Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حماية البيئة أم أطماع مالية؟

الاعتماد على الغاز والطاقة النووية والفحم على مرّ عقود من الزمن لم يأتِ من فراغ

صورة من الأرشيف لأنابيب خط "كيستون إكس إل" التي تنقل نفط ألبرتا الكندية إلى الولايات المتحدة (رويترز)

عندما استخدم الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما حق "الفيتو" لإيقاف مشروع خط أنابيب "كيستون إكس إل"، الذي ينقل نفط ألبرتا الكندية إلى الولايات المتحدة في عام 2015، قال إنه اتخذ القرار لأسباب بيئية. كان يقف إلى جانبه وارن بوفيت، المستثمر المشهور، الذي أيّد وقتها أوباما في مشروع زيادة الضرائب على الأغنياء، وأنه مستعد لدفع المزيد من الضرائب.

الذي لم يدركه أغلب الناس أن بوفيت استثمر أموالاً ضخمة في شركة قطارات "بورلنغتون نورث سناتا في"، وشجع أوباما على وقف مشروع أنابيب خط "كي ستون". ومع وقف الخط وزيادة إنتاج النفط في ألبرتا، كان الحل الوحيد لنقل النفط هو شركة القطارات التي استثمر فيها بوفيت، والتي حققت أرباحاً طائلة من نقل النفط الكندي!

ثم أصدر الرئيس دونالد ترمب أمراً رئاسياً يسمح بإتمام بناء خط أنابيب "كي ستون"، ضارباً بقرار أوباما عرض الحائط، ومعرّضاً استثمار بوفيت للخطر. لهذا، لا غرابة أن يأتي الرئيس المنتحب جو بايدن ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه في عهد أوباما، ويضمن لبوفيت نجاح استثماراته، وكله باسم البيئة!

وكالات الأنباء تناقلت قبل يومين، خبر تسريب معلومات بأن من أوائل الأشياء التي سيقوم بها بايدن بعد تنصيبه رئيساً ظهر يوم 20 يناير (كانون الثاني)، هو إصدار قرار رئاسي يوقف بناء خط أنابيب "كيستون". ومن المتوقع أن يلقي كلمة يتكلم فيها عن الأضرار البيئية للأنبوب، بينما يبستم بوفيت وهو يشاهده على شاشات التلفاز.

غباء أم ذكاء؟

وحصلت احتجاجات كبيرة في الماضي ضد أنبوب "كيستون" وغيره، بحجة أنه ينقل النفط الكندي "الوسخ" الملوث للبيئة، وأن الأنبوب يمر في مناطق حساسة بيئياً وبيولوجياً. ومارس بعض المتظاهرين أنواعاً مختلفة من "الإرهاب البيئي" شملت تدمير بعض المنشآت أو إرهاب العاملين والموظفين.

وظهرت تساؤلات كثيرة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وقتها: كيف أتى هؤلاء المتظاهرون من أنحاء الولايات المتحدة كافة إلى أماكن بعيدة ونائية؟ ولماذا بنوا خياماً وعسكروا هناك فترة طويلة؟ ألا يعملون؟ هل تركوا وظائفهم؟

وقف بناء الخط

ما لا يدركه المتظاهرون، خصوصاً المخلصين منهم، أن النفط الكندي سيصل إلى الولايات المتحدة في كل الحالات عن طريق قطار بوفيت! ومن ثم فإن معارضتهم للنفط الكندي كونه "وسخاً" و"ملوثاً للبيئة" ذهبت أدراج الرياح.

الأسوأ من هذا، أن نقل النفط بالقطارات أكثر تلوثاً من نقله بالأنابيب، وأكثر خطراً. والسنوات الأخيرة شهدت حوادث مأساوية عدة قُتل فيها عدد كبير من الناس، جزء منهم وهم نيام في بيوتهم.

وما لا يدركه المتظاهرون المعارضون لبناء الأنبوب أنه إذا لم يتم نقل النفط بالقطار، فسيتم نقله بالصهاريج التي تسير بالديزل. النقل في هذه الشاحنات ليس أكثر تلوثاً للبيئة من الأنايب والقطارات فحسب، بل إنه أخطر، والنفط أكثر عرضة للاحتراق وانبعاث الغازات السامة، أو للانسياب.

خلاصة القول، إن أنصار البيئة عبّروا عن غبائهم وجهلهم، وقام الأذكياء باستغلال ذلك سياسياً واقتصادياً، وتضمن ذلك جني أموال طائلة تبرعوا بجزء منها لحملة بايدن الانتخابية!

إنه الدولار!

