Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أبحاث جديدة تلقي الضوء على إنجازات إمبراطورية الأزتك المندثرة

الهيروغليفية الأزتكية اعتبرها كثير من العلماء أحد أكثر الأنظمة الكتابية تطوراً في تاريخ البشرية

خلف الأزتك صروحاً عمرانية أثرية لا تزال شاهدة على حضارتهم (غيتي)

بعد مرور 500 عام تحديداً على احتلال الغزاة الإسبان لإمبراطورية الأزتك (منطقة في وسط المكسيك)، وتدميرها، يحاول عالم بريطاني في مجال الأنثروبولوجيا إعادة اكتشاف الأسس الفكرية المنسية لحضارة شعبها.

في عام 1521، قاد الجيش الإسباني عملية تخريب وتشويه ثلاث من أضخم مكتبات العالم – في العاصمة الأزتكية تينوتشتيتلان، وفي حليفتيها مدينتا تيتزكوكو وتلاكوبان.

ومن بين آلاف كتب الشعر والقانون والبلاغة والطب وعلم الفلك والتاريخ التي أورثتها حضارة الأزتك للعالم، لم يسلم من هذه المجزرة الحضارية سوى عمل واحد أو اثنين على الأكثر.

يظهر أن المساعي الإسبانية لطمس هوية الأزتك وإنجازاتهم الفكرية والأدبية كانت مهولة لدرجة اقتنع معها العالم الأكاديمي الحديث بأنها لم توجد قط.

ففي نظر هؤلاء، لم تشكل الرموز الهيروغليفية للأزتك نظاماً كتابياً بكل ما للكلمة من معنى. وفي غياب نظام كتابي سليم ومتكامل، لا يمكن للتقليد الأدبي المكتوب والمعقد أن يوجد.

لكن الآن، ثمة أبحاث جديدة للعالم البريطاني في مجال الأنثروبولوجيا اللغوية غوردون ويتاكر؛ وهذه الأبحاث تكشف للمرة الأولى أن الهيروغليفية الأزتكية هي أحد أكثر الأنظمة الكتابية تطوراً في تاريخ البشرية.

فبعد عشرين عاماً تقريباً من الأبحاث المعمقة، اتضح للبروفسور ويتاكر أن نظام الكتابة الذي طوره الأزتك شبيه إلى حد كبير بالنظام الهيروغليفي عند المصريين القدماء من حيث إمكانية استخدامه ليس فقط من أجل نقل عدد محدود من الكلمات والمقاطع الصوتية، بل من أجل نقل أصوات كل مقطع من مقاطع اللغة الأزتكية (ناهواتل) أيضاً – وهذه المرونة هي التي أتاحت التعبير صوتياً وبصيغة كتابية عن عشرات الآلاف من كلمات معظمها متعدد المقاطع.

 

ولأن نظام الكتابة الأزتكي لم يستخدم فحسب للتعبير عن الأشياء والأفعال بل كان يمثل كذلك الأصوات المحكية، عول عليه المدونون الأزتيك للتعبير عن كل قائمة مفرداتهم ومصطلحاتهم التي لا تقل عن عشرات الآلاف.

وهذه القائمة هي التي استند إليها البروفسور ويتاكر في أبحاثه – المتوقع صدورها في لندن – للتدليل على أن نظام الكتابة الذي طوره الأزتك، هو من دون منازع، النظام الأكثر تقدماً في الأميركيتين. يمكن تشبيه نصوصه من حيث التنظيم والمفهوم والتطور، بنصوص أحد أكثر الأنظمة الكتابية تطوراً في العالم القديم – اليابانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقبل أن ينكب ويتاكر على أبحاثه الجديدة، كانت الكتابة الأزتكية مهمشة ومستحقرة إلى حد كبير. فعلى مدى الأعوام الـ32 الماضية، تجاهلت أهم خمس دراسات استقصائية للأنظمة الكتابية في العالم وجوده (مخصصة له قرابة 3 صفحات فقط من أصل ألفي صفحة). وحتى عندما كان يذكر، لم يكن يعترف به كنظام كتابي "عن جدارة واستحقاق".

لكن اليوم تغير كل شيء. وبفضل الكتشافات الجديدة عن مدى تطور النظام الكتابي الأزتكي، وبعدما ثبتت صحة الادعاءات التي ترددت في القرن السادس عشر – وأهملت على مدى القرون الخمسة الماضية - بامتلاك الأزتك كتب شعر وتاريخ وقانون وبلاغة متقدمة، بات على المؤرخين إعادة تقييم طبيعة وحجم الإنجازات الفكرية والثقافية والأدبية لهذه الحضارة الغابرة.

وفي هذا الصدد، يقول البروفسور ويتاكر، إن الإنجازات الأدبية للأزتك توازي بعظمتها إنجازات روما واليونان والهند ومصر في العصور القديمة، "لكن تدميرها على نطاق واسع هو الذي محاها من ذاكرة العالم".

"يضاف إليه طبعاً التردد الفكري الغربي في تقييم الأدب الأزتكي على قدم المساواة مع الإنجازات الأدبية للعالم القديم"، على حد تعبير الدكتور ويتاكر الذي ستنشر أبحاثه في كتاب جديد بعنوان "فك رموز هيروغليفية الأزتك" (Deciphering Aztec Hieroglyphs) .

"للأسف، حاول العديد من المفكرين على مر القرون تجاهل النظام الهيروغليفي للأزتك على أنه شكل من أشكال الكتابة التصويرية، لكنه في الواقع غير ذلك تماماً – وما أشيع عنه مجرد نظرة خاطئة لعدد كبير من اللغويين ومؤرخي الفن".

ولعل قصة تقويض الإنجازات الفكرية للأزتك هي واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في تاريخ البشرية.

