Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"القلل الفخار" تراث مصري يقاوم الزمن

قديماً كانت في مقام الثلاجة بالمنزل العصري وتستخدم بتصميمات مميزة لاحتفالات الزواج و "أسبوع المولود"

القلة الفخار تراث مصري مرتبط بالثقافة الشعبية وظهرت على جداريات فرعونية  (اندبندنت عربية)

لعصور طويلة كان مشهد الصينية النحاسية التي تُرصّ فيها القلل الفخار بغطائها النحاسي ذي الشكل المخروطي لتوضع على حافة الشبابيك، مشهداً مألوفاً في الريف والمدن المصرية على السواء، إذ كانت آنذاك في مقام الثلاجات ومبردات المياه في المنزل العصري وجزءاً من أساسيات الحياة.

والقُلة الفخار قديمة قدم الحضارة المصرية، فقد وجدت بشكلها المعروف على جداريات فرعونية؛ حيث عرف المصريون القدماء صناعات الفخار منذ آلاف السنين وبرعوا فيها واستخدموا الآلات اليدوية نفسها المستخدمة في الصناعة حتى الآن. ويميز هذا النوع من الحرف توارثها من جيل إلى جيل بالأسلوب ذاته لتُنتج قطع فنية تحمل التراث والتاريخ إلى جانب مهارة الصنعة.

وقد كان للقلل في الريف أهمية كبيرة؛ فإلى جانب دورها الأساس كإناء لحفظ ماء الشرب، إلا أن المملوءة بالماء كانت رمزاً للخير والبركة في المنزل ولذلك كان هناك حرص دائم من ربات البيوت عليها، لأن الفارغة منها غير مستحبة وقد ترمز إلى نقص الخير بالمنزل. وكانت هذه المهمة غالباً مسؤولية النساء والفتيات الصغيرات حتى أنه من أشهر الأغنيات المرتبطة بالتراث الريفي تلك التي غناها المطرب المصري الشيخ إمام، "البحر بيضحك ليه وأنا نازلة ادلع املا القلل" لتصبح واحدة من أشهر الأغاني الفلكلورية في مصر، كما غنى سيد درويش للقلل القناوي نسبة إلى قنا، جنوب مصر، واحدة من أشهر أغنياته، "مليحة قوي القلل القناوي، رخيصة أوي قرب حدانا خد قلتين".

اكسر وراه قلة

من العادات الشعبية المتوارثة عند المصريين هي كسر القلة عند مغادرة شخص غير مرغوب فيه حتى لا يعود مرة أخرى، وتعود هذه العادة إلى عهد الفراعنة ولها أكثر من رواية، منها أنه في فترة حكم الهكسوس كان المصريون يصنعون تماثيل فخارية ترمز إلى الحكام، يكتبون عليها تعاويذ معينة ثم يلقونها لتنكسر في رمز للرغبة في الخلاص منهم واستمر هذا التقليد متوارثاً. كما كسر المصريون القدماء القلل فوق مقبرة الشخص المتوفى اعتقاداً أن هذا سيمنع روحه من الرجوع مرة أخرى لتبقى في العالم الآخر من دون ألم، واستمرت هذه العادة حتى العصر اليوناني الروماني بكسرها إلى شقف "قطع"، ومنها تم اشتقاق اسم مقابر كوم الشقافة الواقعة في محافظة الإسكندرية.

 

 

صناعة الفخار في مصر

عن تاريخ صناعة الفخار في مصر يقول أسامه غزالي، الباحث في مجال الحرف التراثية المصرية لـ"اندبندنت عربية"، صناعات الفخار والنسيج تعتبر الأقدم في مصر بشكل عام لارتباطها بحاجة مباشرة للإنسان وهي موجودة في كل مكان بالبلاد منذ آلاف السنين بصور وأشكال مختلفة، وحرفة الفخار ترتبط بالنيل والطمي والطين وهي جزء من الثقافة المصرية وقد وثّقت 36 حرفة فخار موجودة حالياً في شمال البلاد وجنوبها، وقد وجد (الدولاب) وهو الآلة اليدوية التي تشكّل الفخار في مصر القديمة وعثر عليه بالفعل في أحد الاكتشافات الأثرية كما ظهرت الآنية الفخارية بشكل القلة على جداريات فرعونية".

