Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجدران مساحة تعبير واسعة تخرج الأفكار إلى العامة

استخدام الغرافيتي لتجسيد هوية فلسطين

رسمت أسمى غانم الجدارية التي تضم أربع شخصيات نسائية عالمية بطول 150 متراً في رام الله (اندبندنت عربية)

أربع جداريات كبيرة تمتد بطول 150 متراً على أحد الجدران وسط شارع عام في رام الله، تحمل صور أربع سيدات من جنسيات مختلفة، تجمعهن الجرأة وتحدي مجتمعاتهن في سبيل تحقيق أهدافهن أو الدفاع عن قضية معينة، فالأولى المهندسة المعمارية العراقية زها حديد التي اشتهرت عالمياً بمزج الخيال بالعمارة، والثانية للناشطة الأميركية أنغيلا ديفيس التي ربطت تحرر الأفارقة من العنصرية التي يتعرضون لها بتحرر الفلسطينيين، والثالثة لعالمة الآثار الفلسطينية ياسمين زهران، أما الرابعة فهي للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، وبجانب كل شخصية كتبت أسمى غانم، صاحبة الجدارية، عبارة شهيرة لكل سيدة لزيادة معرفة المارة بها.

تقول غانم، وهي فنانة فلسطينية متعددة الوسائط (الرسم والموسيقى التجريبية والأداء والفيديو والكتابة)، إن الجدارية جاءت ضمن مشروع "منارات" الذي تنظمه بلدية رام الله سنوياً، بهدف إضفاء الطابعين الفني والنسوي على المدينة في ظل المشاركات النسوية الخجولة داخل المجتمع الفلسطيني، ووضع المرأة في مرتبة أقل من الرجل في كثير من دول العالم، ومنها المتقدمة، من دون الالتفات للتحصيل العلمي أو الكفاءة، سواء في الأجور غير المتساوية، أو القتل على خلفية الشرف.

الغرافيتي تحول الشارع لمعرض مفتوح

بالنسبة لغانم، فالغرافيتي يمثل روح المدينة وهويتها في ظل السيطرة والمضايقات الإسرائيلية على كثير من المناطق الفلسطينية، ما يقلل مساحات التوسع للفلسطينيين، ويسبب الازدحام السكاني والعمراني، أما الفنان فؤاد اليماني فبدأ مسيرته في الغرافيتي ضمن مجموعة اسمها "عالحيط" (على الحائط)، بهدف إعطاء الجدران منظراً جمالياً، خصوصاً في المناطق المهمشة أو البعيدة عن مراكز المدن، فهو يرى أن الجداريات مهمة للتحدث عن المشاكل والقضايا التي تعانيها منطقة ما، وإيصالها للناس بشكل مباشر، ما يجعلها تعلق في الأذهان، ففي الانتفاضة الأولى كانت الرسومات على الجدران تتخذ طابعاً سياسياً ووطنياً من أجل توصيل رسائل معينة.

وترى نتالي نجار، وهي مصممة وفنانة بصرية، أن الجدران مساحة تعبير كبيرة، تخرج الأفكار من أوراق الرسم إلى العامة، ما يجعلها أقرب للشارع الفلسطيني، فالأمر يشبه معرضاً في الهواء الطلق متاحاً للجميع، إضافة إلى الحديث الذي يدور أثناء العمل مع سكان تلك المنطقة، ما يكسر الحواجز بينهم، ويزيد تقبلهم للشكل الجديد لجدران حيهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسالة

وبالنسبة لنجار، فهي ترسم لتعبر عن أمر معين أو قضية ما، مستخدمة فن الـ"خربشات" من خلال رسومات طفولية بسيطة متقنة، تحمل رسالة معينة بين طياتها للفت انتباه الناس، فوجود الغرافيتي في الشارع يسهم في وصول الفكرة المرادة أسرع من وجود اللوحات داخل معرض أو على مواقع التواصل الاجتماعي، شرط عدم الإساءة لطرف ما، أو التسبب بأذى لأحد، أو إخلال بالقواعد العامة، أو إتلاف المرافق العامة، أو وضع رسومات غير مفهومة، لأن هذه المساحات ملك لجميع الناس.

