Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إبراهيم عبد المجيد "يتلصص" على أسرار المثقفين في مصر

ذكريات وانطباعات ومواقف مستعادة في كتاب "الأيام الحلوة فقط"

الروائي المصري ابراهيم عبد المجيد يكتب سيرته (اندبندنت عربية)

الذاكرة ساحرة ماكرة، وحدها تستطيع دحض الظن بأن الماضي يمضي ولا يعود، فتثبت أنه لا يمضي ويمكنه أن يعود حين تقرر هي استدعاءه، حينئذ تعود لحظة عبرت وتلتقي بلحظة راهنة في حكاية تروى. هكذا عاد الماضي حاملاً معه وجوهاً وقامات كبيرة من عظماء الأدب والثقافة المصرية؛ عبر صفحات كتاب "الأيام الحلوة فقط" للكاتب إبراهيم عبد المجيد الصادر حديثاً عن دار "بيت الياسمين للنشر".

يحمل العنوان دلالات مباشرة حول طبيعة ما ينتظر القارئ على صفحات الكتاب في شطره الأول "الأيام" يحيل إلى السيرة الذاتية لعميد الأدب العربي طه حسين. لكن إبراهيم عبد المجيد قرر أن يكون الحكي عن الأيام الحلوة فقط، إلا أن ثمة مرارات تمردت وتسللت بين السطور بعد حرب ضروس خاضتها مع الكاتب الذي لم يرد لها الظهور، ثم سمح بمساحات ضئيلة تطفو خلالها كي تؤدي دورها في إبراز ما يقابلها من جمال الأيام الحلوة إعمالاً بالقول المأثور "بضدها تتميز الأشياء".

أدب السيرة

في هذا الكتاب الذي يندرج تحت أدب السيرة الذاتية، يقدم عبد المجيد شقاً من حياته منذ خطا أولى خطواته نحو الكتابة والأدب، وإن سلك في البداية طرقاً بعيدة. لكنه كان يعلم أنها ستتقاطع في نقطة ما مع حلمه وتقوده في النهاية إلى ما يصبو إليه. فهو الشاب السكندري الذي حصل على "دبلوم صنايع" متنازلاً عن حلمه بالجامعة، لكنه تدارك الحلم بعد قرار عبد الناصر بمجانية التعليم. وعلى الرغم من عمله في الترسانة البحرية عاود الدراسة والتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، ودفعه حلمه الذي استحوذ عليه بأن يصبح أديباً؛ إلى أن يغادر الإسكندرية إلى القاهرة، حيث كل أسباب الفشل وكل أسباب النجاح. لكن الواقع الذي يفوق كل إدراك؛ كان يحمل في جعبته زخماً من المفاجآت والحوادث التي تستحق التوثيق، وإن فضل عبد المجيد ألا يسرف في استدعاء المر من الماضي، حتى لا تتبعه تلك الغصة التي اختبرها ذات مرة، فجعل الأفضلية للأيام الحلوة فقط.

ولكون الكاتب روائياً من طراز ذي خبرة عالية؛ اكتسبت سيرته نكهة فريدة، حيث لجأ إلى العديد من الحيل الفنية التي أضفت بدورها كثيراً من الجمالية والمتعة على الكتاب. فهذه السيرة لا تعتمد على ما يثيره البوح - عبر تعرية الحقائق المجهولة - من رغبة الاكتشاف وغريزة المعرفة وحسب، وإنما تغلغل فيها العديد من التقنيات والحيل السردية التي يؤدي بعضها الوظيفة التشويقية نفسها. فكثيراً ما أورد الكاتب استباقات عبر إشارات سريعة لأحداث مهمة؛ يرجئ تفصيلها إلى مراحل لاحقة من السرد. يشير إلى تعليق سمير سرحان على طلبه بإعادة ندبه للهيئة العامة للكتاب "دوختني سنة هنا وسنة هنا"، ما يحيل إلى أزمة مر بها في عمله بالثقافة الجماهيرية تتكشف في ما بعد. كذلك يستبق بالإشارة إلى دموعه التي تحضر غزيرة عند سماع أغنية فايزة أحمد "يا لولي يا غالي" ويرجئ الكشف عن سر الأغنية والدموع. أيضاً يستبق بالإشارة لقصة أخرى بطلتها مئة جنيه اقترضها سعيد الكفراوي من عبد الرحمن أبو عوف في ليبيا، مرجئاً تفاصيل القصة، بغية الإمساك بتلابيب القارئ الذي حتماً لن يستطيع الإفلات من قبضة النص؛ ليس نتيجة الحيل الاستباقية وأثرها التشويقي وحسب، ولكن لتدفق السرد الذي ينساب في نعومة كشلال وهي سمة غالبة على أعمال الكاتب. وقد وجدها هو نفسه في كتابات يوسف إدريس التي كانت سبباً في توقف عبد المجيد عاماً كاملاً عن الكتابة، وفسر له إدريس ذلك حين التقاه مدللاً بتوقفه المشابه بعد أن قرأ لتشيخوف وإدغار آلان بو.

