Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشعب المرجانية... "غابات المحيطات والبحار" تحتضر

لها قيمة اقتصادية وسياحية في العديد من البلدان النامية والساحلية وقوانين عالمية لإنعاشها

للشعب المرجانية أهمية كبرى للبيئة والاقتصاد العالميين  (أ ف ب)

الأول من يونيو (حزيران) هو اليوم العالمي للشعب المرجانية، والذي يسلط فيه الضوء على أهمية الشعب المرجانية للبيئة والاقتصاد العالميين. ويعتمد الآن عدد من دول العالم على الميزة الطبيعية في الترويج لمناطقها السياحية، كما أن لها قيمة اقتصادية وسياحية في عديد من البلدان النامية والساحلية. كما تتجه الدول في الوقت الحالي إلى السياحة المستدامة التي تسعى لتحفيز السائحين لاكتشاف أعماق المحيطات وكنوزها مع الحفاظ على الشعب المرجانية، في وقت تزايدت فيه نداءات عالمية لحماية تلك الثروة البحرية جراء تغير المناخ العالمي وارتفاع حرارة الكوكب وزيادة الحموضة في البحار، ما يهدد بدمار الشعب المرجانية التي تعاني الضرر المفرط والصيد الجائر والتلوث، ما يقلل مصدراً مهماً للحياة لسكان البحر واليابسة.

في المقابل، تسابق الرياض الزمن بمشروع البحر الأحمر لتطوير إحدى المناطق البكر، والتي تعد من كبريات الحيد المرجاني عالمياً، إذ يمتد المشروع على خط ساحلي يصل لـ200 كيلومتر.

كنز بيئي وطبي

تعرف الشعب المرجانية بـ"الغابات الاستوائية" للمحيطات والبحار، وهي كائنات بحرية تتنوع في الشكل والحجم، كما تعد منزلاً لعديد من الأحياء البحرية، مثل الأسماك والمحار والديدان البحرية والنباتات البحرية، كما أن نحو 25 في المئة من الأسماك الموجودة في المحيطات تعتمد كلياً على الشعب المرجانية، إذ توفر الشعب المرجانية مناطق خصبة للتفريخ والحضانة والملاذ الأمن والغذاء الطبيعي لمجموعة كبيرة ومتنوعة من الكائنات البحرية، مثل الإسفنج والقشريات، وغيرها، وتتخذ الكائنات البحرية هذه الشعب مأوى، لها كما يوجد النيتروجين فيها لتساعدها في تثبيت عنصر الكربون وتوفر العناصر الغذائية الأساسية الأخرى. وتحمي الشعب المرجانية الخطوط الساحلية من العواصف وعوامل التعرية والتآكل، كما تقلل من تأثير الأعاصير نظراً لامتدادها لعشرات الأمتار في المحيطات والبحار، ما يجعلها فعالة في تقليل تآكل السواحل. إلى جانب توفيرها فرص عمل لسكان السواحل والجزر، إذ تعد مصدراً للغذاء، ويقدر عدد الأشخاص الذين يعتمدون عليها في غذائهم ولقمة عيشهم بأكثر من نصف مليار إنسان.

ويضيء العلماء أخيراً على ميزة جديدة للشعب المرجانية التي يمكنها الإسهام في تحسين صحة الإنسان وعلاجه. فتشير مجلة "قضايا في العلوم والتكنولوجيا" الصادرة عن جامعة أريزونا، إلى وجود تقدم في عديد من المنتجات الواعدة مصدرها البيئة البحرية، ومنها علاج للسرطان من الطحالب ومسكن مأخوذ عن سم الحلزون، كما أخذت بعض العقاقير من الإسفنج الموجود في الشعب المرجانية بالكاريبي، وهي من أول العلاجات الحديثة المأخوذة من الشعب المرجانية. ويجرى حالياً عدد من التجارب على مواد مستخلصة من حصان البحر لاستخدامها في علاج سرطان الثدي والكبد.

الشعب المرجانية والاقتصاد

وتذكر منظمة "اليونسكو" أن ثمن سكان العالم يعيشون في حدود 100 كلم من الشعب المرجانية، خصوصاً في الدول النامية أو في منطقة جنوب شرقي آسيا، وهم يعتمدون بقوة على الشعب المرجانية في الطعام والمعيشة. ويمكن للإدارة الجيدة للشعب المرجانية أن تثمر الحصول على 5-15 طناً من الأسماك والطعام البحري لكل كلم مربع سنوياً. ومن أجل حماية تلك الثروة البحرية، تعاونت وكالات الأمم المتحدة مع لجنة ديموغرافيا المحيطات الحكومية الدولية في تطوير نظام المراقبة العالمي للمحيطات، والذي يسعى لمراقبة وتحليل البحار والمحيطات والمتغيرات، لتقديم أوصاف دقيقة لحالة المحيطات الآنية والتنبؤ بالتغير المناخي ومنها مراقبة وحماية الشعب المرجانية.

