Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما روج ستالين دعاية كاذبة عن نفسه تخالف حقيقته

رواية فيكتور إيروفيف تكشف خفايا الأسطورة السوفياتية بالوقائع والتخييل

ستالين الحاكم السوفياتي (غيتي)

مزيج من التاريخ والسيرة الذاتية ينسجه الكاتب الروسي فيكتور فلاديميروفيتش إيروفيف في روايته "ستالين الطيب" الصادرة عن منشورات كيكا، والتي ترجمها خالد الجبيلي عن الإنجليزية مع مقدمة للكاتب حازم صاغية، تتطرق فيها الى شخصية ستالين ومساره.

وكما يشي عنوان الرواية فهي تحمل بين دفتيها صورة مسالمة عن أسطورة الشيوعية الروسية ستالين، الذي نجح كما لم ينجح أحد في ترويج دعاية كاذبة عن نفسه تخالف حقيقته المتعطشة للقتل والدماء؛ ما جعل الروس أنفسهم يبكونه وقتاً ثم يلعنونه إلى الأبد.

كذلك رصد الكاتب تحول موقف الكثير من الشعب الروسي؛ من الطفولة إلى النضج ومن حب ستالين الأب إلى اتهامه بالفاشية والوحشية والقمع. وخلاف الخط التاريخي للسرد - الذي يتناول أحداثاً كبيرة وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، وحتى قرب انهيار الشيوعية، وسقوط الاتحاد السوفياتي - يمضي الكاتب في خطٍ موازٍ؛ سارداً جانباً من سيرته الذاتية وكثيراً من سيرة أبيه فلاديمير إيروفيف.

ورغم تطابق الكثير من الأحداث والشخوص مع الواقع، أصر الكاتب مراراً على التأكيد على إعمال خياله في نسج الأحداث، فيقول في مستهل النص: "جميع الشخصيات في هذا الكتاب من وحي الخيال بما في ذلك الشخصيات التاريخية وحتى المؤلف نفسه"، ثم عاد ليمرر الفكرة ذاتها – ضمناً - مرة ثانية عبر اعترافه بنسج الأكاذيب. "لا أستطيع تذكر متى تعلمت أن أكذب أول مرة. أظن أنني ولدتُ هكذا. كنتُ أحب أن أسمع دوي العالم بسبب مخيلتي" (ص211).

ومرة ثالثة في اعتراف جديد باختراع سير ذاتية مبالغ فيها عن كتّاب كنديين في عملٍ أكاديمي، نوقش في معهد الأدب العالمي في موسكو، وكأنه يرغب في أن يقول لقارئه إياك أن تصدق كل شيء، وربما... إياك أن تصدق أنني أكذب!

تبدأ أحداث الرواية في عام 1979 حينما قام فيكتور إيروفيف ومعه كتاب آخرون بنشر تقويم سري معادٍ للاتحاد السوفياتي "ميتروبول" يعادل حجمه حجم كتاب من 700 صفحة، ليثير هذا المجلد أزمة سياسية كبرى تتصاعد حدتها بوصول ذلك التقويم إلى الولايات المتحدة الأميركية والغرب أثناء احتدام الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وعلى إثر عملية النشر يُطرَد فيكتور ورفقاؤه من اتحاد الكتاب ويتعرضون للاضطهاد والتضييق لسنوات عدة ويُقال فلاديمير إيروفيف من منصبه الدبلوماسي.

الشخصية المحورية

ولأن مثل هذا الحدث يطرح أسئلة بشأن موقف "فيكتور" - الشخصية المحورية في النص والسارد للسيرة الذاتية - المعادي للدولة السوفياتية والحزب الشيوعي، على الرغم من أنه ابن أحد الأعضاء البارزين في الحزب؛ يعود الراوي عبر تقنية الاسترجاع "الفلاش باك" إلى طفولته، مفسراً ذلك الموقف من خلال استدعاء بداياته ونشأته التي شكّلته على غير ما أراد الأب والحزب.

ولم يكتف بالغوص في الزمن ليصل إلى نشأته في فرنسا وحسب، بل توغل أبعد من ذلك، فبلغ مرحلة شباب أبيه وظروف عمله في الكرملين كمترجم شخصي لستالين للغة الفرنسية. وعبر هذا الاسترجاع استدعى مواقف إيجابية لرئيس الاتحاد السوفياتي حتى عام 1953 "ستالين" مع أبيه رسخت إيمانه الستاليني، وحالت بينه وبين بلوغ المرحلة ذاتها من الكفر والكراهية التي بلغها فيكتور وأمه والكثير من الشعب الروسي، لا سيما بعد تنديد نيكيتا خروتشوف في مؤتمر الحزب العشرين بذاك الستالين وبجرائمه وغروره: "اكتشفت أن أمي بكت في ذلك اليوم مع صديقاتها وأصدقائها الذين كانوا يعملون معاً في وزارة خارجية الاتحاد السوفياتي... أمي: إني نادمة لأنني بكيتُ لأن ستالين كان وحشاً" (ص19).

تتدفق الأحداث في نسق أفقي لينتهي الكاتب بما بدأ به، مبرزاً تداعيات نشر التقويم وما ترتب عليه من قتل الأب "سياسياً"، مستدعياً النظرية الفرويدية حول علاقة الأبناء بالآباء، وفكرة قتل الأب التي يتبعها شعورٌ عميقٌ بالذنب. هذا الشعور تجلى طيلة مسيرة السرد، لا سيما بعد تضحية فلاديمير "الأب" ودعمه موقف ابنه الرافض لكتابة رسالة استتابة موجهة للحزب، لنشرها في الجريدة الرسمية، كيلا يصبح الناتج من الأزمة جثتين لا جثة واحدة.

