Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لافروف يطالب بالحوار لحل المشاكل القائمة مع الاتحاد الأوروبي

ألكسندر رار يرى أن نجاحه مرتبط بتغيير النخب الموجودة لدى الجانبين

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

ما بين التهديد بالمزيد من العقوبات من جانب، وبالرد الحاسم وقطع العلاقات من جانب آخر، تتصاعد وتيرة الأزمة وحدة الخلافات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. وتقول موسكو إن الأزمة والمشكلات القائمة ليست وليدة اليوم بل يعود تاريخها إلى سنوات طويلة مضت. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إنها تستمد بداياتها من لحظات اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014، أي منذ تاريخ الانقلاب ضد السلطة الشرعية والإطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، تحت رعاية وبمباركة من جانب بلدان الاتحاد الأوروبي، بحسب تعبير لافروف. 

وأعاد عميد الدبلوماسية الروسية إلى الأذهان ملابسات توقيع الاتفاق في فبراير (شباط) عام 2014 بين المعارضة الأوكرانية والرئيس الأسبق يانوكوفيتش حول التهدئة وإنهاء المظاهرات والاعتصامات والإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة، تحت رعاية وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا. وذلك هو الاتفاق الذي لم تلتزم به المعارضة، ونقضته قبل أن يجف مداده كما يقال، ما يعتبر إهانة من جانب المعارضة الأوكرانية لكلمة البلدان الأوروبية التي وقعت إلى جوارها في الاتفاق مع الرئيس الأوكراني الأسبق. وتمضي الأحداث لتسجل تصاعد الأزمة التي بلغت حد الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، واندلاع المعارك القتالية في جنوب شرقي أوكرانيا، وإعلان منطقة الدونباس عن انفصالها، فيما جنحت شبه جزيرة القرم إلى إجراء استفتاء شعبي حول الانفصال والانضمام إلى روسيا، ما كان في مقدمة أسباب إعلان بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبلدان أخرى عن عقوباتها ضد روسيا.

وها هي أزمة جديدة تصب المزيد من الزيت في أتون نيران الخلافات بين الجانبين، في توقيت مواكب لتصاعد وتيرتها بين روسيا وألمانيا وعدد من بلدان الاتحاد الأوروبي بسبب حادث "تسمم" الناشط السياسي والمدون أليكسي نافالني، كما تسميه الأوساط الرسمية في روسيا، فضلاً عن الموقف من التظاهرات التي شهدتها موسكو وعدد من المدن الروسية خلال الأسابيع القليلة الماضية احتجاجاً على اعتقاله بعد عودته من ألمانيا، لتزيد عناصر الخلافات كماً وكيفاً رغم الاعتراف بأن هناك كثيراً من المتظاهرين ممن انضموا إلى هذه الاحتجاجات لأسباب أخرى غير التي ترتبط بنافالني وشعاراته. 

وهكذا فمن مشاكل الاستقرار الاستراتيجي، وتزايد حدة الأزمة الأوكرانية بعد انفصال جنوب شرقي أوكرانيا وضياع شبه جزيرة القرم، تأتي أزمة "تسمم" نافالني التي يبدو الاتحاد الأوروبي على يقين من أنها "محاولة تسميم" باستخدام غازات محرمة دولياً، لتضيف بعداً آخر للخلافات بين الجانبين لم يستطع احتواءه جوزيب بوريل مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، أو الحد من وتيرته في أول زيارة رسمية قام بها إلى موسكو خلال الأسبوع الماضي. 

