Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سارة عمر تروي بالدنماركية جحيم المرأة الكردية في العراق

روايتها "غاسلة الأموات" تعري بواقعية فجة تابوهات المجتمع القاسي

الكاتبة الكردية سارة عمر (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - دار اكت سود - باريس)

ثمة كتب لا نخرج من قراءتها سالمين، ليس لأنها تتضمن مشاهد خرافية لا تطاق، بل لأنها ترتكز على وقائع حقيقية تتجاوز الخرافة في وحشيتها. وإلى هذا النوع من الكتب تنتمي رواية "غاسلة الأموات" التي وضعتها الكاتبة الكردية العراقية سارة عمر باللغة الدنماركية عام 2017 وصدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود". رواية تلقت صاحبتها فور صدورها تهديدات بالقتل لتسليطها ضوءاً كاشفاً على أسرار أوتابوهات المجتمع الكردي العراقي الذي يتحكم به قانون الشرف الذكوري وتخضع فيه النساء، بسبب هذا القانون، لأبشع الانتهاكات، منذ نعومة أظافرهن.

هذا ما يتجلى لقارئ الرواية منذ مشهدها الأول الذي نرى فيه فتاة كردية صغيرة تدعى خاندا تركض باكيةً مرعوبة ويلحق بها والدها صارخاً بغضب: "لا يمكنني العيش مع فتاة مدنسة". خطيئة خاندا المميتة؟ اختبارها الحيض للمرة الأولى أثناء ركوبها على دراجة! قصاصها؟ سيمسك والدها بها أمام المنزل فيسحب لسانها من فمها ويقطعه بالسكين، قبل أن يقطع أذنيها. وحين تفشل الأم في ثنيه عن فعلته، تتعرض لضرب مبرح على يده، فتتوارى لحظة لتعود ب"غالون" وقود تسكبه على جسدها وتضرم النار فيه.

بطلة الرواية ليست خاندا، بل صديقتها فرميسك (دمعة بالكردية)، وهي شابة تروي لنا طفولتها من غرفة مستشفى في الدنمارك حيث تخضع للعلاج. كيف؟ بخطها على حاسوبها كوابيسها بغية التحرر من تلك المشاهد المرعبة التي اختبرتها وهي صغيرة، وتتسلط مذاك على لياليها. وما مقتل خاندا وأمها الذي شاهدته بأم عينها سوى واحد من مشاهد لا تحصى تنتظرنا في الرواية ويتعذر بعد ذلك تصريفها. أما محرك ذاكرتها، فهو تقربها داخل المستشفى من ممرضة كردية شابة تدعى داريا وتدرس الطب على رغم ممانعة والدها المهووس بـ "شرفه" إلى حد مراقبة كل حركة من حركاتها واستقدامه من العراق أحد أقربائه لتزويجها منه ووضع حد لمشروع حياتها، المشين في نظره.

إعتراف الضحية

هكذا، عن طريق إصغائها إلى قصة داريا ومساعدتها لها، تسترجع فرميسك الفظائع والاعتداءات التي تعرضت لها في صغرها أو وقعت ضحيتها نساء كثيرات في محيطها. وفي هذا السياق، نعرف أنها حين ولدت عام 1986 في مدينة السليمانية التي تقع في إقليم كردستان العراقي، لم يفرح والدها أنور بها لأنها فتاة. وما زاد الطين بلة، مجيئها إلى العالم بخصلة شعر بيضاء تعلو جبينها. علامة من البارئ؟ هل هي مباركة أم ملعونة؟ الموقف السلبي لوالدة أنور الشريرة منها واستقدامها عجوز لاستئصال بظرها يجعلان أمها تخاف على حياتها. وحين يهدد زوجها العنيف بدفن ابنته حية، لا تجد هذه الأم، التي تخضع لتعنيف يومي على يده، حلاً آخر غير توكيل والديها بها.

هكذا تعيش فرميسك سنوات عمرها الأولى في كنف جديها، جوهر ودرويش اللذين يؤديان دورين رئيسيين في الرواية. جوهر امرأة مؤمنة تضطلع بمهمة يعتبرها محيطها "دنسة" وتقتضي بغسل أجساد النساء اللواتي لا يطالب بهن أحد ولا أحد يريد لمسهن أو دفنهن. نساء قُتلن بأبشع الطرق على يد واحد من ذويهن لمجرد الشك في سلوكهن. درويش كولونيل متقاعد وغير متدين يملك ثقافة واسعة ومكتبة غنية بالكتب في داره. ومع أنه يعيش في عالم فكري مختلف كلياً عن عالم زوجته، "لكنه سيج لها جزيرة سلام وسط عالمٍ وحشي، وهي ممتنة له لأنها تعرف أكثر من أي شخص آخر أنه من النادر العثور على الأمان قرب رجل".

