Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائية السورية شادية الأتاسي لا ترقص التانغو

رواية ترصد تداعيات الحرب وآثارها على الطبقة المتوسطة

لوحة للرسام السوري يوسف عبدلكي (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - فيسبوك الرسام)

الحب في زمن الحرب هو الموضوع الذي تتناوله الكاتبة السورية شادية الأتاسي، في روايتها "تانغو الغرام"، الصادرة أخيراً عن الدار العربية للعلوم- ناشرون. وهي تفعل ذلك من خلال رصد تداعيات الحرب المندلعة في سوريا، منذ عشر سنوات، وآثارها المباشرة وغير المباشرة على شخوص الرواية، والأعطاب التي أحدثتها في بناها النفسية، الأمر الذي كانت له نتائجه المدمرة على كل منها. وهي لا تقف عند حدود التدمير الخارجي المباشر للمكان، بل تتعدى ذلك إلى التدمير الداخلي غير المباشر للإنسان. ولعل هذا الأخير هو ما يميز الرواية عن سواها من روايات الحرب السورية.

 "تانغو الغرام" عنوان جميل، مؤلف من مضاف ومضاف إليه، مُفارِق للحرب ومفرداتها. فالمضاف "تانغو" يُحيل إلى رقصة رومنسية جميلة، مارستها الطبقات الشعبية، وتم تطويرها في الأرجنتين والأورغواي، أواخر القرن التاسع عشر، وتحتاج إلى طرفين اثنين للقيام بها، في مناخ من التناغم الجسدي الذي يرتقي إلى ذوبان أحدهما في الآخر، في  حال من التوحد الروحي بينهما. والمضاف إليه "الغرام" يُحيل إلى الحب والولوع. وإضافة الكلمة الأولى إلى الثانية تنجم عنها حركة جسدية / روحية  ترقى بطرفيها إلى حال من النشوة الكاملة.

   وإلى جمالية العنوان وحركيته الراقصة، لا نقع على تمظهراته في المتن الروائي، في العلاقات الثلاث التي تنخرط فيها راوية الرواية وبطلتها، في ظروف مختلفة، وتؤول جميعها إلى خواتيم غير منشودة. والمشهد الوحيد الذي يتمظهر فيه، أواخر الفصل الرابع والأخير من الرواية، يتم بين زوجين أجنبيين، يشكل وجودهما عنصراً طارئاً على مجرى الأحداث، ولا نعرف إذا ما كان المشهد حقيقيا أم متخيلاً، ما يدفعنا إلى الاستنتاج بمفارقة العنوان للمتن.

الرقصة الموؤودة

  إذا كانت رقصة التانغو تحتاج إلى شريكين لإنجازها، فإن الحرب في سوريا، وما أفرزته من نتائج خطيرة على البشر والحجر، حالت دون ممارسة هذه الرقصة، وآلت العلاقات، القائمة أو الممكن قيامها، بين الثنائيات المختلفة، في الرواية، إلى الانفصال أوالإجهاض. وهكذا، نرى أن الاختلاف في الدين، والتعصب الأعمى، والغيرة المرضية، والعامل الجغرافي، وضيق الخيارات، وسواها من النتائج المترتبة على الحرب، أدت إلى وأد الرقصة في مهدها. والحالة الوحيدة التي نجحت فيها تحصل في الخارج، "في أحد الفنادق الجبلية الصغيرة المنتشرة، في جبال الألب، بالقرب من مدينة بازل السويسرية". ولعلها متخيلة وليست معيشة، ما يدفع إلى الاستنتاج باستحالة الحب في زمن الحرب.

يشكل اللقاء العابر في مكتبة دمشقية، ذات يوم ماطر، بين الراوية العاملة في مؤسسة إعلامية وخالد الكاتب الصحافي بداية علاقة بينهما، راحت تنمو شيئاً فشيئاً، من خلال اللقاءات والجولات والأحاديث والاهتمامات المشتركة، حتى تحولت إلى علاقة حب تكللت بالزواج والإنجاب. غير أن اندلاع الحرب وانعكاساتها على الأسرة الوليدة يكون له نتائج مدمرة، على المستويين المادي والنفسي، فتترك بيتها إلى إحدى الضواحي، ويترك خالد العمل، وتستيقظ فيه غيرة مرضية تجعله يخون زوجته، ويتغيب عن البيت، ويغرق في الشرب، وتنتابه نوبات عصبية، ويدخل في اكتئاب مقيت، وينخرط في نوع من التدمير الذاتي الذي يأخذ زوجته في طريقه، ويصاب بوسواس قهري، ويغادر البيت تاركاً زوجته وابنته الصغيرة نادية لينتهي به المطاف في مدينة شتوتغارت الألمانية. وحين يحاول لاحقاً، بعد انضمامهما إليه، وصل ما انقطع ولم شمل الأسرة، يكون الأوان قد فات، فثمة مياه كثيرة جرت تحت جسر العلاقة بين الزوجين.

