بعد دخول موسكو على خط الأزمة الكورية... قمة "بوتين ــ كيم" تضع ترمب أمام الاختبار الصعب

الرئيس الأميركي يرحب بنتائج القمة... ومراقبون: روسيا تقدم نفسها كـ"وسيط مهم"... وزعيم كوريا الشمالية يبحث عن مزيد من الدعم لمواجهة ضغوط الولايات المتحدة

غداة قمة "فارقة" بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، رحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس الجمعة بدور روسيا والصين في التفاوض مع كوريا الشمالية حول ترسانتها النووية، بالتزامن مع مغادرة كيم، مدينة فلاديفوستوك مكان القمة، بعد أن تشكك أمام الرئيس الروسي من "النوايا السيئة" للأميركيين في تعاطيهم مع الأزمة النووية الكورية.

وبعد انتهاء القمة الروسية الكورية الشمالية، والتي هدفت لإظهار أن واشنطن ليست القوة الوحيدة القادرة على وضع الأجندة الخاصة ببرنامج بيونغ يانغ النووي، وفق مراقبين، قال الرئيس ترمب للصحافيين في حديقة البيت الأبيض إنه لا يرى الصين وروسيا خصمين من حيث التأثير على كوريا الشمالية وأنهم جميعا في الموقع ذاته.

وأضاف ترمب "أقدر قيام موسكو وبكين بتقديم المساعدة لنا.. لأنني أعتقد أنهم يريدون ذلك. ليسوا بحاجة إلى أسلحة نووية بجوارها". وتابع "أعتقد أننا نحقق نتائج جيدة مع كوريا الشمالية. لقد أنجز الكثير من التقدم". وتابع "أقدر بيان الرئيس بوتين. إنه يريد ذلك أيضا. أعتقد أن هناك الكثير من الحماسة للتوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قمة الخمس ساعات

وخلال خمس ساعات هي عمر اللقاء الأول الذي جمع بين بوتين وكيم جونغ أون (تضمنّت لقاءً ثنائياً ثمّ اجتماع عمل بين الوفدين ومأدبة عشاء)، على جزيرة روسكي قبالة مدينة فلاديفوستوك الروسية المطلة على المحيط الهادي، والتي جاءت بعد شهرين من انتهاء القمة الثانية بين كيم والرئيس ترمب في فبراير (شباط) في فيتنام بخلاف بدد آمالا في تحقيق نجاح على صعيد حل الخلاف النووي المستمر منذ عقود، وصفت وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرسمية اللقاء بين بوتين وكيم بأنه كان "ودياً".

ويري مراقبون أن قمة فلاديفوستوك شكلت فرصة لبيونغ يانغ للحصول على دعم من بلد جديد ولتخفيف محتمل للعقوبات التي تضر اقتصادها وإظهار أن مستقبلها الاقتصادي لا يعتمد فقط على الولايات المتحدة، فيما كانت بالنسبة للكرملين، فرصة لإظهار أن روسيا لاعبٌ دبلوماسيٌّ دوليٌّ، رغم جهود الولايات المتحدة ودول غربية أخرى لعزلها.

مكاسب متبادلة

وعلى الرغم أن اللقاء لم يُترجم بإعلانات ملموسة، فإنه سمح لبيونغ يانغ بإعادة إحياء التواصل على أعلى مستوى مع حليفتها إبان الحرب الباردة، وأتاح لموسكو العودة إلى واجهة المساعي لحل الأزمة الكورية.

ووصف كيم اللقاء بوتين بأنه كان "منفتحا وودّيا"، بحسب الوكالة الكورية، معرباً عن أمله في أن يكون هناك "عصر ذهبي جديد" في العلاقات بين بيونغ يانغ وموسكو. وأشارت الوكالة إلى أن بوتين "قبِل على الفور" دعوة كيم لزيارة كوريا الشمالية. وأكد كيم لنظيره الروسي، بحسب الوكالة الكورية، أنّ "الوضع في شبه الجزيرة الكورية وفي المنطقة حالياً في مأزق وبلغ نقطة حرجة".

وبحسب جون بارك، مدير المشروع الكوري في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، فإن "المكسب الأكبر الذي يمكن أن يحصل عليه الزعيم كيم من قمته مع بوتين هو إعادة التأهيل ورفع صورته ومكانته، لأنه في نهاية المطاف هذا الاجتماع على مستوى القمة مع قائد عالمي".

من جهتها، رأت شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية أن بوتين كان قادراً على وضع نفسه كوسيط دبلوماسي مهم، وأن واحدة من أهم رسائل الكرملين الصادرة عن القمة تتلخص في أنه إذا كان هناك رغبة في تسوية شيء ما عبر المحادثات، فمن المهم التحدث مع بوتين، لاسيما بعد "قدر" من التهميش لبوتين في السابق عبر قمتي ترمب وكيم في سنغافورة وفيتنام التي سيطرت على عناوين الصحف لعدة أشهر، لكن الآن عاد الرئيس الروسي إلى حيث يحب أن يكون في مركز الدبلوماسية الدولية.

وفي تصريحاته للصحافيين عقب القمة، قال بوتين إنه سينقل نتائج محادثاته مع كيم إلى زعماء العالم الآخرين. وأضاف بوتين "بالطبع، سأتحدث في بكين مع القيادة الصينية، لكننا سنناقش أيضا بوضوح اجتماع اليوم مع القيادة الأميركية"، مؤكدا "لا يوجد هنا أسرار ولا مؤامرات". وتابع أن كيم نفسه طلب منا إبلاغ الجانب الأميركي بموقفه.