يضيف، "صناعة الفخار واحدة في أنحاء مصر، وإن كانت تتداخل مع خامات مختلفة بحسب المنطقة مع نوع معين منه. فقرية الطفلة بقنا تشتهر بصناعة البلاص والمدينة باستخدام طمي السيل في صناعة القلل القناوي التي تعد الأشهر، وهناك شكل آخر من الفخار مثل خزف منطقة جراجوس، وأحياناً يزين الفخار بالحناء مثلما يقوم به أهل واحة سيوة، وهناك الريفي في وجه بحري ومنطقة دلتا مصر".

إبداع الفنان في صناعة القلة

تحمل الحرف التراثية إلى جانب ثقافة المجتمع ومفرداته المحلية جانباً كبيراً من روح الفنان الذي يقوم بصناعتها مستلهماً بيئته المحيطة فتأتي كل قطعة متفردة.

يقول غزالي، "تعد منطقة الفسطاط بالقاهرة التي تضم حي الفخاريين من أشهر مناطق الصناعة، فقد حافظت على مر الزمان على التقليدي منها وإن تميزت بأشكال بديعة من الفنون التي استلهم منها الحرفيون وأضافوها لإنتاجهم، فالقاهرة باعتبارها العاصمة كانت دائماً مركزاً للفنون والثقافات المختلفة التي يتأثر بها الفنانون مثل الفن الإسلامي والقبطي وغيرهما، فوجدت في القاهرة شبابيك القلل وهي قطعة توضع داخل عنق القلة لتصفية الماء بزخارف بديعة أتقنها الفنان وأبدع فيها متأثراً بفنون مختلفة".

يوضح، "لا نستطيع أن نقول إن القلة كإناء لحفظ الماء هي اختراع مصري صرف، فقد عرفت ثقافات أخرى حفظ الماء في أنية فخارية، إلا أن هذا الشكل تحديداً المعروف بالقلة التقليدية هو ما تتميز به الثقافة المصرية، وقد وجدت أنماط أخرى منها لحفظ الماء مثل الزير ويستخدم في تخزين الماء لكبر حجمه، وحاليا حرفيو الفخار يقاومون من أجل الحفاظ عليها وأغلبهم ورث المهنة أباً عن جد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

معقل صناعة القلل في القاهرة

تعد منطقة الفخارين الواقعة في حي مصر القديمة في القاهرة، معقل صناعة الفخار، وواحدة من أقدم مراكزها، وشاهداً على روعتها التي برع فيها الفنان المصري، فما إن تتوجه إليها حتى تستقبلك ورش واتيليهات متعددة تحوي كل أشكال ومنتجات الفخار من القطع التقليدية، مثل القلة والزير وأحدث التصميمات التي تستخدم في المنزل والمطبخ والديكور.

من داخل منطقة الفخارين في القاهرة يقول الفنان خالد صوان، صاحب واحد من أقدم الاتيليهات في منطقة مصر القديمة، "وجدت عائلتي فيها فعملت في المجال لما يزيد على 200 عام، وهي من أقدم مناطق الصناعة، يعود إنشاؤها إلى عهد عمرو بن العاص حيث كان الفخار من أساسيات الحياة يستخدم في أغراض متعددة، علماً أنها عرفت في عصور أقدم بكثير من العصر الإسلامي حيث كان لدى الفراعنة إله للفخار يدعى (خنوم) كجزء أصيل من التاريخ المصري القديم".

يضيف، "في مجال الفخار تتواصل العصور مع بعضها لأن أساس الحرفة واحد وهو الطين والدولاب، ولا تزال حتى الآن تتم بالشكل اليدوي نفسه على الدولاب المكون من (الطبلية) من الأسفل و(القرصة) من الأعلى وأي قطعة ذات شكل دائري تصنع عليه. وبشكل عام الإقبال عليها لا تنتهي مع منتجات جديدة كقطع الديكور والفوانيس وأواني الزرع بعدما كان الاعتماد سابقاً على قطع محدودة تمثل في الأواني والقدور وأدوات حفظ المياه مثل القلل والزير".

 

 

أنواع مختلفة من القلل

عن أشكال القلل واختلافها يقول صوان، "أنواع متعددة منها تنتمي إلى التراث، ولها أسماء مختلفة منها القلة بشكة، ومصر الجديدة، وعباسية، وحرملة، ومهنية، ومانجة. كموديلات متنوعة. والدي رحمه الله منذ سنوات طويلة عمل على إعادة إحياء صناعتها بأشكال مختلفة في توقيت كادت أن تضمحل، وألف كتاباً لحصرها وتوثيقها، كتراث نحفظه للأجيال القادمة،".

