذلك لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. في الحقيقة، يتناول الحديث الثوري كثيراً من القضايا، منها ما هو مُغرٍ لقيام ثورة جديدة، ومنها ما هو تعبير عن الاحباط فحسب، ولكن، إذا ما تضاعف الزخم الثوري الذي يعبر عن التقليل من أداء هذه الحكومة، فقد يكون فعالاً ونتيجة لذلك، سيصبح عداء القوى الثورية تجاه الحكومة مكرساً لخلق وصفة لمشكلة كبيرة مقبلة إذا لم تبادر الحكومة وتحل المسائل العالقة، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية، وإقامة المجلس التشريعي وسن القوانين وتعديلاتها ضمن المجلس، ومنها قانون الانتخابات. ولا تقف تداعيات التقاعس عن حل هذه القضايا عند هذا الحد، بل تشمل إعادة النظر في تنظيم العملية الانتخابية واستحقاقاتها، وبما يؤسس لأزمة انتخابية.

تباين المسارات

في السنوات التي تلت الثورة، استحوذ الرأي الذي يعتبر الأحزاب ركيزةً للعمل على التيار السياسي السائد، ولم يُراعِ هذا الاستحواذ على اختيار القادة. وهناك سمتان بارزتان لهذا التحول: عدم الاكتراث باختيار القادة، ومدى دعم الأحزاب وقادتها لهذا التحول.

لقد اعتاد حزب الأمة على تبني وجهة نظر مغايرة للمزاج العام، وهي أقرب ما تكون إلى السلطة، وهذه الاستراتيجية أكسبته فرصاً مربحة في ظل النظام السابق. حتى بعد قيام الثورة، ظل على النهج باعتباره الحزب المتماسك في الساحة السياسية لدرجة اعتباره بشكل عام شريكاً استراتيجياً لكل الحكومات، معارضاً لها أو منافساً لبقية الأحزاب من منصتها. وأقر الحزب الشيوعي بمدى صعوبة بناء العلاقة التي يحتاج إليها مع الحكومة الانتقالية. وإذا كانت قوى الحرية والتغيير تمثله فإنه يشير إلى اختلافات في الممارسة السياسية لدى القوى الثورية تؤدي بطبيعة الحال إلى اختلافات في الرأي وتعقيد القدرة على التوصل إلى توافق في الآراء.

يبدو أن التشكلات السياسية في السودان على مدى ثلاث سنوات التي أدت إلى التدافع نحو السلطة عبر المحاصصات السياسية، هي من أثار الشارع الذي ينتظر انفراجة اقتصادية وتطبيق ما تم الاتفاق بشأنه من تشريعات وحقوق. وظهرت تعقيدات الفترة الانتقالية لأن الحالة الثورية أظهرت تبايناً في المسارات لم تصمت معه أحداث العنف الإثني، إذ بذلت الحكومة الانتقالية جهداً لاحتوائه تمثل في الترضيات السياسية من دون معالجة جذور هذه الأزمة التي تختلف من جهة إلى أخرى، ففي دارفور تختلف أسبابها عن شرق السودان وجبال النوبة. وخلق قلق الحكومة الانتقالية من الانقلاب عليها إرباكاً أصاب الأحزاب المحسوبة عليها وعلى رأسها حزبا الأمة والشيوعي. وهذا الإرباك جعل الحزبين يتمردان على مرجعياتهما التاريخية السياسية، ويتبنيان خطاباً سياسياً جديداً، رأت القوى الثورية تجليه في التواؤم مع العسكر والدفاع عنهم بمبررات عدة، ويحافظوا على مكانتهم في صدارة المشهد السياسي تحت راية الوفاق السياسي تارة، والانتقاد المنمق لممارسات الحكومة تارة أخرى.

المزيد من تحلیل