Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان والوقوع في شرك خلافات موسكو مع واشنطن وكييف

تصعيد متعمد للقضايا الإقليمية والدولية واتصالات مكثفة بحثاً عن قمة روسية أميركية وروسية أوكرانية 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (رويترز)

تتشابك علاقات تركيا مع بلدان الجوار القريب منها والبعيد على حد سواء، لكنها تبدو مع كل يوم جديد أكثر تعقيداً من ذي قبل.

فما أن انتهت الحرب الأذربيجانية الأرمينية حول قره باغ التي كانت تركيا طرفاً فاعلاً فيها، وكادت تنال من علاقاتها مع روسيا، حتى عادت وبدت قريبة من احتمالات العودة إلى سابق حالة الأمس القريب.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استقبل في أنقرة نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بكل تعقيدات سياسات بلاده مع روسيا، ليعلن شديد ترحيبه به، وبالتعاون العسكري مع بلاده، في توقيت لا تنكر كييف أنها تعلّق على تركيا الكثير من آمال تحديث صناعاتها الحربية، استعداداً للتحول لاحقاً إلى "معايير" الانضمام إلى حلف "ناتو".

وما أن تواترت المعلومات التي تفيد بأن الجانبين التركي والأوكراني خلصا إلى اتفاق حول إمداد أوكرانيا بطائرات تركية "مُسيّرَة" (من دون طيار) لمساعدة أوكرانيا في حربها "غير المباشرة" مع روسيا في جنوب شرقي أوكرانيا، حتى أعلن سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي المسؤول عن ملف العلاقات مع الولايات المتحدة أن "تسليح أوكرانيا في تصاعد، بينما تريد واشنطن وناتو تحويلها إلى برميل من البارود".

وأكد المسؤول الدبلوماسي الروسي أن "الدعم العسكري الأميركي لكييف يُعدّ تحدياً لأمن روسيا"، في توقيت ثمة من يتوقع فيه احتمالات تفكير أوكرانيا في أن تخوض تركيا إلى جانبها معاركها ضد "جمهوريتَي" لوغانسك ودونيتسك غير المعترف بهما، مثلما فعلت أنقرة خلال حرب أذربيجان حول ناغورنو قرة باغ، وهو ما يبدو أمراً بعيد المنال، نظراً إلى اختلاف المقدمات وتباين مفردات "التاريخ والجغرافيا".

المساعدة العسكرية لأوكرانيا

وبهذا الصدد، نقلت وكالة أنباء "سبوتنيك" الحكومية الروسية عن يشار ياكيش، وزير الخارجية التركي الأسبق تصريحاته التي حذّر فيها السلطات الرسمية من تقديم المساعدة العسكرية لأوكرانيا، وناشدها الابتعاد عن التدخل في أي مواجهات مع روسيا، مؤكداً ضرورة "ألا تنحاز أنقرة إلى أي جانب، وأن تكون على مسافة متساوية من البلدين"، وإن لم يستبعد احتمالات أن تبذل تركيا قصارى جهودها للوساطة بين الطرفين.

وأضاف المسؤول التركي السابق أنه "لا ينبغي الخلط بين التعاون العسكري والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية بين تركيا وأوكرانيا"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن أنقرة "تتعاون في مجال الدفاع مع روسيا ومع دول أخرى، وهو تعاون مفيد للطرفين".

وجرى ذلك كله في توقيت بالغ الحساسية، كانت القوات المسلحة الروسية رفعت فيه درجة استعدادها، ودفعت بكثير من وحداتها إلى مقربة من الحدود المتاخمة لمناطق النزاع في جنوب شرقي أوكرانيا، فضلاً عن مناوراتها العسكرية في حوض البحر الأسود على مقربة مباشرة من شبه جزيرة القرم، التي جاءت مواكبة أيضاً لدخول عدد من السفن الحربية الأميركية إلى حوض البحر الأسود بكل ما يعني ذلك من إيحاءات وإسقاطات.

ولعل ذلك ما دفع نائب وزير الخارجية الروسي ريابكوف الى اعتبار وصول السفن الحربية الأميركية إلى هذه المنطقة "عملاً استفزازياً"، محذراً من مغبة الاقتراب من القرم.

