Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ستسعف أسعار النفط التصنيف الائتماني للكويت؟

الإصلاحات المالية والاقتصادية لتحسين التصنيف السيادي لا تخلو من متطلبات تشريعية وحلول صعبة

تؤكد حكومة الكويت على أن مركزها المالي "متين" (أ ف ب)

تمر الكويت بحقبة من النظرة السلبية لمستقبلها من وكالات التصنيف الائتماني، وتأثيرها سيتجسد بارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي على المستوى السيادي وعلى مستوى القطاع الخاص.

تعديل النظرة المستقبلية "نتيجة تلقائية" لتدني السيولة في الاحتياطي العام، وتعمل السلطتان التنفيذية والتشريعية حالياً على إيجاد حلول لهذا التحدي.

وتؤكد حكومة الكويت على أن مركزها المالي "متين" ولكن عليها استكمال الإصلاح في المالية العامة، بما يضمن ديمومة المؤسسات ورفاه المواطنين.

ويرى بعض المحللين الاقتصاديين، أنه في حال استمر الجمود في الوضع الاقتصادي مع "الاحتقان السياسي" الذي يقف في وجه كل عملية داعمة للتنمية، سينعكس سلباً على الاقتصاد وحتماً سيؤثر سلباً على التصنيف الائتماني.

النفط يستر العيوب 

في هذا السياق، يقول أستاذ قسم الاقتصاد في جامعة الكويت، رياض الفرس، "في السابق لم تكن هناك مشكلات اقتصادية بخاصة مع ارتفاع أسعار النفط، والفائض في الميزانية كان يصل إلى أكثر من 13 مليار دينار سنوياً، إضافة إلى أن صندوق الاحتياطي العام يقدر بـ 50 مليار دينار (165 مليار دولار) وصندوق احتياطي الأجيال القادمة بـ 100 مليار دينار (330 مليار دولار)".

ويضيف "وبذلك لم تظهر المشكلات، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود مشكلات في هيكلية الاقتصاد والمالية العامة للدولة"، منوهاً أن هذه المشكلات كان يسترها ارتفاع أسعار النفط، لكن مع انخفاض أسعاره ظهرت كل العيوب التي نراها الآن.

وعلى الرغم من ذلك، لم نشهد أي خطوة للإصلاح بعكس ما قامت به دول الخليج التي قامت بعديد من الإجراءات. وكانت النتيجة تفاقم العجوزات في الميزانية وتمويل هذه العجوزات كان يتم بمزيج من اقتراض وتسييل الأصول من الاحتياطي العام، وهو ما تسبب في الانخفاض الحاد في السيولة.

وحول التأثير الاقتصادي المحتمل لخفض التصنيف الائتماني للكويت، يوضح الفرس "من المؤكد سترتفع تكلفة الاقتراض الخارجي وزيادة أعباء خدمة الدين العام، كما ستنخفض ثقة المستثمرين المحليين (القطاع الخاص)، وهجرتهم للخارج، علماً أن خطة التنمية 2035 مبنية على قيادة القطاع الخاص لها. إضافة إلى خفض الاستثمار الأجنبي، حيث تعد الكويت من أقل الدول الخليجية في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، وقد يتعرض الدينار إلى ضغوط على سعر الصرف في حال تم تخفيض التصنيف".

موافقة مجلس الأمة

وعن المعالجات التي طرحها التصنيف ومدى إمكانية تنفيذها خلال 6 إلى 12 شهراً، مثل الضرائب وإصلاح سوق العمل وتنويع الاقتصاد علّق الفرس، "هذا الأمر من المستحيل أن يطبق على المدى القصير، حيث أن الكويت تختلف عن باقي دول الخليج فيجب أن تقر الإصلاحات بقانون يوافق عليه مجلس الأمة، من المرجح عدم تطبيقها والموافقة عليها، فالإصلاحات غير واقعية ولا تتلاءم مع الوضع السياسي في الكويت".

وفي ما يتعلق بالتوقعات المستقبلية لتصنيف الكويت أشار أستاذ قسم الاقتصاد في جامعة الكويت إلى أن هناك تخفيضات مقبلة، ما لم تتحسن الظروف، كما ذكرت إحدى الوكالات بأن ارتفاع النفط قد يقلل الضغوط على ميزانيات دول الخليج، موضحاً أن الكويت تضع سعر التعادل للنفط في الميزانية 90 دولاراً، وهذا من الصعب الوصول إليه، متوقعاً وجود عجز وإن كان أقل من السابق مع تغيير النظرة المستقبلية إلى سلبية فالوضع "لا يبشر بالخير".