ورغماً عما أعلنته موسكو من استعداد للتعاون في التحقيقات حول هذه الأزمة، وقبل ذلك عن موافقتها على سفر نافالني إلى ألمانيا للعلاج، تتخذ ألمانيا من هذه المشكلة موقفاً متشدداً بلغ حد التلويح بالمزيد من العقوبات في موقف تضامني مع بلدان الاتحاد الأوروبي حول هذا الشأن. وقال لافروف، إن ألمانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي تراهن اليوم على نافالني وتقف وراء إرساله إلى روسيا، رغم يقينها من أنه سوف يتعرض للمحاكمة في قضايا سبق وتورط في القيام بها. وذلك ما دفع موسكو إلى الرد بإعلانها عن استعدادها لقطع العلاقات مع بلدان الاتحاد الأوروبي، غير آبهة بأي عقوبات يمكن أن تتخذها هذه البلدان، وإن ربط لافروف ما قاله حول هذه التهديدات، بأن موقف موسكو منها يتوقف على ما يمكن أن تتخذه بروكسل من قرارات. وأضاف "مستعدون لذلك، إذا رأينا مرة أخرى، كما كان قد حصل مراراً، أن عقوبات تفرض في مجالات محددة تشكل خطراً على اقتصادنا وبخاصة قطاعاته الأكثر حساسية". وأكد الوزير الروسي "ضرورة أن تكون موسكو مستعدة لهذه الخطوة، على الرغم من عدم رغبتها في الاعتزال عن حياة العالم"، وكرر القول الروسي المأثور "إذا أردت السلم، فاستعد للحرب"، وهو موقف يبدو أنه متفق عليه بين كل من الأقطاب الروسية الثلاثة بوتين ووزيري خارجيته لافروف، ودفاعه سيرغي شويجو.

وثمة ما يشير إلى أن موسكو تدرك المدى الذي يمكن أن تصل إليه وحدة مواقف بلدان الاتحاد الأوروبي. وكان لافروف كشف عن ذلك في مباحثاته مع بوريل حين قال له، إن هناك عدة دول أوروبية لا توافق على العقوبات، لكنها تبرر انضمامها إلى العقوبات بالتزامها تجاه حتمية قبول مبدأ الإجماع الذي تعزو إليه موقفها، وهو ما سخر منه بقوله، إن ذلك مردود عليه بأن الرفض كان يمكن أن يكون بديلاً يدفع إلى الإجماع حول عدم تمرير إقرار العقوبات. ومضى ليؤكد أن هناك فرقاً بين أوروبا والاتحاد الأوروبي، وهو ما فسره بقوله، إن روسيا دولة أوروبية، ولم تذهب بعيداً عن أوروبا، وأنها تنوي الاستمرار في التعاون المتبادل المنفعة مع أصدقائها وشركائها في الرأي بين الدول الأوروبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت ألمانيا سارعت بالتلويح باستعدادها للنظر في فرض عقوبات جديدة ضد روسيا، حيث أعلن شتيفان زايبرت المتحدث الرسمي باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أن الحكومة الألمانية لا تستبعد فرض عقوبات جديدة ضد روسيا رداً على سجن نافالني. ونقلت وكالة "رويتر" عن زايبرت قوله، إن ألمانيا ستناقش مع شركائها الأوروبيين ما يمكن أن يتخذوه من خطوات. وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي دعت موسكو إلى الإفراج الفوري عن نافالني. ويذكر المراقبون أن البرلمان الأوروبي كان اتخذ في 21 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي وبإجماع 581 مقابل 50 من أعضائه قراراً بوقف العمل بمشروع بناء "التيار الشمالي -2"، إضافة إلى ما كان أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام من قرارات حول ضم عدد من كبار رموز القيادة الروسية من القريبين من الرئيس بوتين إلى قائمة العقوبات، ومنهم ألكسندر بورتنيكوف رئيس جهاز المخابرات وسيرغي كيريينكو النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين وغيره كثير. وتنص هذه العقوبات على منع دخول هؤلاء المسؤولين أراضي بلدان الاتحاد الأوروبي أو عبورها إضافة إلى تجميد حساباتهم وحظر التعامل معهم بأي شكل من الأشكال. 