وعلى الرغم من أن الرئيس التركي سارع إلى التأكيد أن التعاون العسكري مع أوكرانيا غير موجّه إلى دول ثالثة، لكنه لم ينكر أن بلاده تظل الشريك الأهم لكييف في مجال التعاون العسكري في المنطقة، فضلاً عما قاله حول أن مواقفهما تتطابق تجاه رفض "ضم" روسيا لشبه جزيرة القرم.

وأثار تصريحه بالنسبة إلى عدم اعترافه بأن "القرم روسية" اهتمام الجانب الأوكراني وابتهاجه، في الوقت الذي لم يلقَ مثل هذا التصريح اهتماماً كبيراً في روسيا التي تعلم جيداً أن أردوغان لا يمكن أن يكون يعني بذلك أنها "أوكرانية". وذلك نظراً إلى يقين كثرٍ من المراقبين أنها تظل "الحلم المؤجل" لتركيا التي لا تكفّ عما يراودها من آمال في استعادة الكثير من مناطق آسيا الوسطى ومعها شبه جزيرة القرم، بوصفها أراضي سابقة كانت خاضعة للاحتلال العثماني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، يمكن القول إنه إذا كانت أوكرانيا تريد لعب الورقة التركية وما تعنيه من مكاسب عسكرية في حربها مع روسيا، فإن أنقرة تريد أيضاً لعب الورقة الأوكرانية في تسوية بعض حساباتها مع موسكو في مواقع أخرى ومنها سوريا وليبيا، في الوقت ذاته الذي تريد روسيا التوصل مع تركيا إلى حلول للكثير من ملفاتها في هذه المناطق، وربما أيضاً بعيداً من الشرق الأوسط في القارة الأفريقية، إلى جانب ما يجمع البلدين من مصالح اقتصادية بعيدة المدى سواء في ما يتعلق بالتيار الجنوبي لأنابيب نقل الغاز، والتعاون في بناء محطة أكويو النووية، والتعاون في المجالات التجارية الاقتصادية، والعسكرية، بخاصة في مجال المنظومات الدفاعية الصاروخية "إس-400". 

وثمة مؤشرات تقول إنه في الوقت الذي تظل أوكرانيا تعلّق الكثير من آمال خروجها من أزماتها الجيوسياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة، فإن تركيا تعود إلى سابق تأرجح اعتمادها على أميركا أيضاً لتسوية كثير من قضاياها وضبط علاقاتها مع بلدان المنطقة، وإن كان أردوغان أعرب كثيراً عن حاجته للإبقاء على علاقات متوازنة بين كل من روسيا والولايات المتحدة، مؤكداً في كل المناسبات تمسّكه بسياساته البراغماتية التي طالما ساعدته على تحقيق كثير من المكاسب ومنها الاقتصادية والعسكرية. 

واللافت أن ذلك كله يجري في وقت مواكب لبداية "اتصالات" بين روسيا وأوكرانيا من جانب، و"صدام غير مباشر" بين أنقرة والبيت الأبيض من جانب آخر، تشاء الأقدار أن تكون موسكو فيه قاسماً مشتركاً مع كل هذه الأطراف في وقت واحد. فبينما أعلن فلاديمير زيلينسكي عن دعوته بوتين لعقد لقاء بينهما في منطقة الدونباس، سارع الأخير الى اقتراح دعوته إلى موسكو، تاركاً منطقة الدونباس للقاء اقترح أن يعقده زيلينسكي مع قيادات "الجمهوريتين" غير المعترف بهما للبحث عن تسوية سلمية للنزاع معهما انطلاقاً من اتفاقات مينسك، وهو ما ردّ عليه زيلينسكي بقبوله دعوة اللقاء، لكنه اختار الفاتيكان موقعاً له، الأمر الذي لم يعلّق عليه الكرملين بعد، ربما لانشغاله أكثر بالتفكير في اللقاء المقترح من جانب جو بايدن لقمة روسية أميركية في بلد محايد. 