فنانات في الشارع

ليس سهلاً أن تقف فتاة بفرشاتها وألوانها أمام جدار عام في فلسطين، وتجسد فكرة رسمتها في ذهنها طويلاً، إذ توضح غانم أن الأمر كان مقلقاً في البداية من ردود فعل الناس وتعجبهم من وجود شابة ترسم على الجدار، متابعة أنه بعد تبلور العمل، لقيت ترحيباً منهم، ودعوات لها لشرب الشاي والقهوة، أو حتى مشاركة عامل النظافة المسن إفطاره الصباحي، كما أن وجودها في الشارع دفع المارات من هناك إلى فتح نقاشات متعددة فجرها وجود الجدارية المعبرة عن المرأة.

كذلك الأمر بالنسبة لنتالي، فالمجتمع معتاد على وجود شاب على سلم بفرشاة رسم، ولكنه يستهجن الأمر بالنسبة للفتيات، إضافة إلى تفكيرها مطولاً بطريقة اللباس والمظهر الخارجي من أجل عدم التعرض لأي انتقاد، موضحة أن الأمر ليس مستحيلاً، فالفتاة تستطيع إقناع من حولها بفعل ما تحب إن هي آمنت به.

الغرافيتي معرض للإزالة في أي لحظة

يعتبر البعض الغرافيتي مجرد تلويث للجدران وتشويهاً لصورة المدينة أو المنطقة، أو غير ذي جدوى بسبب احتمال تعرض الجدار لإعادة الدهن أو الهدم في أي لحظة، وفي هذا السياق، ترى غانم أن هذا الرسم بمجرد انتهائه، يصبح ملك الشارع، وقد يكون عرضة لعوامل الطقس، أو تغير الألوان أو للتخريب، كرد فعل مجتمعي أو محاولة توصيل رسالة ما، إضافة إلى تفضيلها العمل بشكل جماعي ومدروس وليس عشوائياً، فالبعض قد يستغل هذه المساحة للتحريض أو وضع شعارات عنصرية تسيء لطرف معين.

بانكسي في كل مكان

الغرافيتي في فلسطين ليس وليد اللحظة، فجدار الفصل مليء برسوم الفنان البريطاني مجهول الهوية بانكسي صاحب أسلوب "الرسم والاختفاء"، تاركاً رسومات ذات أهداف سياسية واجتماعية ساخرة، أو تحمل رسائل مباشرة قوية، ففي بيت لحم، مثلاً كانت له مجموعة رسومات من أشهرها "MAKE HUMMOS NOT WALLS" المكتوبة على جدار الفصل، والتي بت تراها في كثير من الأماكن، سواء على الجدار أو محلات بيع التحف التذكارية أو ملابس بعض الشباب.

الجدار نفسه يرسم عليه شبان كثيرون قصصهم، ويخطون إعلاناتهم، بتوقيع أو من دونه، ففي الانتفاضة الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، كان هذا الأمر يعاقب عليه الجيش الإسرائيلي، لذلك كانت الكتابة السريعة على الجدران تتم من دون توقيع أو باسم تنظيم سياسي، مع وضع اللثام على الوجه.

هذه الكتابة الأولية سرعان ما بدأت تأخذ المنحى الفني كالرسم والكتابة بألوان العلم الفلسطيني، ثم الجداريات ووجوه الأشخاص والطبيعة، وشيئاً فشيئاً بات فن الشارع أسلوباً للتزيين، بمساحات مخصصة، وأماكن تحددها البلدية، أو مؤسسة معينة وبفكرة معينة، وهذا ما يرفضه بعض فناني الشارع، لأن نشأة هذا الفن كانت للمعارضة وتوفير الحرية للتعبير عن الحقوق والحريات المفقودة، وليس لخدمة أفكار أو أهداف مؤسسات معينة.

المزيد من فنون