يتابع، "كنت أرى والدي في طفولتي ينتج فترة الشتاء ما يزيد على الـ60 ألف قلة يرصّها بطريقة معينة لتخزينها، مع شخص متخصص بذلك لما بحرفية عالية. ومراحلها متعددة، تحتاج إلى أكثر من عامل في مجالات متنوعة. ففي البداية يبدأ الدواس وهو أول شخص يصل إلى الورشة لتجهيز الطين وعجنه، وأمامه لا بد أن يكون هناك سطح خالٍ لوضع القلل لتجف، وتستكمل حتى تصل إلى المرحلة الأخيرة وهي دخول الفرن لتصبح جاهزة للاستخدام".

قلة المناسبات السعيدة

لا تزال القلة ترتبط ببعض الاحتفالات الشعبية في مصر حتى يومنا هذا، وأبرزها أسبوع المولود (السبوع هو احتفال يقيمه المصريون للمولود بعد سبعة أيام (أسبوع) من مولده) حيث اعتاد المواطنون على شرائها وتزيينها ووضعها في إناء مملوء بالماء، فيه سبع حبوب ترمز للرزق الوفير كطقس من آلاف السنين. وتصنع بشكلين معروفين، أحدهما للولد ويشبه الإبريق، والأخير للبنت وهو أكثر شبها بشكل القلة التقليدي.

 يشير صوان إلى أن "القلة كانت تتميز بأشكال فنية متميزة ولا تقتصر فحسب على التقليدي المتعارف عليه والمستخدم بكثرة بين عوام الناس، فأحياناً تتميز وفق الطلب وبسعر أغلى. ومنها (قلة العروسة) التي تصنع مع جهاز العروس بزخارفها ونقوشها الجميلة، وهي مع (قلة السبوع) لا يزال الطلب عليهما حتى الآن.

يضيف، "هي تراث مصري ليس له مثيل، وتطلب أحياناً ليس فقط كأداة لتخزين المياه أو للشرب وإنما كقطعة ديكور تحمل طابعاً فريداً. علماً أن الطين في صناعتها أيضاً مميز ومتفرد فهو طمي النيل ذات الطبيعة الخاصة".

الأزقلة

في كل مجتمع دائماً، من يحمل همّ الحفاظ على التراث والتاريخ والعمل على إعادة إحيائه وتطويره واستخدام مفرداته بشكل معاصر يتناسب مع طبيعة التطور وشكل الحياة. وفي مبادرة مميزة لإحياء القلة وإعادة استخدام الأواني الفخارية لحفظ المياه، جاءت مبادرة (الأزقلة) التي تمثل النموذج العصري لها بشكل قابل في الحياة الحديثة.

يقول هاشم مرسي، القائم على المبادرة، "بدأنا تجربة الأزقلة في أحد الأماكن السياحية التي تعتمد الأسلوب البيئي في أسوان جنوب مصر، كمحاولة للحد من استخدام الزجاجات البلاستيك التي تستخدم مرة واحدة وفي الوقت نفسه مستوحاة من البيئة والمكان فحاولنا تصميم زجاجة من الفخار تشبه القلة بشكل عصري يمكن حملها والتنقل بها بشكل سهل ومناسب لطبيعة الحياة".

يضيف، "استغرق الأمر نحو أربعة أشهر للخروج بالتصميم في شكلها النهائي وتم تنفيذها في إحدى الورش الخاصة بصناعة الفخار بمنطقة الفخارين بالقاهرة وأطلقنا عليها اسم (الأزقلة) تجمع بين الزجاجة أو (الإزازة) كما يطلق عليها في العامية المصرية والقلة، والغرض الأساس دعم الجانب البيئي من ناحية وإحياء حرفة تراثية مرتبطة بالثقافة الشعبية في الوقت ذاته".

وعن مدى قبول الناس الفكرة واستيعابهم لها يقول، "تقبّلها الناس، ورحبوا بها فهي تحافظ على برودة الماء بشكل طبيعي مثل القلة العادية وفي الوقت ذاته بيئية وتراثية، ونسعى جاهدين لتحقق انتشار أكبر ونشكلها من الطين الأسواني التقليدي المستخدم في صناعات الفخار".

المزيد من منوعات