Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التعديل الوراثي يصنع آفاق المستقبل في الغذاء

بواسطة التحكّم في تركيبة الجينات في الأطعمة، يصبح مستطاعاً زراعة محاصيل أساسيّة تتطلب مياهاً وفيرة، في أراضٍ قليلة المياه

من حق البشر الحصول على طعام مُغَذّ، فهل تستطيع علوم الجينات مساندة حقوقهم (أ.ب.)

في الأسبوع الماضي، كتبتُ عن الأداة الجديدة الثوريّة التي تستطيع تعديل تركيبة الحمض النووي الوراثي بدقّة عالية، وتسمّى "كريسبر" CRIPR. تشبه "كريسبر" إلى حدّ ما برامج الكومبيوتر التي تتولى تحرير النصوص Text Editing وتعديلها، بل من الممكن تشبيه ما تفعله في تركيبة الجينات في الحمض الوراثي، بما يفعله برنامج مُعالِج النص المكتوب في الكومبيوتر. لذا، من المستطاع تسميّة "كريسبر" بأنها "مُعالج نصوص بيولوجيّة"! لنتذكر طريقة عملها بسرعة. أنها بمجرد وصولها إلى الحمض النووي لأي كائن حيّ، تفتش فيه عن تركيبة جينيّة معينة، بالأحرى تسلسل جيني محدد، وتركّز عليه. ألا يذكر ذلك باستخدامنا برنامج "مُعالجْ النص" كي نصل إلى كلمة معيّنة في نص مكتوب، بمجرد الضغط على زرّين في لوحة  المفاتيح   Ctrl + F؟ بعد أن تعثر على الجين أو الجينات المطلوبة، تستطيع "قصّها" أو تعديلها عبر إضافة تراكيب جينيّة معيّنة إليها أو إزالة تسلسلات جينيّة محددة منها، فكأنها صحافي يحرّر نصاً ويغيّر تركيبة جملة معينة فيه.

ثمة دور يتوقّع أن تؤدّيه عملية تعديل الجينات بواسطة أداة "كريسبر" في الغذاء والأطعمة، لا يفوقه في الأهمية سوى دور تلك العملية في الرعاية الصحيّة. وعلى الرغم من أن المحاصيل المُعدّلة وراثيّاّ موجودة منذ فترة طويلة، إلا أن عملية التعديل الوراثي طويلة وصعبة ومكلفة ولا يمكن التنبؤ بنتائجها. وكذلك تسببت عدم القدرة على التنبؤ في احتجاج اجتماعي، وهو أمر غير مبرّر في رأيي، ومع ذلك، فقد جرى وَصْمُ تقنيات التعديل الوراثي في المحاصيل إلى درجة أنها باتت محظورة ثقافيّاً. في المقابل، أرى أن تعديل الجينات هو عملية طبيعية، بمعنى أنها مستعارة من الطبيعة، ودقيقة للغاية ويجب دعمها واعتمادها في الزراعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وحاضراً، تملك بلاد صحراويّة مثل السعوديّة فرصة رائعة لزراعة الذُرَة أو الخضروات المُدعّمة بمواد مغذيّة، من دون الخشية من تأثيرات الجفاف.

ثمة حفنة من الأطعمة المُعدّلة جينيّاً (بمعنى أن تركيبها الوراثي جرى تعديله بواسطة أداة "كريسبر") موجودة في السوق فعليّاً. يفيد المشرعون الفيدراليّون الأميركيّون أن تلك الأطعمة لا تحتاج إلى تشريعات صارمة وسنوات من الاختبارات التي عادة ما تُطبق على الكائنات التي جرى تغيير تركيبتها الوراثيّة بأساليب اخرى غير التعديل الجيني الدقيق. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الأطعمة المُعدّلة جينياً بدقة (بواسطة "كريسبر")، لا تحتوي على تركيب وراثي غريب عنها، بمعنى أنها لا تحتوي أجزاء من حمض نووي وراثي منتمٍ إلى الفيروسات أو البكتيريا التي عادة ما تُستَعمَل في عمليات استيلاد الكائنات المُعدّلة وراثيّاً. وحاضراً، تستعد اليابان للسير على خطى الولايات المتحدة. قبل حوالي شهر، سمحت اليابان بيع المواد الغذائيّة التي عُدّلَت جيناتها بدقة، من دون إجراء تقييمات للسلامة، استناداً إلى أن التقنيّات المستخدمة في التعديل الجيني بواسطة "كريسبرر"، تستوفي المعايير المعتمدة.