 في مواجهة هذا الواقع ووقائعه القاسية، تلوذ الراوية بذاكرتها، من جهة، ومخيلتها، من جهة أخرى، ما يجعلها تعيش نوعاً من الفصام، وتختلط عليها الأمور بين المعيش والمتخيل.       في الذاكرة، تتذكر نشأتها في حمص، في وسط اجتماعي محافظ، يربي على الإذعان في البيت والمدرسة، ويعتبر القراءة جريمة، ويُمارَس فيه القمع الأبوي. وتتذكر صديقات الصبا، سامية ومنى وسحر، والأنشطة البريئة التي كن ينخرطن فيها، والمصائر الفاجعة التي تتراوح بين خطف سحر وزوجها، وموت منى بعد زوجها الذي صودرت مزرعته، وغرق سامية في وحدتها. وفي المخيلة، تعيش الراوية حالة حب افتراضي مع روائيها المفضل عمر السمان الذي يطلع من الرواية أو تدخل هي إليها ليتم التواصل بينهما.

الذاكرة والمخيلة

هكذا، تواجه الراوية الواقع بالهرب منه، عبر الذاكرة، إلى الماضي، بذكرياته الجميلة التي تخفف من بشاعة الحاضر، أو بذكرياته القاسية التي تجعل قساوة الحاضر أخف وطأة. وتواجهه بالهرب منه، عبر المخيلة، إلى المستقبل، بغرقها في قصة حب افتراضي مع روائيها المفضل. وحين تلاحظ جارتها الإيطالية ماتيلدا انفصامها تنصحها بالتواصل مع الروائي وتحويل العلاقة الافتراضية إلى علاقة حقيقية، فتفعل، وتروح تنمو العلاقة بينهما بالرسائل الإلكترونية والفيديو، فيتعلق أحدهما بالآخر، ويحلمان باللقاء المباشر. غير أن وجود الروائي في تركيا ووجود الراوية في ألمانيا، وخضوعهما لإجراءات إدارية باعتبارهما لاجئَيْن سورييْن، يحولان دون تحقيق حلمهما المشترك. وبذلك، تلعب الجغرافيا والسياسة الناجمتان عن الحرب دورهما في الحؤول دون رقصة التانغو بين الحبيبين. وحين يقرر الروائي العودة إلى سوريا ويضعها بين خياري الحب أو الأمومة، تختار البقاء إلى جانب ابنتها نادية على الرغم من نضجها، وتؤثر الأمومة على الحب.

 إلى ذلك، ثمة علاقة سابقة لعلاقة بطلة الرواية مع خالد التي آلت إلى الانفصال، وعلاقتها مع الروائي التي لم تؤلْ إلى الاتصال، بفعل الحرب وتداعياتها، هي علاقتها بحبيبها الأول التي حال اختلافهما في الدين دون أن تؤتي ثمارها، حتى إذا ما التقيا لاحقاً في شتوتغارت، يكون الأوان قد فات، لا سيما أن كليهما تغير في الشكل والمضمون.

 الأمر نفسه من انقطاع العلاقة أو عدم بلوغها خواتيم منشودة، ينسحب على الشخوص الأخرى في الرواية، فالروائي عمر السمان يهجر زوجته مصطحباً ابنتهما لمى تاركاً لها ابنهما جاد، بعد أن مات الحب بينهما، وغدا همها الوحيد التلصص على عالمه، والنبش في طمأنينة روحه، والغيرة المَرَضية من شخوص رواياتة. وصهره كريم الذي يتحول فجأة من مؤمن عادي إلى آخر أصولي، بعد التحاقه بمجموعة إرهابية، يغادر بيته إلى غير رجعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وعليه، وبناءً على هذه الأحداث، تقول الأتاسي استحالة الحب في زمن الحرب، وعدم قدرة الشخوص المصابة بندوبها الجسدية وأعطابها النفسية على الرقص، فالتانغو تحتاج إلى قاعة مناسبة للرقص يسودها السلام، وإلى تحلي الراقصين بالصحتين الجسدية والنفسية للرقص، الأمر الذي لا يتوافر في القاعة السورية، ولا في الهاربين من أتون الحرب.

منظور حيادي

  في المنظور الروائي، صحيح أن الكاتبة ترفض الحرب وتداعياتها، لكنها تتخذ موقفاً حيادياً فيها، فلا تُغضب النظام، ولا تُرضي المعارضة. وتوزع المسؤولية على الفريقين، فتذكر قيام مسلحي المعارضة بمصادرة مزرعة محمود، زوج صديقتها منى، وترهيبه، ما أدى إلى موت كل منهما تباعاً، من جهة، وتذكر ممارسات حواجز النظام القمعية، وتنكيلها بالأبرياء، من جهة ثانية. وبذلك، تتخذ موقفاً رمادياً. وإذا كان ما تطرحه، في نهاية الرواية، على لسان راويتها، بسؤالها، "لو كنا نعيش حياة كريمة في بلدنا، أكان حدث ما حدث؟ أكان العالم تكالب علينا؟" (ص 237) يشي في شقه الأول بتحميل النظام مسؤولية ما آلت إليه الأمور، فإن شقه الثاني يتبنى وجهة نظر النظام التي تقول بتكالب العالم على سوريا، ما يبقي الكاتبة في المنطقة الرمادية الملتبسة.

 ومع هذا، "تانغو الغرام" رواية جميلة، رشيقة، في اللغة والبنية الروائية، تمتاز عن الروايات الأخرى برصدها تداعيات الحرب على الطبقة الوسطى، من روائيين وصحافيين وإعلاميين، لا سيما الأعطاب التي أحدثتها في صحتهم النفسية، ما يجعلنا إزاء مقاربة روائية جديدة لهذه الحرب، تمتع قراءتها وتفيد.

 

المزيد من ثقافة