الانتقادات لوكالات التصنيف

في المقابل، أوضح الفرس، أن هناك مجموعة من الانتقادات على عمل هذه الوكالات، مثال على ذلك، عندما حلت الأزمة العالمية عام 2008، ظهرت بعض عيوب الوكالات وإحداها كانت متهمة بدفع رشاوى لأحد العاملين فيها لرفع التصنيفات الائتمانية، مضيفاً أن الانتقاد الأكثر نحوها، أن هذه الوكالات محتكرة لسوق التصنيف، وتصل نسبة الاحتكار إلى 80 في المئة، وهذا مؤشر واضح أنها تمارس نوعاً من عمليات "الضغط والفرض" على الدول أو الشركات. 

وقال الفرس، "من الأمور المستغربة أيضاً أن إحدى الوكالات التي صنفت الكويت أخذت بعين الاعتبار المخاطر الجيوسياسية، وهذا لا يمكن للكويت التحكم فيه أو تكون طرفاً"، متسائلا "هل هذا المعيار يطبق على باقي دول الخليج؟ ومن الانتقادات الأخرى على الوكالات بأن لا رقيب عليها ولا توجد جهة تنظم عملها".

انخفاض التصنيف طبيعي

من جهته، رأى أستاذ قسم التمويل في جامعة الكويت تركي الشمري، أن تخفيض التصنيف الائتماني للكويت، جاء على إثر مجموعة من الأسباب، منها انخفاض السيولة في صندوق الاحتياطي العام للدولة الذي تصرف منه الحكومة على أنشطتها المختلفة، حيث تقدر قيمة الأموال الموجودة في عام 2013، 50 مليار دينار (165 مليار دولار) وفي نهاية 2020 وصلت إلى "الصفر" بسبب عدم التوصل لاتفاق بين السلطة التشريعية والتنفيذية بإصدار قانون الدين العام منذ عام 2017".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن الصندوق السيادي للدولة انخفض حوالى 60 مليار دولار خلال النصف الأول في عام 2020، منوهاً أن هذا الانخفاض طبيعي بسبب تراجع قيمة الأصول التي يستثمر فيها هذا الصندوق، ولذلك تم تخفيض التصنيف للدولة. وقال، إن أهمية الملاءة المالية تكون عندما تحتاج الدولة أن تقترض وفي حال كان تصنيفها منخفضاً، ستكون تكاليف الاقتراض عالية.

برنامج تبادل الأصول

وأشار الشمري إلى أن هناك مجموعة من الإيجابيات تمتلكها دولة الكويت، حيث تعد من الدول المنتجة للنفط ولديها احتياطي كبير، موضحاً، أن النفط ما زال يشكل أهمية للاقتصاد العالمي، ويتوقع وجود تدفقات نقدية طويلة المدى مع ارتفاع وتيرة أسعار النفط. 

وأضاف، أن الكويت تمتلك بنية تحتية متينة من اتصالات وطرق وملاحة، مشيراً إلى أن صندوق الثروة السيادية في الكويت يعادل 400 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وهو في تزايد مستمر. وقد أخذت الدولة بعض الحلول منها "برنامج تبادل الأصول" من احتياطي الأجيال القادمة إلى صندوق الاحتياطي العام، متوقعاً أن يدفع هذا البرنامج من وتيرة التدفقات النقدية، ما يدعم صندوق الاحتياطي العام. 

وأكد أن اللوائح المالية لدى البنك المركزي الكويتي قوية وحكيمة وهو ما انعكس على كفاية رأس المال في جميع البنوك الكويتية. كما أن للبنك المركزي نهجاً استباقياً لدعم القدرة المالية للدولة، وهو من المؤشرات الجدية التي تعتمد عليها وكالات التصنيف. 

ثروات الصندوق السيادي

في سياق متصل، قال مهند الصانع عضو الجمعية الاقتصادية الكويتية (إحدى جمعيات المجتمع المدني)، إن التحدي الأساسي الذي يواجه الكويت هو مدى القدرة على استدامة نموذج التنمية الاقتصادية المبني على قيادة القطاع العام لبرامج ومشاريع خطة التنمية، من حيث الاستثمار والتمويل وخلق الوظائف، وهو نموذج يصعب الاستمرار فيه في ظل التحديات الاقتصادية المالية الحالية والمستقبلية.

وأشار إلى أن الجمعية قدمت توصياتها إلى رئيس مجلس الوزراء ومجلس الأمة، التي جاء في مضمونها 55 توصية مقسمة على ثلاث فترات زمنية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، شملت الإصلاح المؤسسي والإصلاح الاقتصادي والمالي وضرورة البدء الفوري والاستفادة من الوقت، حتى لا نحمل مالية الدولة تكاليف مستقبلية، وأن يدفع القطاع الخاص ثمن تكلفة تأخر هذه العملية.