وحاضراً، أتاحت تقنيات التعديل الدقيق للجينات استيلاد نوع جديد من الطماطم عُدّلت تركيبته بطريقة تُمَكّن ذلك النبات من انتاج ضعفي العدد الطبيعي من الفروع، ما يعني مضاعفة كمية ما ينتجه من الطماطم. وتستطيع تلك التقنية استيلاد نباتات لا تكتفي بإنتاج محاصيل أكثر وفرة، بل تكون أعلى في القيمة الغذائيّة أيضاً، وأكثر قدرة على مقاومة للجفاف والآفات. واستطراداً، تساعد تلك السمات في استيلاد محاصيل تستطيع تحمّل أنماط متطرّفة من الطقس، وهو ما يتوقع أن يكون حال المناخ في السنوات القادمة.

وكذلك بات الأشخاص الذين لديهم حساسية تجاه مادة الـ"غلوتين"، الاستمتاع بنوع جديد من القمح يتميّز بانخفاض محتواه من تلك المادة. ومن المستطاع أيضاً تقليل استعمال المبيدات بشكل كبير، عبر تعديل الجينات لإنتاج محاصيل مقاوِمَة للآفات. وتساند شركة "مارس" الصانعة الشهيرة للشوكولاتة، الجهود المبذولة لتعزيز قدرة نبتة الكاكاو على مكافحة فيروس يدمّر ذلك المحصول في غرب أفريقيا. وعلى نحو مُشابِه، جرى التوصل إلى إنتاج زيوت نباتيّة تحتوي على دهون أكثر فائدة للصحة، وباتت متوفّرة في الأسواق. واستُخدِمَتْ تقنية تعديل الجينات في استيلاد نوعين جديدين من التبغ، ونوعٍ من بذور العنب وآخر من القطن، وفي الشعير. وعادت جهود تعديل الجينات بالفائدة الأكبر والأكثر على نبتة الرز، إذ قلّلت ما تحتويه من مادة الـ"أميلوز"، فازدادت غلّة ذلك المحصول بل حتّى تغيّر لونه!

مع ذلك، لا تسود قناعة لدى الجميع بأن تعديل الجينات يمثّل تطوّراً للطرق التقليديّة في استيلاد المحاصيل. إذ يُدخِل تعديل الجينات تغييرات دائمة في جينوم النباتات التي يُطبّق عليها، وكذلك تنتقل تلك التغييرات إلى البذور، فتنتقل تالياً إلى الأجيال التالية. ويدور نقاش حول كيفية تنظيم التعديل الجيني، بل توصيفه أيضاً. لسوء الحظ، قضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في العام الماضي بأن المحاصيل المُعدّلة جينيّاً يجب أن تمر بنفس عملية الموافقة المُطَوّلَة المطبّقة على النباتات المُعدّلة وراثيّاً بطرق تقليديّة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، لن يُحسم النجاح النهائي لتقنية تعديل الجينات في الزراعة، بأيدي العلماء أو المستثمرين أو نشطاء البيئة، بل أن ذلك يعتمد على المتسوّقين والمزارعين. ويحصل المزارعون على بذورهم من شركات البذور. ينبغي على الحكومات الحسنة  الدراية بآليّة التعديل الجيني بأداة "كريسبر" أن تشجع اعتماد ذلك الاكتشاف العلمي من قبل الشركات الكبيرة المتعدّدة الجنسيّات التي تبيع البذور للمزارعين. وببطء لكن بثبات، تتجه شركات انتاج البذور المُعدّلة جينيّاً إلى تبني أداة "كريسبر" كآليّة للتعديل الجيني في المحاصيل التجاريّة المُعدّة كي تُصبِحْ من مكوّنات الغذاء المشتقّة من الذرة والقمح والكتان والكانولا.

ثمة خطر حقيقي من أن هذه التكنولوجيا المذهلة قد لا تنطلق بسبب الأفكار المُسبَقَة في المعرفة والإجراءات التأكيديّة، وهي أمور تشكّل جزءاً من من طبيعتنا البشريّة، لكن يجب التغلّب عليها.

المزيد من آراء