حكايات وقضايا

عاصر عبد المجيد تحولات وأحداثاً سياسية بارزة منذ فترة حكم الرئيس عبد الناصر وحتى الآن، وكانت هذه الأحداث التاريخية حاضرة دائماً في خلفية السرد بينما تصدر المشهد؛ أثرها على الكاتب نفسه وعلى غيره من النخبة المثقفة. وعلى الرغم من الحضور الكبير للطرفة والنزوع إلى الفكاهة والتندر؛ كانت الأحداث تحمل في طياتها قضايا تدفع للتأمل والتفكر العفوي. فلا شك أن الكاتب حين استعاد ما مر به من محطات في ستينيات القرن الماضي وقيامه بتدريس اللغة العربية والرياضيات لطلبة مركز التدريب بالترسانة البحرية بعد حصوله على "دبلوم صنايع"؛ إنما أثار ضمناً قضية جودة التعليم والمسافة الشاسعة بين خريجي التعليم الفني الآن والذين لا يعرف بعضهم القراءة والكتابة؛ وخريجي المدارس الفنية المتوسطة في تلك الحقبة. وباستدعائه الأخبار التي بثتها الإذاعة فور نكسة 1967 طرح قضية المصداقية وقدرة الإعلام على تضليل الجماهير، وأكد الفكرة نفسها حين تطرق لاجتماعات الأدباء مع الرئيس السابق حسني مبارك، وكيف كان التلفزيون يجتزئ من اللقاء ما يجعلهم يبدون في صورة نفعية ساذجة.

وحين تطرق لمن زاملهم في منظمة الشباب من شيوعيين وناصريين وليبراليين، والذين رغم اختلافاتهم لم يضمر أحدهم شراً بأحد؛ كان يمرر رؤيته بأهمية التنوع الثقافي والأيديولوجي، والاختلاف الصحي الذي اندثر وحل محله التخوين والاقتتال. وأبرز مشكلات أخرى كغياب السينما الجيدة وتراجع القوة الناعمة مع انهيار هذا الفن ورواج أفلام المقاولات. كذلك رصد عبد المجيد حالة الفساد في الوسط الثقافي ومحاربة بعض أدباء جيل الستينيات لمن جاءوا بعدهم بصورة تجاوزت حد التضييق إلى "قطع الأرزاق". وكان ذلك سر ألمه الخاص رغم كفاحه، كي ينأى عن تذكر ذلك الألم ومن صنعوه. وفي المقابل أبرز دور بهاء طاهر - وهو محسوب أيضاً على جيل الستينيات - في إتاحة نافذة عبر "البرنامج الثاني" الإذاعي لشباب الكتاب في ذلك الوقت. ولم يكتف بطرح أو تفجير القضايا عبر حكيه لمواقف عاشها خلال مساره الأدبي، لكنه رصد بعض المواقف السياسية للأدباء لا سيما موقفهم من الرئيس أنور السادات في أشد الفترات حساسية من تاريخ الوطن، والأثمان التي دفعوها في المقابل، وأبرز نتائج أو تداعيات قبضة الأمن على المواقع الثقافية. وقد استخدم دهاءه لتمرير بعض مواقفه السياسية بلا رمز ولا مباشرة، وإنما من خلال سرد أحداث بعينها، في شكل مجرد يعبر عن موقفه تجاه الأنظمة السابقة، وربما يشكل لدى القارئ موقفاً مماثلاً.

مواقف نقدية

ولعل من أبرز القضايا التي أثارها عبد المجيد في سرده؛ قضية المنع أو مصادرة الإبداع تحت وطأة هجوم بعض الأصوات من المؤسسات والجمعيات الدينية، لا سيما بعد اكتشافه طريقة تفكير واحد من الشيوخ الضالعين في تكفير بعض المبدعين، أثناء لقاء جمعهما في أحد البرامج التلفزيونية "كنا نناقش في البرنامج مسألة البوي فريند والزواج في أوروبا وأميركا. أهم ما جرى أني لاحظت أن مع ذلك الشيخ مسدساً صغيراً يخرجه وقت الراحة ويمسحه ويضعه في جيبه. كنت مندهشاً بدخوله به في مدينة الإعلام. سألته: "لماذا تحمل المسدس معك هنا؟" قال "لا أحد يضمن الأحوال... قد يسيطر المسيحيون على الحكم ونحن هنا". هكذا قال لي والله، وأدركت إلى أي مستنقع وصلنا" صـ 57.

لم تكن سيرة الكاتب وتلك الوقائع والحقائق التي ساقها عبر السرد؛ نافذة تضيء ذاته وتكشف مكنونها وأسرارها فقط، وإنما كانت تطل كذلك على جوانب مجهولة من حياة رموز الوسط الثقافي مثل "أمل دنقل، وسعيد الكفراوي، وخيري شلبي، ومحمد كشيك، ومحمود درويش"، وغيرهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعبر هذه النافذة قام عبد المجيد بمراجعة بعض المعلومات المغلوطة والشائعة على وسائل التواصل الاجتماعي حول نجيب سرور، فنفى ما يتم تداوله من تعرضه للتعذيب لدى أحد الأجهزة الأمنية، ومن إنجابه من الفنانة سميرة محسن. ونفى أيضاً ما يتردد بشأن اعتقاله بمستشفى الأمراض العقلية أو سيره في الشوارع عارياً، وأتاح في المقابل حقائق قد تغيب عن كثيرين بشأن عدم تواؤم سرور مع النظام السياسي وتوجسه الدائم ووفاته التي كانت نتيجة الإفراط في الشراب.

قرر عبد المجيد أن يحاكي ذاكرته بطريقة معاكسة، فبينما تستعيد هي الماضي، ينتج هو لحظته الراهنة، ويزج بها فتتخلل جولات التذكر. وكما اختار أن يبرز الجميل من الماضي، صنع في حاضره جمالاً من موسيقى اعتاد أن يلون بها وقته الذي يقضيه في كتابة فصول سيرته، ومرر عبر هذا الحاضر حمولات معرفية جدلها بنعومة فائقة. لكن المفارقة أنها حتى اللحظة الراهنة؛ عبرت إليه من زمن بعيد، فكل موسيقاه كانت لبيتهوفن، ريمسكي كورساكوف، إلكساندر برودين، ريتشارد فاغنر، سيد درويش، وكلها غذت وعمقت الحنين إلى الماضي، إلى تلك الأيام الحلوة فقط.

المزيد من ثقافة