وكانت مطبوعة "USA Today" الأميركية نقلت عن فلاديمير أشوركوف المدير التنفيذي لصندوق مكافحة الفساد الذي يترأسه أليكسي نافالني وأحد الرموز الثلاثة الكبار في صفوف المعارضة أن صندوق مكافحة الفساد توجه إلى الرئيس الأميركي جو بايدن بخطاب طالب فيه بفرض العقوبات ضد عدد من السياسيين ورجال الأعمال الروس. كما أعلن أشوركوف في حديثه إلى قناة "سي أن أن" الأميركية أنه توجه بطلبات مماثلة إلى كل من بريطانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي لإنزال العقاب بكل من شارك في تزوير الانتخابات وتورط في السرقات وفي جريمة "تسميم" نافالني. وكشف عن أن القائمة الجديدة تضم رجال أعمال ومنهم الملياردير رومان أبراموفيتش مالك نادي تشيلسي، وميخائيل روماشكو وزير الصحة، وفلاديمير سولوفيوف المنتج والصحافي المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الكرملين. 

ومن جانبه ورداً على كل هذه الخطوات والقرارات أعلن لافروف عن دهشته إزاء أولئك الذين "يتشدقون" بمكافحة الفساد ويتناسون أن نافالني رئيس صندوق مكافحة الفساد الذي يدافع الغرب عنه في إطار حملة كاملة العدد سبق وصدر بحقه حكم قضائي بسبب تورطه في جرائم احتيال وفساد ضد شركة "إيف روشيه" الفرنسية، على حد تعبيره. وفي هذا الصدد قال لافروف، إن الغرب يواصل الحديث عن حقوق الإنسان، وهو ما ترد عليه روسيا بقولها، إنها لم توقع أي وثائق تنص على حماية "حقوق إنسان يخدع وينصب على شركة تابعة لإحدى بلدان الاتحاد الأوروبي". وفيما عاد لافروف واحتفظ لبلاده بحق الرد واتخاذ ما تراه من عقوبات، قال إن روسيا على استعداد للحوار والتعاون للتوصل إلى حلول الوسط المنشودة. 

ونقلت وكالة أنباء "نوفوستي" عن ماريا زاخاروفا المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية تحذيرات موسكو من مغبة الانسياق وراء التهديدات بفرض العقوبات أو "أي خطوة متهورة"، قالت إنها لا بد أن تواجه برد مناسب من جانب روسيا. وأضافت أنه "من غير المقبول إطلاقاً استغلال حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية وجعلها أداة جيوسياسية". 

وفي محاولة لاستيضاح السبل التي يمكن أن تكون طريقاً لاختزال مساحات الخلافات بين الطرفين، نقل موقع "سفوبودنايا بريسا" (الصحافة الحرة) عن ألكسندر رار المعلق السياسي الألماني المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الأوساط الحاكمة في موسكو ما قاله حول، إن الحوار بين الطرفين هو السبيل المناسب، لكن شريطة تغيير النخب الموجودة لدى الجانبين، في روسيا في حال وصلت إلى السلطة قوى ليبرالية ذات ميول قريبة من أوروبا تلتزم بقواعد الديمقراطية الأوروبية، أو في الاتحاد الأوروبي في حال تكون فيه قوى تعلي مصالح الدول الأوروبية، وتقبل نافالني بوصفه سياسياً وشريكاً مفضلاً عن بوتين، يمكن أن يكون تجسيداً للقيم الغربية في روسيا. ومن هنا يمكن تفسير غضب الألمان والأوروبيين من اعتقال نافالني بمجرد عودته إلى روسيا من ألمانيا. وثمة من وصف ذلك بأنه "صفعة على الوجه"، في الوقت الذي يعتبر فيه الجانب الروسي تلك العودة بأنها "خطوة استفزازية مدبرة" تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي"، لا سيما على ضوء ما استبقها من خطوات تمثلت في العديد من المؤتمرات الصحفية وإعداد الشريط الوثائقي "قصر بوتين" بمساعدة ألمانية ومشاركة أميركية.

المزيد من تقارير