Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا نجحت ستيفاني ويليامز وأخفق سابقوها في ليبيا؟

يعتقد مراقبون أن جنسيتها الأميركية أجبرت أطراف النزاع على الاستجابة لخطتها

تسلمت المبعوثة الدولية ستيفاني ويليامز مهامها في ظروف صعبة عسكرياً واقتصادياً داخل ليبيا (أ ف ب)

في مارس (آذار) من العام الماضي، استقال المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة من منصبه، بعدما استنفد كل ما في جعبته من محاولات للتقريب بين الأفرقاء الليبيين، ووضع حل يرضي كل الأطراف المتنازعة فيها على السلطة والثروات، تاركاً تركة ثقيلة ومهمة شبه مستحيلة لمن يخلفه في منصبه.

ولتسيير أعمال البعثة، قررت الأمم المتحدة تعيين نائب رئيس البعثة الأميركية ستيفاني ويليامز مبعوثة دولية بالإنابة مؤقتاً حتى تتفق القوى الدولية المتنازعة على الملف الليبي على اسم مبعوث جديد، يقبل تسلّم المهمة الصعبة، بخاصة أن النزاعات المحلية تختلط مع حسابات الصراع الدولي.

ولم يتوقع أكثر المتفائلين يومها أن تنجح المبعوثة المؤقتة بعد عام واحد في تفكيك عقد المشكلة الليبية واحدة تلو الأخرى، وأن تضع البلاد على مسار الانتخابات العامة وإنهاء النزاع الكبير من جذوره في ظرف زمني قصير.

نجاح ويليامز في حل نزاع معقد مثل الصراع الليبي خلال عام واحد، في وقت أخفق ستة مبعوثين دوليين سبقوها في المحاولة، جعل المراقبين يطرحون عدداً من الأسئلة: أين أفلحت وأين أخفقوا؟ وهل نجاحها مرتبط بعوامل صاحبت عملها وهيأت لها فرص النجاح؟ أم ما تحقق يُحسب لاجتهادها بشكل كامل؟

مهمة مؤقتة وظرف معقد

عندما تسلمت ويليامز مهماتها مبعوثة أممية بالإنابة في ليبيا، كان السؤال الذي يطرح حينها: من يخلف غسان سلامة المبعوث المستقيل؟ وبينما المفاضلة دائرة بين الأسماء المتداولة لتولّي المنصب، كانت المبعوثة الأميركية تجهّز خريطة الطريق الخاص بها، لحلّ الأزمة في وقت قصير، على الرغم من التحديات الكثيرة والمصاعب الجمة التي تسيطر على المشهد الليبي وقتها.

تقلدت ويليامز منصبها في ظروف صعبة، فالمعارك العسكرية في محيط العاصمة طرابلس مستمرة، بعد هدنة بسيطة وهشة تهاوت بسرعة، وانهار معها صبر المبعوث الأممي اللبناني غسان سلامة، ليعلن استقالته من منصبه لأسباب صحية.

وكانت المعركة المحتدمة في غرب ليبيا وقتها قد شهدت تدخل قوى دولية وإقليمية مع طرفي النزاع بشكل غير مسبوق ومعلن أكثر من أي وقت مضى، فكانت تركيا ترسل الجنود والمقاتلين الأجانب والأسلحة بشكل يومي إلى البلاد، دعماً لحكومة الوفاق، والأقمار الصناعية الأميركية تطارد بشكل شبه يومي تحركات القوات الروسية، التي تساند خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني في شرقها، وكان المشهد معقداً وضبابياً بكل ما في الكلمة من معنى.

في ظل هذا المشهد، بدأت الدبلوماسية الأميركية السير وسط حقل الألغام الليبي بخطوات محسوبة، وساعدتها التبدلات السريعة التي حدثت في الموقف العسكري، لتنطلق في محاولة دفع الأطراف إلى طاولة التفاوض، بعدما بدأت هذه الأخيرة تدرك أن الحل العسكري مستحيل لحسم صراعها الدامي.

العمل في مشهد متوازن

يقول الباحث السياسي الليبي مبروك الغزالي، "تسلمت ويليامز دفة القيادة من غسان سلامة لمركب كان على وشك الغرق، لكن الرياح أتت بما تشتهي، وغيرت الموازين بسرعة، عقب انسحاب الجيش من غرب البلاد، ومحاولة قوات الوفاق بدعم تركي ملاحقته داخل قواعده في شرقها، ما دفع مصر إلى التدخل دفاعاً عن أمنها القومي ووضع الخطوط الحمر الشهيرة، محددة العمق الاستراتيجي لأمنها القومي عند سرت والجفرة، ومعتبرة أي محاولة لتجاوز هذا الخط عدواناً على القاهرة".

ويرى الغزالي أن "التدخل المصري في ذلك الوقت خلق توازناً في المعادلة العسكرية، متسبباً في جمود الموقف العسكري لأشهر عدة، وبات واضحاً معه أن الحل العسكري لم يعُد من الممكن أن يحسم الأمور، وأصبحت الظروف مهيّأة لتحريك المسار السياسي والعودة إلى طاولة المفاوضات، بحثاً عن بدائل سلمية".