وفي هذه "الجزيرة" يشتد عود فرميسك تحت رعاية جديها الآسرَين، علماً أنهما لن يتمكنا من حمايتها سوى فترة قصيرة من التهديدات الجسدية والنفسية التي تتربص بها وتشد الخناق عليها، سواء داخل محيطها الكردي العنيف، أو في وطنها عموماً الذي كان في حالة حرب مدمرة مع إيران تشكل وحشيتها والمجازر التي ارتكبها صدام حسين خلالها في حق الطائفة الكردية خلفية لقصتها.

ولأن عمر تروي طفولة بطلتها بعد ثلاثين عاماً على ولادتها، تقفز سرديتها بنا باستمرار بين الماضي والحاضر، مبينةً من خلال قصص فرميسك وداريا ونساء كثيرات كيف أن البربرية تهزأ من الزمن والأمكنة، والجهل والتعصب لا حدود لهما. من هنا ذلك الجانب الذي لا يطاق فيها، علماً أن الكاتبة تنجح في جعل ما يصعب تحمله وتصريفه في روايتها ضرورياً، وأبداً لا يقع العنف الذي تصوره (إذلال، ضرب، اغتصاب، قتل، زنا المحارم...) في المجانية، بل يشهد بقوة على واقع أسوَد ومخيف لا يحاصر المرأة الكردية في وطنها الأم فقط، بل يلحق بها إلى وطنها بالتبني، حين تحظى بفرصة الفرار.

عبء التقاليد

بالتالي، تكشف "غاسلة الأموات" أيضاً مدى صعوبة التحرر من عبء التقاليد داخل المجتمع الكردي. تقاليد يسهر الرجال على ديمومتها من أجل فرض على نسائهم وبناتهم نظرتهم المشينة للوجود والتسلط على حياتهن، تحت ستار الدين. لكن القسوة الموصوفة بإسهاب داخل الرواية ليست حصراً عليهم، بل تمارسها أيضاً بعض النساء اللواتي تم تدجينهن وتكييفهن منذ نعومة أظافرهن، فتحولن بدورهن إلى سجانات يعذبن بنات جنسهن ويشجعن الرجل على احتقار المرأة ويذهبن أحياناً إلى حد حثه على قتلها، كما سيحصل مع عمة أنور، والد فرميسك، التي لن يحُل عطفها عليه طوال حياته دون قتله إياها في النهاية، بإيعاز من والدته، فقط لأنها تبتسم بسهولة للآخرين!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

باختصار، تنتظرنا داخل الرواية أفعال وحشية كثيرة تُرتكب ضد نساء أو فتيات كرديات صغيرات يعتبرهن آبائهن أو أزواجهن أو أخوتهن، أو حتى أمهاتهن وأخواتهن، "نجسات" باسم تقاليد بربرية. أفعال تمارس عليهن بلا رادع، وبعذر "تدنيس المقدسات"، عند أقل توكيد لذواتهن أو حين يسمحن لأنفسهن بهامش لا يُذكر من الحرية.

لدى قراءة "غاسلة الأموات"، يتعذر علينا التمييز بين الفصول الخرافية وتلك التي تندرج في سياق سيرذاتي. ومع أن الكاتبة صرحت لدى صدورها بأن "المشاكل التي أصفها تتجاوزني وذات طابع شمولي"، لكن لا شك في أنها تتشارك وبطلتها قواسم كثيرة تتجاوز هويتهما الكردية. فمثل فرميسك، وُلدت عمر في العراق عام 1986 وبخصلة شعر بيضاء على شكل قلب فوق جبينها. وأثناء تواجدها في المستشفى، إثر محاولة انتحار، انطلقت في كتابة روايتها وباتت هذه الأخيرة ضرورة وركيزة لبقائها على قيد الحياة. وهذا بالتأكيد ما يفسر جزئياً سطوة خطابها التي تعود أيضاً إلى اللغة الجميلة التي صقلتها لها وتعكس موهبة كتابية أكيدة.

يبقى أن نطمئن القارئ إلى أن عمر تعمدت ختم روايتها بشكلٍ مفاجئ، في لحظة حرجة من طفولة فرميسك (تعرضها للاغتصاب على يد عمها محمد)، لأنها ليست سوى الجزء الأول من ثلاثية صدر الجزء الثاني منها حديثاً بالدنماركية وننتظر بفارغ الصبر ترجمته الفرنسية التي هي في طور الإنجاز.

المزيد من ثقافة