ففي عام 1519، غزا جيش إسباني صغير بقيادة هيرنان كورتيس المكسيك وأعلن ضمها لسلطة الملكية الإسبانية. وللحال، شكل الفاتح النبيل تحالفات مع نخبة من السكان الأصليين من غير الأزتك ومن المناوئين لحكمهم – وبحلول 1521، سيطر الإسبان وحلفاؤهم على أكبر مدن الإمبراطورية الأزتكية، بما فيها العاصمة تينوشتيلان (التي تعني حرفياً "ثمرة الإجاص الشوكي على صخرة") ودمروها وأطاحوا بمكتباتها الضخمة.

وعلى أثر ذلك، ألحقت المكسيك بالإمبراطورية الإسبانية – التي أجبرتها على اعتناق الديانة المسيحية. وأحرقت الكتب الأزتكية المتبقية، لا سيما الدينية منها، في العلن – وتعرض كل من ضبط في حوزته كتاباً أزتكياً للاعتقال بتهمة ممارسة الشعوذة والموت حرقاً وهو مصلوب.

ولم تكن الكتابة الأزتكية النظام الكتابي الوحيد في الأميركيتين في العصر ما قبل الكولومبي [قبل اكتشاف الأميركيتين] – لكنها ربما كانت، من نواحٍ عديدة، النظام الأكثر مرونةً وتطوراً وشمولية. فهي في نهاية الأمر، واحدة من مجموعة أنظمة كتابية طورتها حضارات مختلفة في منطقة المكسيك على امتداد فترات زمنية مختلفة.

وتشير بعض الأدلة غير المباشرة إلى احتمال إقدام شعب جنوب شرقي المكسيك المعروف بالأولمك على تطوير نظام كتابي بدائي في 800 قبل الميلاد على وجه التقريب – لكن هذه الأدلة غير مدعومة بأي نماذج ملموسة لأنظمة من هذا القبيل.

أما أقدم الأنظمة الكتابية الأميركية المثبتة، فقد طوره شعب الأزبوتك (في جنوب وسط المكسيك)، وكان شائع الاستخدام ما بين 400 قبل الميلاد و800 ميلادي.

يليه في المرتبة الثانية النظام الذي طوره شعب المايا في غواتيمالا وجنوب شرقي المكسيك – واعتمد على مدى ألفيتين (من 300 قبل الميلاد وحتى القرن السادس عشر).

ومن الأنظمة الكتابية الأخرى المعروفة لدى المفكرين المعاصرين هو النظام الإسثميني (أو ما بعد أولمك) الذي استحدث في جنوب المكسيك عند نحو 400 قبل الميلاد – واستخدم لمدة تسعة قرون تقريباً.

 

وبعد زوال هذا النظام وعند نحو 300 ميلادي، أقدمت حضارة مكسيكية كبيرة – تتمركز حول مدينة تيوتيهواكان القديمة والفسيحة (ويعني اسمها حرفياً "حيث يصبح المرء إلهاً") – على تطوير نظام كتابي جديد. وقد استخدم هذا النظام حتى انهارت تلك الحضارة بعد ثلاثة قرون ونصف القرن.

وفي أعقاب ذلك، ظهر سليل لنظام تيوتيهواكان في وسط المكسيك؛ وقد خضع هذا النظام بدوره للتطوير والاستحداث على يد شعب آخر وسط المكسيك – التولتيك (بين عامي 1000 و1200 ميلادي).

وبعدما بسط الأزتك سيطرتهم على الجزء الأكبر من المكسيك بين أوائل القرن الخامس عشر والغزو الإسباني في 1519-1521، وضعوا يدهم على النظام الكتابي المتحدر من تيوتيهواكان وحسنوه.

وصحيح أن واحداً أو اثنين فقط من كتابات الأزتك ما قبل الغزو نجيا من الدمار، لكن كتاباتهم في مرحلة ما بعد الغزو (بين منتصف وأواخر القرن السادس)، وعددها 30 تقريباً، ما زالت على حالها وهي التي دأب البروفسور ويتاكر على دراستها من أجل إعادة اكتشاف الطرق التي طور بها الأزتك نظام الكتابة الخاص بهم.

ولم يكن للحضارات المكسيكية الأصلية أنظمتها الكتابية الخاصة فحسب، بل كان لها أيضاً نسخها الخاصة من الورق المصنوع من لحاء شجر التين المعالج وورق الصبار. ويقال إنها اعتمدت عليه بشكل كبير لصناعة الوثائق والكتب، تاركةً جلود الحيوانات المعالجة لإعداد المخطوطات على نحو ما كانت تفعله نظيراتها الأوروبية.

وقد نصت شعوب تيوتيهواكان والتولتيك والأزتك مخطوطاتها ونصوصها باللغة التي بدأت تعتبر الآن واحدة من أهم لغات العالم وأكثرها تعقيداً وغنى – أي لغة الناهواتل المحكية حالياً من قبل أكثر من مليوني مكسيكي أصلي.

والأكثر من ذلك أن إنتاج الورق المصنوع من لحاء شجر التين والمستخدم في الكتب المكسيكية القديمة لا يزال قائماً إلى اليوم. بعد الغزو الإسباني، كان المكسيكيون الأصليون يستعينون به لإعداد صور سرية أحياناً لآلهتهم، لكن في السنوات الأخيرة، ذاع استعماله كـ"رقعة" للوحات التي تعرض وتباع في السوق السياحية.

وبعد الاستنتاجات الأخيرة التي توصل إليها البورفسور ويتاكر عن نظام الكتابة الأزتكي، بدأت القصة الكاملة للإنجازات الأدبية والفكرية المنسية في وسط المكسيك تخرج إلى الضوء.

© The Independent