القصة أعلاه شائعة جداً في الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أنها تظهر بأشكال مختلفة. أكبر شركات التواصل الاجتماعي والإنترنت تحاول الظهور بأنها شركات خضر ترغب في تحقيق الحياد الكربوني قبل تاريخ معين. بغض النظر عن أساطيل الطائرات الخاصة التي تملكها وتستخدمها قيادات هذه الشركات باستمرار، والانبعاثات السامة التي تصدرها، تستطيع هذه الشركات أن تثبت أنها "خضر" لأن مراكز البيانات تستخدم الطاقة المتجددة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن لو نظرنا إلى التفاصيل، نجد أن الأمر يتعلق بـ "الدولار"، وليس بالبيئة. فإذا أرادت إحدى هذه الشركات بناء مركز بيانات في ولاية ما، فإنها، بحجة الوظائف التي سيخلقها مركز البيانات، تحاول الحصول على إعفائات ضريبية. واكتشفت أن هناك إعانات مالية وإعفائات ضريبية إضافية إذا كانت الطاقة المستخدمة "خضراء". لذا تقوم بالتعاون مع شركة لبناء عنفات الرياح، وتتعاقد معها مسبقاً على شراء الكهرباء المنتجة بأسعار منخفضة جداً.

ماهي النتيجة؟ إن بعض الولايات شهدت زيادة ضخمة في توليد الكهرباء من طاقة الرياح "الرخيصة جداً"، المدعومة حكومياً، لكن المواطن لم يرَ منها شيئاً لأنها كلها ذهبت إلى مراكز بيانات شركات الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي العالمية.

الولاية تدّعي أنها خضراء بسبب النسبة العالية للكهرباء المولدة من الرياح. الشركات تدّعي ذلك أيضاً، لأنها تستخدم طاقة الرياح. أما المواطن المسكين فلم يحصل على شيء بل على العكس، ارتفعت فواتير الكهرباء عليه لأن عملاء شركة الكهرباء المحلية من الصناعيين بدأوا بشراء الكهرباء الرخيصة من شركات طاقة الرياح، بينما جمعت الشركات كل الإعانات الحكومية التي كانت مخصصة أصلاً للمواطن.

هذا الأمر نفسه، الذي حصل في أوروبا، حيث أن أعلى أسعار الكهرباء هي في الدول التي تبنت الطاقة الخضراء.  وعلى الرغم من كل الحديث عن انخفاض تكاليف توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، ففواتير كهرباء المواطن لم تنخفض.

الطاقة المتجددة غير موجودة عندما نكون في أمس الحاجة إليها، ولنا في بريطانيا عبرة! في الأسبوع الماضي ارتفعت أسعار الكهرباء في الأسواق الفورية إلى أعلى مستوى في تاريخها بسبب العجز في إمدادات الكهرباء الناتج من البرد القارس. الاستثمارات الضخمة في طاقة الرياح والطاقة الشمسية لم تنفع وقت الأزمة. لماذا؟ لأن ما يُسمى "الطاقة المتجددة" لن توجد عندما يكون الإنسان في أمس الحاجة إليها.

فارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير يزيد الطلب على التكييف، ويضغط على إمدادات الكهرباء. هل ستنقذنا طاقة الرياح؟ لا، لأنه لو كانت هناك رياح لما ارتفعت درجات الحرارة! هل ستنفعنا الطاقة الشمسية؟ الآن فقدنا طاقة الرياح. والطاقة الشمسية لا تستطيع التعويض عن فاقد طاقة الرياح، لكن ارتفاع الحرارة بشكل كبير يخفّض من كفاءة الألواح الشمسية، وإذا كانت المنطقة ساحلية، فارتفاع الرطوبة يعني تغطية الألواح الشمسية بطبقة من الماء تخفّض كفاءة هذه الألواح.

في الشتاء، قد تتوقف الرياح، ونظراً للجو الغائم فترة طويلة أو هطول الثلوج، فإن الطاقة الشمسية لن تقوم بمهمتها.

خلاصة الأمر، إن الاعتماد على الغاز والطاقة النووية والفحم على مرّ عقود من الزمن، لم يأتِ من فراغ. موضوع الطاقة المتجددة والتغير المناخي مثل كل المواضيع التي دعمتها الحكومة: المراكز والصناعات التي كسبت المليارات من الحرب على الإرهاب، لا تريد أن ينتهي الإرهاب! والمراكز والصناعات التي استفادت من الإنفاق الحكومي لمحاربة مرض الإيدز لا تريد له أن ينتهي. والمراكز والصناعات التي تستفيد من محاربة التغير المناخي، لا تريد أن تنخفض الانبعاثات، والمستثمرون الذين يستفيدون من نقل النفط في القطارات يحاربون بناء الأنابيب بحجة البيئة... وهكذا!

المزيد من آراء