وتعمل الشعب المرجانية كمصدر للجذب السياحي، وهي من الأمثلة على السياحة القائمة على المصادر الطبيعية، إذ تجذب الشعب المرجانية الزوار والسائحين من الداخل والخارج، ما يحقق أرباحاً منها أرباح العملات الأجنبية. وتشير الإحصائيات إلى أن 30 في المئة من الشعب المرجانية في العالم ذات قيمة في المجال السياحي، وتحقق أرباحاً تقدر بنحو 36 مليار دولار أميركي أو تسعة في المئة من إجمالي قيمة السياحة الساحلية في البلدان التي لديها شعب مرجانية. ووفقاً لمنظمة السياحة العالمية، تستفيد ما يقدر بـ100 دولة وإقليم من السياحة المرتبطة بالشعب المرجانية. كما أنها مسؤولة عن نحو 30 في المئة من عائدات التصدير في أكثر من 20 دولة. وتعتمد بعض الجزر الصغيرة في اقتصادها على أكثر من 90 في المئة على السياحة الساحلية. كما أن سياحة الشعب المرجانية في حالة إدارتها بشكل مستدام وتقليص تدميرها وتلويثها، يمكنها أن توفر موارد دخل بديلة أو تكميلية في المجتمعات الساحلية بالبلدان النامية.

"آسيان" الأغنى عالمياً

ويمتلك جنوب شرقي آسيا ما يعادل 34 في المئة من إجمالي الشعب المرجانية في العالم، إذ تحصل الفيليبين وإندونيسيا على فوائد اقتصادية سنوية من الشعب المرجانية تقدر بنحو 1.6 مليار دولار. ويعد أرخبيل "راجا أمبات" في إندونيسيا، والذي يعني بالعربية الملوك الأربعة، هو الأغنى عالمياً من حيث الشعب المرجانية. فالأرخبيل يحوي، وفقاً للصندوق العالمي للطبيعة، على أكثر من ألف نوع من الأسماك الاستوائية التي لم تكتشف من قبل ولم تكن معروفة، وهي جزء من المثلث المرجاني الواقع شمال غربي إندونيسيا في إقليم بابوا غينيا الغربية، وتتضمن المنطقة أكثر من 1500 جزيرة كما تحوي أكثر من 550 نوعاً مختلفاً من الشعب المرجانية. وما يميز الشعب المرجانية في المنطقة كونها قادرة على الصمود والثبات أمام التهديدات مثل تبيض المرجان والأمراض. فيما تقدر الإحصائيات عدد زوار "راجا أمبات" عام 2019 ما يزيد على 24 ألف سائح من مختلف دول العالم وهو العدد الأعلى منذ عام 2013.

وتحاول التشريعات المحلية لمنطقة "راجا أمبات" والتدخل الحكومي والمنظمات غير الحكومية، تقليص أي دمار يمكن للسياحة أن تحدثه، بل يحاول بعض المنظمات والجماعات جعل السياحة ذات أثر إيجابي على البيئة، متمثلة في وصول الغواصين إلى أماكن لم تكن معروفة من قبل في المنطقة والتعرف على التنوع البيولوجي الموجود فيها.

وفي عام 2007، أنشأت الحكومة المحلية شبكة من المناطق البحرية المحمية التي تحمي نحو 50 في المئة من الشعب المرجانية لـ"راجا أمبات". كما عملت الحكومة الإندونيسية مع مشروع تأهيل وإدارة الشعب المرجانية، على تمكين المجتمعات المحلية من الاضطلاع على أهمية حماية الشعب المرجانية، كما أرسلوا إلى القرى الصيادين المدربين والطلاب المتعلمين لمراقبة الأنشطة الصحيحة في الصيد وإدارة تلك الشعب. وأتت هذه الاستراتيجية ثمارها على إندونيسيا، فكانت النتيجة أن شهدت ارتفاعاً في دخل هذه المناطق بنسبة 21 في المئة منذ عام 2008، كما شهدت انخفاضاً في ممارسات الصيد الجائر بنسبة وصلت لـ60 في المئة. كما تحاول الحكومة الإندونيسية الحفاظ على شعبها المرجانية، إذ أطلقت وزارة الأسماك الإندونيسية حملة رفيعة المستوى لوقف الصيد التجاري غير القانوني، ودمرت نحو 300 قارب مخالف للقوانين. وتذكر "بلومبيرغ" أن تأسيس الحكومة لمنتجع "واكاتوبي" البحري الذي تبلغ مساحته مليون هكتار، على سبيل المثال، وفر إطاراً للعمل على حماية الشعب المرجانية الهائلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة للحفاظ على البيئة البحرية، فإن الأرخبيل يتعرض لعدد من المخاطر مثل ممارسات الصيد الجائرة وغير المستدامة والمدمرة، وإزالة الغابات والتسارع في تطوير الأراضي وردم البحار، إلى جانب ممارسات استخدام الأراضي الفقيرة والتغير المناخي والاستكشاف عن الغاز والبترول. ويعمل النمو الاقتصادي الناتج عن الزيادة السكانية في دول جنوب شرقي آسيا، على تهديد البيئة البحرية والشعب المرجانية في المنطقة، حيث تمثل ممارسات الصيد الجائر الخطر الأكبر عليها. فقد تسبب انتشار أحد أنواع نجم البحر في منطقة المثلت المرجاني في زيادة معدلات الوفيات الجماعية للشعب المرجانية، بسبب الصيد الجائر للأحياء البحرية، ما أدى إلى تعطيل السلسلة الغذائية البحرية. كما يؤدي نقص المعلومات عن حالة وطبيعة المخاطر التي تواجه هذه الأنواع إلى اتخاذ قرارات خاطئة من جانب السكان. ومن بين المسببات الأخرى التي تسهم في تدمير الشعب المرجانية في جنوب شرقي آسيا، التلوث العضوي وغير العضوي من مياه الصرف الصحي والمخلفات الزراعية والصناعية وتنظيف الأراضي من المحاصيل مثل المطاط وزيت النخيل.

