كيف ستتأثر تركيا بتصنيف "الإخوان المسلمين" إرهابية؟

يرى حزب العدالة والتنمية نفسه في مواجهة معضلة سياسية تتعلق بنهاية "النموذج" الذي قدمه

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال خطابه لمناسبة يوم العمال في 1 مايو (أ.ب)

ترى تركيا نفسها الطرف الأكثر علاقة وتشابكاً مع التوجه الجديد للإدارة الأميركية، الساعي إلى اعتبار جماعة الإخوان المسلمين، بمختلف تشكيلاتها وتسميتها، وفي مناطق العالم كافة جماعة إرهابية. فتركيا ونظامها السياسي الحاكم راهناً، تتداخل مع هذا التشكيل السياسي في عدد لا متناهياً من المساحات، سواء في الداخل أو عبر أذرعها الإقليمية أو عبر شبكة علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية الإستراتيجية مع دولٍ وأنظمة سياسية محكومة من قِبل واحدة أو أخرى من تنظيمات الإخوان المُسلمين.

نموذج الحكم

يرى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا نفسه أولاً في مواجهة معضلة سياسية تتعلق بنهاية ما كان يعتبره "النموذج" الإسلامي الخاص للحُكم، الذي كان يعتقد بأنه أسّس علاقته مع القوى الدولية الغربية، ومع الولايات المتحدة تحديداً. فبمثل هذا التوجه الأميركي الجديد، فإن حزب العدالة والتنمية سيفقد ما كان يعتبره صيغة مغرية للشراكة والاستقرار يؤمّنها هو لهذه القوى الغربية في منطقة قلقة مثل الشرق الأوسط، مقابل حصوله على تغطية سياسية واقتصادية راعية لنمط حكمه.

بحسب الكثير من القراءات للعقدين الأخيرين من التاريخ الحديث لمنطقتنا، فإن جذور تلك العلاقة تعود إلى بداية إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. ففي مواجهة الصدمة الكُبرى التي نشأت عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، فإن هذه الإدارة خططت على عُجالة لكن بشكلٍ إستراتيجي، لتنفيذ نوعين من السياسات في منطقة الشرق الأوسط. تقوم الأولى على خيار الحرب الميدانية في مواجهة القوى الأكثر راديكالية، مثل طالبان والقاعدة في أفغانستان ونظام صدام حُسين في العراق. وتقوم الدعامة الأخرى على رعاية ومساندة نماذج من الإسلام السياسي الذي تعتبره وسطياً. فهذه الأخيرة، بحسب اعتقاد الإدارة الأميركية وقتئذ، ستُعتبر مضاداً نوعياً للإسلام الراديكالي العنيف، الذي كانت الإدارة الأميركية تتوجه إلى تحطيمه.

يُعتقد على نطاق واسع بأن تلك المُعادلة والتوافق مع الإدارة الأميركية هي التي حملت حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في العام 2002، حينما حقق فوزاً انتخابياً ساحقاً في مختلف مناطق تركيا، على الرغم من عدم مرور عامٍ واحد على انشقاق أعضائه المؤسسين عن حزب السعادة الإسلامي، الأكثر محافظة، وتأسيسهم حزب العدالة والتنمية. وعلى المستوى نفسه، فإن ديمومة حزب العدالة والتنمية في الحكم والاستقرار السياسي والاقتصادي الذي عاشته تركيا في ظل حكم هذا الحزب طوال 16 عاماً، وهو استقرار ليس معتاداً في نموذج الحكم التركي، كان يعود الفضل بجزء منه إلى التغطية التي كان يتمتع بها هذا الحزب الإسلامي من هذه القوى الدولية، الولايات المتحدة تحديداً.

في ظل هذا التوجه الأميركي الجديد، فإن حزب العدالة والتنمية يجد نفسه وقد فقد أهم مقوم لديمومة حكمه المستقر، أي التغطية الدولية.

التحدي الداخلي

يزداد قلق حزب العدالة والتنمية من هذا التوجه الأميركي الجديد في ظل ما يعيشه هذا الحزب من أحوال داخلية ضمن تركيا. فمثل هذا التوجه يُمكن له خلال فترة قصيرة أن يُطيح ديناميكية وشكل العلاقة بين القوى السياسية التركية الداخلية، وتحديداً بين حزب العدالة والتنمية وأحزاب المعارضة المناوئة له.