ويتابع، "استغلت ويليامز الفرصة بسرعة، خصوصاً أنها كانت تملك خريطة طريق جاهزة للعمل عليها، تعرف كل تفاصيلها، كونها أسهمت في إعدادها مع غسان سلامة حين كانت نائباً له في منصبه. هذه الخريطة كانت تعتمد على المسارات الثلاثة للحوار، التي اتُفق عليها في مؤتمر برلين: المسار السياسي والعسكري والاقتصادي".

صمت السلاح

أطلقت البعثة الأممية من جديد المفاوضات بالمسارات الثلاثة في ظروف مهيأة أكثر للنجاح، بعد صمت السلاح في جبهات القتال، وكانت الخطوة الأولى التي عملت عليها ويليامز هي تثبيت الهدنة العسكرية التي بدت هشة، مع محاولات عدة لمخالفتها من طرفي النزاع، ونجحت في تحقيق هدفها هذا بالتوقيع على اتفاق تاريخي في أكتوبر (تشرين الأول) في جنيف، لوقف دائم لإطلاق النار، ما شكّل قاعدة صلبة للمفاوضات السياسية التي انطلقت بعده.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الخطوة الثانية التي مثّلت رافداً كبيراً لجهود ويليامز لحل الأزمة سلمياً، فكانت اقتصادية، إذ وافقت قبائل موالية للجيش الوطني، شرق ليبيا، على فتح موانئ النفط وإعادة تصديره بعد توقف دام أشهراً، ما أنعش اقتصاد البلاد الذي كان على حافة الانهيار، ومثّل بادرة جديدة قرّبت الهوة بين أطراف الأزمة في بنغازي وطرابلس.

وتوالت بعد هذه البوادر الإيجابية النجاحات التي بدأت المبعوثة المؤقتة تحقيقها، وحصدت ليبيا ثمارها بتوقيع أكثر من اتفاق مهم، انطلاقاً من اتفاق تقاسم المناصب السيادية في بوزنيقة المغربية بين مجلسي النواب والدولة، ونجاح لجان الحوار السياسي بعد مفاوضات معقدة في تحديد موعد للانتخابات العامة في البلاد نهاية العام الحالي، قبل أن تحقق إنجازاً تاريخياً بتشكيل السلطات التنفيذية، التي ستشرف على الإعداد لها في الخامس من يناير (كانون الثاني) الماضي، في مجمع انتخابي توافقي في جنيف.

سطوة الجنسية

ويعتقد الصحافي الليبي محمد الصريط أن هناك عاملاً مهماً لم يتطرق إليه كثيرون أسهم في نجاح ويليامز، موضحاً أن "الجنسية التي تحملها المبعوثة الأممية لعبت دوراً كبيراً في استجابة الأطراف الليبية لمساعيها، عكس ما فعلوا مع سابقيها" ومعتبراً أن "اختيار ويليامز التي تحمل الجنسية الأميركية للمهمة في تلك الفترة الصعبة من عمر الأزمة لم يكن مصادفة".

ويدلل الصريط على كلامه قائلاً، "صاحب اختيارها لإدارة البعثة تحرك ملحوظ للإدارة الأميركية في الملف الليبي، بدأ باجتماع موفدين من واشنطن مع مسؤولين بحكومة الوفاق في زوارة غرب طرابلس، ومع خليفة حفتر وعقيلة صالح في شرق ليبيا".

ويضيف، "الضغوط الأميركية على أطراف النزاع، التي تزامنت مع جهود ويليامز الدبلوماسية في المسار التفاوضي، كان لها دور كبير في دفع الفرقاء إلى طاولة التفاوض من جديد، لكن هذه المرة لوضع حلول ناجعة والتوقيع على اتفاقات ملزمة تعجّل بإنهاء الصراع".

ويؤكد الصريط أن التحرك الأميركي "لم يكن عبثياً"، موضحاً "كانت له أهداف استراتيجية تخدم مصالح واشنطن، على رأسها مجابهة التمدد الروسي في ليبيا، البقعة الخطيرة، لأهميتها الاقتصادية والجيوستراتيجية الكبيرة".

من هي ستيفاني ويليامز؟

دبلوماسية أميركية حاصلة على شهادة في الاقتصاد والعلاقات الحكومية من جامعة ميريلاند، كوليدج بارك عام 1987، وماجستير في الدراسات العربية 1989 من مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون، وماجستير في الأمن القومي 2008 من الكلية الحربية الوطنية.

وشغلت سابقاً مناصب دبلوماسية خارجية عدة، منها نائب رئيس البعثة الأميركية في العراق (2016 - 2017)، وفي الأردن (2013 - 2015)، وفي البحرين (2010 - 2013). كما تقلّدت منصب قائمة بالأعمال بالنيابة في سفارة الولايات المتحدة في ليبيا عام 2018، وعملت أيضاً مستشارة أولى في سوريا، وفي السفارات الأميركية بكل من الإمارات والكويت وباكستان.

وفي وزارة الخارجية الأميركية، كانت مسؤولة عن مكتب الأردن، ونائب مدير مكتب مصر والشؤون المشرقية، ومديرة مكتب المغرب العربي.

المزيد من متابعات