كان هناك مستوى آخر من نظرية فرويد حول فكرة قتل الأب، بدا في موقف الشعب الروسي من ستالين - الذي لطالما تم الترويج له باعتباره "أبا الشعب" - إذ تحول من موقف الممتن إلى الناقم، واصماً إياه بالوحشية والديكتاتورية وسفك الدماء.

التمرد المعاكس

ومثلما أبرز الكاتب في استرجاعه للماضي؛ الصورة المشرقة التي دفعت الأب للإيمان بستالين أبرز في المقابل المقدمات التي أدت به هو نفسه إلى التمرد والنقمة على الشيوعية الروسية، والانحياز إلى الليبرالية الغربية منتهياً بنشر "الميتروبول". فبدا في كل زاوية من النص ما يشبه المقارنات بين المجتمع الروسي والمجتمع الفرنسي في كل المناحي بداية من الأيديولوجية السياسية "الشيوعية - الليبرالية" ووصولاً للأزياء والطعام والنبيذ. وكانت النتيجة عادة في صالح الجانب الغربي، ففي الوقت الذي كانت الشيوعية ترسخ الفقر، القمع، الديكتاتورية والموت؛ كانت فرنسا - التي اعتبرها الكاتب وطنه الثاني - نموذجاً للحرية والبهجة والحياة. ومن خلال الثنائيات المتناقضة تمكن من أن يذكي روح الصراع مجسداً بصدق ما شهده الواقع في تلك الحقبة التاريخية.

وتوافقاً مع ما استدعاه من المنهج الفرويدي في تحليل النفس وما تجلى من شعور بالذنب تجاه الأسرة والأب؛ لجأ الكاتب إلى إبراز الحيل النفسية التي ترافق عادة مثل هذا الشعور؛ ومنها التبرير على سبيل المثال. فالأب مسؤول بطريقة أو بأخرى عن المنهج المغاير الذي اعتنقه ابنه، إذ منحه منذ طفولته الفرصة كاملة لأن يرى العالم، وأيضاً لأنه تأثر قبله وأمه بالمجتمع الفرنسي وتماها كلاهما مع أسلوب الفرنسيين في الحياة ما يمكن اعتباره خيانة منهما لمواقفهما السوفياتية.        

ولأن النص يُصنَف ضمن رواية السيرة الذاتية؛ اعتمد الكاتب أسلوب السرد الذاتي وسمح لبعض الأصوات الأخرى بتولي مهمة السرد أحياناً عبر الرسائل، وأحياناً أخرى بشكل مباشر داخل البناء الروائي. وساعد كل ذلك، إضافة إلى ما ورد عبر النسيج من حقائق تاريخية؛ على إضفاء صبغة من الصدقية إلى حد ينصهر فيه المتخيل مع الواقعي في وحدة واحدة، لا يشوبها إلا تذكير الكاتب ضمناً وتصريحاً أن من الأحداث والشخوص ما ولد من رحم الخيال.

عايش الراوي أحداثاً تاريخية كبيرة وكان قريباً - بحكم نشأته وأسرته - من الحزب الشيوعي السوفياتي، وقد أتاح له ذلك تمرير حمولات معرفية غزيرة حول الأحداث والتحولات السياسية التي شهدتها السياسة الروسية والتي تخطت المحلية إلى العالمية خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها. كما رصد آثارها وتداعياتها، لا سيما خلال فترة الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي، فضلاً عن إبرازه لمفاهيم أيديولوجية متنوعة كالشيوعية، الليبرالية، الماوية، الطوباوية، البلاشفة، التروتسكية واستدعائه شخوصاً سياسية لعبت دوراً مفصلياً في رسم وجه روسيا والعالم خلال القرن العشرين مثل ستالين، تروتسكي، مولوتوف وغيرهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قد لا يعتمد الكتّاب في الغرب الأسلوب الرمزي بغرض تجاوز سقف محدود من الحرية، فلا سقف لديهم ولا تقييد، وإن كان السقف لا يزال يخرّ فوق رؤوس الكتّاب في كل الدول الشمولية، لا سيما في روسيا حتى وقت قريب. لكنهم يلجأون إلى الرمز أحياناً لتدعيم الفكرة وإضفاء بعض الجماليات على السرد.

وقد تخلل الرمزُ النسيجَ الروائي في غير موضع بهدف تمرير فلسفات بعينها. فحين يقول الراوي: "عندما يبدأ الظلام يهبط، تغلق أمي الكتاب" (ص152)، وهو إنما يرمز للعلاقة بين الحرية والثقافة التي عادة ما تحتضر في مناخات القمع، كذلك يرمز حلمه أنه وأباه يتشاركان العشيقة نفسها، وخسارته، إلى شعوره بالذنب نتيجة ما قام به من قتل أبيه سياسياً.

وربما أراد الكاتب عبر نفيه اتهاماً وجه إليه ورفقائه الكتّاب الذين قاموا بنشر التقويم عام 1979؛ بأنهم يهدفون لكسب تأييد الغرب من أجل الهجرة إليه. ربما أراد دحض اتهام جديد ما زال يوجه إليه بالافتعال لتسويق نفسه وأعماله في الغرب.  

ورغم أن النص لم يُنقل من لغته الأصلية "الروسية" مباشرة وإنما نقل عن ترجمته الإنجليزية، وعلى رغم هذه المراحل التي مر بها حتى بلغ نسخته العربية، فقد بدا في ترجمته اعتناء شديد بنقل الدلالات الثقافية ذاتها للغة الأم، كما تجلت محاولات الحفاظ على السمات الجمالية للنص الأصلي؛ ما يمكن اعتباره إبداعاً بذاته، أتاح للكاتب إمكانية السرد بلغة أخرى من دون أن يفقد هويته.

المزيد من ثقافة