ففي الداخل التركي ثمة معضلتان بالغتا التعقيد تواجهان العدالة والتنمية، سيزيد التوجه الأميركي هذا من صعوبتهما بالنسبة إلى الحزب الحاكم.

فالأزمة الاقتصادية تكاد تصل إلى حدودها القصوى، والطبقات الوسطى الواسعة من المجتمع التركي تلمس في كُل تفصيل من حياتها آثار التضخم الاقتصادي الرهيب الذي يهدد مستوى معيشتها الاقتصادي والاجتماعي. هذه الطبقات التي تعرف جيداً بأن هذا التدهور الاقتصادي في الداخل التركي متأتٍ من الإستراتيجيات والتوجهات السياسية للحزب الحاكم. فتراجع الاستثمارات وهجرة رؤوس الأموال وتدهور بيئة العمل بوجه منها نتيجة لمراوحة الخيارات السياسية للحزب الحاكم، وسيكون لمثل هذا التوجه الأميركي الجديد دور في تضاعف ذلك التناقض بين القوى الدولية والحزب التركي الحاكم. وهو ما سيؤثر في الأحوال الاقتصادية في الداخل التركي.

كذلك، فإن الحزب الحاكم صار يواجه وضعاً سياسياً صعباً في علاقته مع القوى السياسية الأخرى. فالانتخابات المحلية الأخيرة، شهدت أولى الخسائر القاسية لهذا الحزب الحاكم منذ بداية حكمه. فوق ذلك، فإنها كانت تجربة عملية للتعاون المثمر بين قوى المعارضة، التي كان العدالة والتنمية يعتمد على تناقضاتها ليبقى الحزب الحاكم. ففوز حزب الشعب الجمهوري في المدن الكبرى الثلاث كان في جزء واسع منه نتيجة لقرار حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد بمنح أصواته إلى هذا الحزب، على الرغم من التناقض السياسي والإيديولوجي الهائل بينهما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيعزّز مثل هذا التوجه الأميركي من قُدرة وقابلية أحزاب المعارضة التركية على التوافق في ما بينها، لأنها ستشعر بأن الدعم والتغطية اللذين كان يتمتع بهما حزب العدالة والتنمية من قبل الولايات المُتحدة، سيغدوان تغطية لهذه الأحزاب، لتحكم ولو بالتشارك.

على أن التأثير الأكثر قسوة سوف يطاول قدرة تركيا على ضبط ومركزة نفوذها في محيطها الإقليمي، الذي هو في الأساس عبر قوى سياسية أو فصائل تعود غالبيتها في جذورها إلى أيديولوجيا وتنظيمات جماعة الإخوان المسلمين.  

ففي ظلّ ما شهدته المنطقة من تحولات طوال السنوات الماضية، التي كانت تعتبرها السياسة الخارجية التركية مسّاً بأمنها القومي، فإنها لم تجد لنفسها من أدوات للنفوذ والتأثير والمراوغة ضمن تلك التحولات إلا عبر القوى السياسية والفصائل المسلحة الإسلامية في الدول الأخرى، وهي صارت راهناً بحكم المهدّدة.

فتركيا لم تكن تمتلك القوى المالية ولا الحيوية الأمنية ولا السطوة السياسية لتحمي مصالحها ونفوذها عبر هذه الأدوات. لذلك، اختارت هذه القوى السياسية والفصائل الإسلامية لكي تتجنب ما قد يؤثر فيها، ولكي تكون في مرحلة متقدمة أدوات لها للعب دور شبيه بالدور الإيراني في بعض الدول، أي الدولة الراعية للحزب الحاكم في هذه أو تلك من الدول.

على أن العكس تماماً هو ما حدث في هذه المرحلة الماضية. فالحزبان الإسلاميان الحاكمان في كل من تونس والسودان فقدا الحكم في بلديهما، والقوى الإسلامية الليبية تواجه مصيراً وجودياً في المعارك الدائرة في العاصمة طرابلس. وها هي القوى الإسلامية السورية والعراقية، وحتى المصرية، ترى نفسها في ظل هذا التوجه الأميركي الجديد مهدّدة بالاقتلاع. وهو ما قد يعدّ بتراً لأزرع التمدد التركي.

المزيد من الشرق الأوسط