وأضاف الصانع بأنه يجب أن تكون للحكومة استراتيجية واضحة ومقبولة بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، للبدء في عملية تسويقها بما يتناسب مع تطلعات القطاع الخاص، وحتى تكون مقنعة لتحظى على دعم من مجلس الأمة وتخرج كوثيقة اقتصادية لأجل تطوير اقتصاد الكويت، تمهيداً لتطبيقها وجميع هذه الخطوات حتماً ستساعد في دعم واستقرار قوة التصنيف الائتماني لدولة الكويت، وستنعكس بالإيجاب على الوضع الاقتصادي في الداخل "المتعطش للعمل". 

أما إذا استمر الجمود في الوضع الاقتصادي مع "الاحتقان السياسي" الذي يقف في وجه كل عملية داعمة للتنمية سينعكس سلباً على الاقتصاد، وسيؤثر سلباً على التصنيف الائتماني، منوهاً أن الكويت ما زالت تتمتع بإمكانيات وثروات مالية عبر احتياطي الصندوق السيادي الذي يضعها في ميزة تنافسية عن باقي الدول، لأن يكون التصنيف إيجابياً من قبل الوكالات الائتمانية.

 ورأى الصانع أنه في حال قررت الكويت الاستدانة ستكون بفوائد متدنية والاستفادة من هذه الفرصة في السوق والحصول على بدائل تمويلية منخفضة التكاليف هي فرصة استثمارية جيدة في حال توظيفها في استثمارات ذات عوائد جيدة وإيرادات الدولة.

يذكر أن أبرز ردود الحكومة الكويتية على تخفيض وكالة "ستاندرد أند بورز" التصنيف الائتماني إلى نظرة "سلبية" من مستقرة، كان عبر تعليق وزير المالية الأسبق براك الشيتان في شهر يوليو (تموز) الماضي، حين قال، إن تعديل النظرة المستقبلية هو "نتيجة تلقائية" لتدني السيولة في الاحتياطي العام، مبيناً أن السلطتين التنفيذية والتشريعية تعملان على إيجاد حلول لهذا التحدي.

وأوضح الشيتان، أن تثبيت تصنيف الكويت السيادي من قبل "ستاندرد أند بورز" عند -AA يضعها في مصاف دول مثل تايوان وإيرلندا وفي مقدمة معظم الدول الخليجية، "وهذا يعكس قوة الدولة الائتمانية ومتانة مركزها المالي المدعوم بشكل كلي بحجم الأصول في صندوق احتياطي الأجيال القادمة.

وأكد أن لدى وزارة المالية "خطة إصلاحات مالية مرحلية" ناقشها مجلس الوزراء وكلف الوزارة بمتابعة آلياتها، مضيفاً أن بعض خيارات دعم صندوق الاحتياطي العام تتطلب الحصول على موافقة السلطة التشريعية، ومن أهمها قانون الدين العام وقانون الصكوك.

لجنة عليا للتصنيف 

وبعد تصريح وزير المالية بشهرين وتحديداً في شهر سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت الحكومة الكويتية تشكيل لجنة عليا لتحسين التصنيف الائتماني السيادي، وذلك غداة قرار وكالة "موديز" خفض تصنيف البلد الذي يشهد عجزاً متزايداً في الميزانية بسبب تراجع أسعار النفط.

وقالت آنذاك وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية الكويتية مريم العقيل، التي ترأس اللجنة العليا لتحسين التصنيف السيادي، إن الحكومة كلفت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية بوضع خارطة طريق للإصلاحات المالية والاقتصادية، لتحسين التصنيف السيادي للدولة، وأكدت أن هذه الإصلاحات لا تخلو من متطلبات تشريعية لازمة لتحقيق استدامتها.

قرب نفاد السيولة 

وفي فبراير(شباط) الماضي، أكد وزير المالية الحالي خليفة مساعد حمادة قوة ومتانة المركز المالي لبلاده، معقباً على قرار "وكالة فيتش" بتثبيت التصنيف السيادي للكويت عند AA، ولكن مع تغيير النظرة المستقبلية من "مستقرة" إلى "سلبية".

ولفت أن المركز المالي لبلاده مدعوم بالكامل من قبل صندوق احتياطي الأجيال القادمة، مشيراً إلى أنه يشهد نمواً مستمراً بفضل جهود القائمين عليه.

لكن الوزير أوضح أن ما تعاني منه المالية العامة للدولة، التي تتعلق بالإيرادات والمصروفات السنوية، من اختلالات هيكلية، أدى إلى قرب نفاد السيولة في خزينة الدولة (صندوق الاحتياطي العام).

وأكد حمادة أن من أهم أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة، هو تعزيز السيولة في الخزينة من خلال تضافر جهود جميع الجهات والعمل كفريق واحد لتحقيق استدامة المالية العامة.