ظريف وبولتون: تاريخ من العلاقة المتوترة

دائرة المطالب الأميركية لم تعد محدودة في ضبط إيران لحلفائها على الساحتين الفلسطينية واللبنانية بل اتسعت لتشمل الاستراتيجية الإيرانية في الإقليم

مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون (رويترز)

عندما يصوّب وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف نيرانه على مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، ويتهمه بأنه الشخص الذي يقف وراء التشدد والتصعيد في سياسات البيت الأبيض ضد إيران، والمسؤول عن مشروع محاصرتها وتصفير صادراتها النفطية، ويصفه بأنه رأس الحربة، فهو تصويبٌ ليس عشوائياً، أو اتهامٌ من فراغ، بل يصدر عن معرفة تاريخية بلغت أوجها بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق، وإسقاط النظام فيها عام 2003، ومبنيٌّ على معرفة دقيقة بالدور والتأثير الذي يمتلكه بولتون داخل الإدارة الأميركية، قديماً مع فريق متناسق ضمه، إلى جانب نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وبول ولفويتز، وشكلوا ما عرف بفريق صقور المحافظين الجدد.

وعندما يحذّر ظريف، في حديثه مع قناة "فوكس نيوز"، من "مخاطر الجهود النشطة للمتشددين مثل جون بولتون في إعلان المواجهة مع إيران"، وأن هذه السياسة ستدفع إلى اتجاه "الاشتباك العسكري بين أميركا وإيران على العكس مما يريده ترمب"، فإنه يعود بالذاكرة إلى ما شهدته مرحلة ما بعد احتلال العراق، والدور الذي لعبه هذا الفريق في إفشال كل محاولات طهران، وكان لظريف دور محوري - كونه ممثلاً لإيران في الأمم المتحدة -  لفتح مسارات تفاوضية مع الإدارة الأميركية عبر القناة السويسرية تحديداً من أجل إبعاد شبح تنفيذ مخطط المحافظين الجدد باستكمال العملية العسكريَّة في العراق، لتشمل إيران باستخدام طرف الكماشة الآخر من جهة أفغانستان، إضافة إلى سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من فشل جهود التفاوض أو دفع الولايات المتحدة حينها إلى القبول بالاقتراح الإيراني للتفاوض، الذي أطلق عليه حينها "الصفقة الكبرى Big Deal"، فإن الفريق المتشدد في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش لم ينجح أيضاً في الدفع باتجاه القيام بعمل عسكري ضد إيران من أجل تغيير النظام فيها، ويعود ذلك إلى الصراع الخفي والمستحكم، الذي كان موجوداً بين المراكز المؤثرة في القرار الأميركي، إذ رفض الوزير الجنرال كولن باول مدعوماً بموقف مؤيد من مساعده ريتشارد أرميتاج ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايز، الدخول في مغامرة عسكريَّة جديدة، وضغطوا باتجاه القبول بالعرض الإيراني، الذي وصل إلى واشنطن من أعلى القمة في هرم النظام، ولم يستطع الفريق المتشدد في حشد الإدارة لتأييد توجهاته، وانتهت الأمور إلى رفض التفاوض، مع الإبقاء على إيران في محور الشر، والسير بمزيد من حصارها وتشديد العقوبات ضدها.

تطبيق مبدأ "الحياد الإيجابي"، الذي اعتمدته طهران من الحرب الأميركية على العراق، كان الخيار الاستراتيجي لإيران بعد رفض الصفقة، التي عرضتها على واشنطن، وعملت على الموازنة بين خوفها من عملية عسكرية أميركية غير مكتملة في العراق، وخوفها من تحوّل العراق إلى مصدر خطر في حال تفككه أو تحوله إلى ساحة لنفوذ دول الجوار، مثل تركيا والسعودية وسوريا على مبدأ ملء الفراغ الحادث في السلطة ببغداد، خصوصاً في ظل غياب رؤية واضحة لدى النظام فيها لمرحلة ما بعد صدام والحرب، فكان خياره الذهاب إلى أهون الشرين، أي اعتماد سياسة الدعم المعتدل للجهود الأميركية، في ظل فشل كل الجهود الدولية لمنع الحرب على هذا البلد.

اليوم، عندما يبدي ظريف، رئيس الدبلوماسية الإيرانية والمفاوض التاريخي مع المجتمع الدولي، خصوصاً الإدارة الأميركية، مخاوفه من وقوع مواجهة عسكريَّة مع الولايات المتحدة وحلفائها، فإنه ينطلق من حقيقة واضحة في الإدارة الأميركية تنبه إليها الرئيس دونالد ترمب منذ البداية، عندما اعتمد سياسة عدم وجود مراكز متعددة في القرار داخل إدارته، ولجأ إلى تغييرات في مراكز القوى، بحيث تكون منسجمة مع مواقفه وسياساته الاستراتيجية الداخلية والخارجية. وعليه فإن ظريف لم يعد باستطاعته المراهنة على مواقف مختلفة بين وزارة الدفاع من جهة ووزارة الخارجية أو جهاز المخابرات أو الأمن القومي، وهو يدرك أن انسجاماً واضحاً يسود بين الرئيس وهذه المراكز، وبالتالي فإن إمكانية تحقيق خرق أو تعطيل قرار قد يتخذه الرئيس بات معقداً، ما لم يحصل الرئيس وهذا الفريق على ما يريدونه من شروط تمنع اللجوء إلى مزيد من التصعيد.

وقد يكون ظريف صادقاً في التعبير عن اعتقاده بأن الرئيس ترمب لا يريد الوصول إلى حرب مع إيران على مبدأ، سياسته تقوم على "عدم دخول أميركا في أي حرب"، إلا أن ترمب في المقابل، وعلى فرض أنه لا يريد الذهاب إلى حرب مباشرة، لن ترضى في الشروط التي وضعتها على طهران، بأقل مما سبق لطهران أن قدمته من عروض لسلفه بوش الابن، وأن دائرة المطالب الأميركية لم تعد محدودة في ضبط إيران لحلفائها على الساحة الفلسطينية والساحة اللبنانية، بل اتسعت دائرتها لتشمل الاستراتيجية الإيرانية في الإقليم، من البرنامجين النووي والصاروخي، وحدود دورها في المنطقة من اليمن والعراق وسوريا، مقابل أن تسحب واشنطن ورقة تغيير النظام عن طاولة الخيارات، التي تعتمدها في التعامل مع طهران، ولعل ما صرح به الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، يبين واقع الظرف الذي تمر به إيران في التعامل مع الشروط الأميركية، عندما قال إن "العدو يسعى إلى إرغام إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، عبر فرض الضغوط الاقتصادية عليها، إلا أن المفاوضات في مثل هذه الظروف تعني الذل والاستسلام".

المزيد من آراء