وتصنف الشعب المرجانية في الفيليبين بوصفها من أعمق وأكبر الشعب المرجانية الحية في العالم. فقد أعلن علماء في منظمات حماية البيئة البحرية أن بحار الفيليبين هي مركز للتنوع البيئي البحري لاحتوائها على أصناف واسعة من المصادر الساحلية والبحرية، وتصنف في المرتبة الثالثة باعتبارها الأكثر امتلاكاً للشعب المرجانية بعد إندونيسيا وأستراليا. كما تعد منطقة متنزه للشعب المرجانية الطبيعية، وعلى الرغم من ذلك كله، يقدر بعض المتخصصين في مجال البيئة البحرية تعرض نحو 97 في المئة من منها في الفيليبين للخطر بسبب عدد من الممارسات الخاطئة.

وفي محاولة للحفاظ على الكنز البحري، يحظر القانون الفيليبيني جمع وحصاد أو تصدير الشعب المرجانية، كما منع أيضاً تصديرها بكافة أنواعها إلا من خلال معالجتها وتصنيعها بداية لمنتجات محلية. ويعاقب القانون الفيليبيني أي شخص يجمع الشعب المرجانية الثمينة، بالسجن لمدة لا تقل عن 60 يوماً ولا تزيد على ست سنوات أو غرامة مالية، أو كليهما.

شعب مرجانية بكر

إلى جانب الشرق الآسيوي الذي يعرف بغنى محيطاته وبحاره، فالشرق الأوسط والمنطقة العربية لديها أيضاً مناطقها الغنية بالشعب المرجانية. فالبحر الأحمر يعرف بكونه إحدى العجائب السبع العالمية تحت الماء، إذ تمتد الشعب المرجانية فيه إلى ما يقدر بـ1500 كلم ويصل عمرها إلى خمسة آلاف سنة، ويعد موطناً لـ300 نوع من الشعب المرجانية و1200 نوع من الأسماك، منها عشرة في المئة من الأنواع التي لا يمكن رؤيتها في أي مكان آخر بالعالم.

فالاقتصاد المصري يعتمد على السياحة في منطقة البحر الأحمر، ومنها مدينتا شرم الشيخ والغردقة على شعبها المرجانية الموجودة في أعماقها. فتثبت دراسة سابقة عينتها السائحون الذين يسافرون إلى جنوب سيناء، بأن السياح صنفوا مشاهدة الشعب المرجانية واكتشافها بالنشاط الأكثر إمتاعاً لهم في المنطقة، ما يدل على الأهمية الكبرى لتلك الشعب في منطقة البحر الأحمر سياحياً. فيما تسابق السعودية الزمن بمشروع "البحر الأحمر" الذي يهدف إلى تطوير رابع أكبر حيد مرجاني في العالم، حيث يمتد المشروع على خط ساحلي يصل لـ200 كيلومتر في البحر الأحمر. فقد صرح مسؤولو شركة البحر الأحمر العام الماضي، بأن المنطقة التي تطور الآن، لديها أنواع كثيرة من الشعب المرجانية الضخمة البكر، كما أكد مسؤولون سعوديون أن الاستدامة من ركائز المشروع الأساسية، إذ يدرك القائمون على المشروع أهمية حماية المنطقة وكنوزها للأجيال المقبلة. ويسعى المشروع إلى وضع سياسات من شأنها منع الأضرار التي تلحق بالبيئة البحرية عن طريق اعتماد قوارب الغوص الكهربائية والصديقة للبيئة، ووضع حدود للسرعة في المياه لحماية الثدييات البحرية. كما عملت وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية على اتباع استراتيجيات جديدة لتحسين إدارة المحيطات والحفاظ عليها، التي من شأنها أن تزيل الضغوط الأخرى على الشعب المرجانية وتحسين الحفاظ عليها.

المزيد من بيئة وجيولوجيا