وأشار بوتين إلى أن "مصالح روسيا والولايات المتحدة متشابهة في كوريا، لا نريد انتشار السلاح النووي". وكان مصدر في وزارة الخارجية الأميركية، قد أكد قبيل القمة أن الولايات المتحدة وروسيا تجريان حوارا حول قضية كوريا الشمالية، مشيرا إلى وجود خلافات في مواقف الجانبين إزاء هذا الشأن.

كيم يتطلع لدعم روسي صيني

ويرى مراقبون أن اجتماع بوتين مع كيم بمثابة انقلاب، في أعقاب انهيار قمة فيتنام والوضع الحالي الهش للمحادثات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

فقبل أسبوعين، أمهل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون واشنطن حتى نهاية العام الحالي لتغيير موقفها من بلاده، محذرا من أن انهيار المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن برامج بيونغ يانغ النووية والصاروخية زاد من مخاطر العودة إلى التوتر السابق.

وقال كيم "إن نتيجة قمة فيتنام دفعته إلى التشكك في الاستراتيجية التي تبناها العام الماضي بخصوص المشاركة الدولية والمحادثات مع الولايات المتحدة". مضيفا: "سأكون صبورا وأنتظر حتى نهاية العام الحالي قرار أميركا الشجاع، لكن سيكون من الصعب الحصول على فرصة جيدة مثل المرة السابقة".

ويرى مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية، أندريه كورتونوف "أن قمة بوتين وكيم مؤشر على وجود مشكلات خطيرة في علاقات كيم مع إدارة ترمب، فالزعيم الكوري الشمالي يدرك أن الضغط  الأميركي من المرجح أن يستمر في التزايد وأن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو - المخول بالتفاوض مع بيونغ يانغ - مفاوض صعب، لذا فهو بحاجة إلى تعزيز الدعم الإضافي الذي يمكنه الحصول عليه من عاصمتين فقط هما بكين أو موسكو."

وقد تكون الصين داعماً رئيسياً لكوريا الشمالية، لكن لدى روسيا بعض النفوذ، إذ إنها وجهة رئيسية للعمالة الكورية الشمالية - وهي مصدر مهم للعملة الصعبة للدولة الشيوعية المعزولة.

ويعمل 10 آلاف كوري شمالي في روسيا ويشكلون مصدرا ثمينا للعملات بالنسبة لبيونغ يانغ. ويطالب القرار الدولي 2397 الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2017 كل الدول التي توظف كوريين شماليين إعادتهم إلى بلادهم خلال عامين.

ووفقا لصحيفة "غارديان" البريطانية فإن حجم التجارة بين روسيا وكوريا الشمالية ضئيل، حيث بلغ 34 مليون دولار فقط في العام الماضي، ويرجع ذلك في معظمه إلى العقوبات الدولية المفروضة على بيونغ يانغ.

وتود روسيا الوصول بشكل أوسع إلى الموارد المعدنية في كوريا الشمالية، بما في ذلك المعادن النادرة، في المقابل تطالب بيونغ يانغ روسيا بإمدادها بالكهرباء وترغب في أن تضخ استثمارات لتحديث مصانعها المتهالكة التي بنيت في عهد الاتحاد السوفييتي، والسكك الحديدية وغيرها من البنية الأساسية.

موسكو وإحياء المحادثات السداسية

وفيما يتعلق بتسوية أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي، تدعو موسكو إلى حوار مع بيونغ يانغ على أساس خارطة طريق وضعتها موسكو وبكين، تستند إلى حوار دولي مع بيونغ يانغ، يهدف إلى حلحلة الأزمة على أساس تقديم تنازلات متزامنة من جانب كوريا الشمالية والغرب.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، إن الكرملين يعتقد أن المحادثات السداسية بشأن كوريا الشمالية، والمتوقفة حاليًا، هي الطريقة الوحيدة الفعالة لمعالجة التسلح النووي في شبه الجزيرة الكورية.

ويشارك في هذه المحادثات، التي بدأت في عام 2003، كل من الكوريتين وكذلك الصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة. وكانت موسكو طالبت برفع العقوبات الدولية على كوريا الشمالية في حين اتهمتها واشنطن بمساعدة بيونغ يانغ على الإلتفاف عليها.

علاقات تاريخية بين روسيا وكوريا الشمالية

تعود العلاقات بين بيونغ يانغ وموسكو إلى العهد السوفييتي، حيث كان الاتحاد السوفييتي أول دولة تعترف بجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1948. وشهدت العلاقات بين البلدين توترا خلال الفترة التي أعقبت تأسيس جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بسبب براعة كيم إيل سونغ جد الزعيم الكوري الشمالي الحالي في اللعب على المنافسة الصينية الروسية للحصول على تنازلات من البلدين القويين.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، خفض الاتحاد السوفييتي مساعداته لبيونغ يانغ بعد إقامتها علاقات مع سيول.

وسعى بوتين إلى تطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية بعد انتخابه لأول مرة رئيسا لروسيا في مارس (آذار) عام 2000، والتقى كيم جونغ إيل والد الزعيم الكوري الشمالي الحالي ثلاث مرات. وفي آخر قمة روسية كورية شمالية عام 2011 أكد كيم جونغ إيل للرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف أنه مستعد للتخلي عن التجارب النووية.

المزيد من سياسة