"مذابح"

وما أن شرعت الأطراف المعنية في التفكير في كل ما هو مطروح من لقاءات، حتى أعلن الرئيس الأميركي عن أول اتصال له مع الرئيس التركي تأخر لأكثر مما ينبغي، فاجأه فيه بإعلانه أن الولايات المتحدة تعترف بأن ما قامت به القوات التركية من "مذابح" في حق الأرمن عام 1915 يرقى إلى مستوى "إبادة الجنس"، ما أقام الدنيا في تركيا ولم يقعدها بعد! 

وقد جاء هذا الاتصال وما تضمّنه من قرار الاعتراف بالمذابح الجماعية التي قام بها الأتراك ضد الأرمن ليصبّ المزيد من الزيت على ما كاد يخبو من نيران خلافات قديمة بين البلدين، ومنها ما يتعلّق بموقف واشنطن من التعاون العسكري بين موسكو وأنقرة وتسلّم الأخيرة للمنظومات الدفاعية الصاروخية "إس-400"، وما أسفر عنه من تهديد الولايات المتحدة باستبعاد تركيا من برنامج تصنيع " F-35".

وسارعت الأوساط الرسمية التركية إلى إدانة التصريحات ورفضها. وانتقد أردوغان تصريحات نظيره الأميركي، قائلاً إن "مهمة التأريخ يجب أن تترك للمؤرخين لا الساسة"، مشيراً إلى أن "المذبحة بحق الأرمن لم تكن إلا عملية تبديل أمكنة راح ضحيتها 150 ألف شخص نتيجة الأوبئة والأحداث الأمنية". 

في المقابل، نقلت وكالة الأناضول الرسمية التركية عن  أردوغان قوله إن بايدن "استخدم عبارات غير محقة لا أساس لها وتخالف الحقائق بشأن أحداث أليمة وقعت قبل أكثر من قرن". 

ومن جانبه أعلن مولود تشاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي رفض بلاده لقرار بايدن الاعتراف بالإبادة الجماعية ضد الأرمن في عهد الدولة العثمانية، لافتاً إلى أن القرار استند إلى "الشعبوية".

وقال إن أنقرة ترفض تماماً استخدام بايدن لمصطلح الإبادة الجماعية في بيانه بمناسبة ذكرى مذبحة الأرمن، التي وقعت عام 1915، على يد الإمبراطورية العثمانية. على أن بايدن لم يكن ليترك خلافاته مع روسيا جانباً، وهو الذي أولاها اهتماماً كبيراً، بلغ حدّ سقوطه في شرك "السبّ والقذف" في حق نظيره الروسي الذي نعته بـ"القاتل"، ما أثار في حينه لغطاً واسع النطاق وتسبب عملياً مع ما أعلنه من عقوبات ضد عدد من المنظمات والشخصيات الروسية، إلى جانب طرد عشرة من الدبلوماسيين، في رفع حدة التوتر وتعقيد الموقف أكثر من ذي قبل. 

وهكذا تبدو المنطقة بكل نقاطها الساخنة وأطرافها الرئيسة الفاعلة، انخرطت في موجة من الاتصالات والبحث عن التحالفات، من دون اعتبار لمجمل معايير التاريخ والجغرافيا. وتقول الشواهد إن مثل هذا التصعيد المتعمّد في بعض جوانبه، وغير المنطقي في جوانب أخرى انجرف إليها عدد من بلدان شرق أوروبا وأعضاء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جانب، وروسيا من جانب آخر، لا بد من أن يجد متنفساً له من خلال إعادة كل الأطراف الرئيسة في صدارة المشهد السياسي، النظر في ترتيب أولويات اللحظة، وتضافر الجهود للخروج بالموقف، بعيداً من احتمالات الانفجار.

وحتى ذلك الحين، تظل أنظار العالم كله تتعلق بما يمكن أن يصل إليه الزعيمان بوتين وبايدن خلال الأسابيع القليلة المقبلة من اتفاق حول عقد القمة المرتقبة، بكل ما تحمله من آمال في الانفراجة المرجوة. 

المزيد من تقارير