Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طلب تونس من الجزائر تقاسم اللقاحات يثير السخط على سلطات البلدين

اعتبر مراقبون أن الحكومة التونسية قصرت في واجباتها وأحرجت جارتها

فجّر تصريح وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي، الأربعاء 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، حول طلب بلاده من الجزائر تقاسم اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، جدلاً واسعاً في البلدين، إذ رأى قسم كبير من التونسيين فيه إحراجاً للجزائريين، وإقراراً بتقصير الحكومة التونسية في توفير اللقاح في الوقت المناسب. وكشف الجرندي، أنه من ضمن الاتصالات التي أجراها كانت مع وزير الخارجية الجزائري، الذي استجاب بطريقة مباشرة، معتبراً أن "هذا التزام شديد من قبل الجزائر، مقتضى الأخوة بين البلدين والرئيسين".

التفاعل على وسائل التواصل

وعقب إنهاء الوزير الجرندي حديثه، تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الجرائد وكذا نقاشات القنوات في البلدين، وبلغت حد تبادل عبارات التجريح، لكن في مساحات ضيقة، مقابل سخط واسع على تصرفات سلطات البلدين، غير أن الترحيب غلب الطرفين ليرفع شعار الأخوة. وانطلق الجدل بين جزائريين رفضوا الفكرة، واعتبروها في غير محلها بالنظر إلى تصرفات "غير مشرفة" لتونسيين خلال سنوات سابقة، على الرغم من الهبات والقروض التي ما فتئت تمنحها بلادهم، بالمقابل انتقد تونسيون نظرة الجيران التي عدوها "احتقاراً" و"استعلاء" وإهانة لكرامتهم.

وصب عدد كبير من التونسيين غضبهم على رئيسهم قيس سعيد وسلطات بلادهم، بعد أن أصبحوا "يتسولون" وفق تعبيرهم، في حين اعتبر جزائريون تصرف رئيسهم تبون وحكومته لا يستند إلى أي أساسات بالنظر إلى الأزمات التي تواجههم على جميع المستويات، بسبب تهاوي أسعار النفط وتداعيات الحجر، التي أفرزت وضعاً اجتماعياً كارثياً، وشددوا على أنه بدل تقاسم اللقاحات مع تونس، الاهتمام بالفئات الواسعة من المعوزين الجزائريين الذين يعانون ارتفاع الأسعار والمشاكل اليومية.

وفي المقابل، أجمع أغلب الجزائريين والتونسيين على أن الخطوة تنم عن متانة العلاقات القائمة بين البلدين، ووصفوا الخبر بـ"المفرح"، الذي يعكس مرة أخرى تاريخية وعمق العلاقات بين الجزائريين وإخوانهم التونسيين، ويأتي امتداداً لقرارات سابقة من أجل مساعدة الجارة الشقيقة على مواجهة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

الرد الجزائري

من جهته، رد وزير الصحة الجزائري عبد الرحمان بن بوزيد، على تصريحات نظيره التونسي، مبدياً استعداد بلاده لتقاسم اللقاحات مع تونس أو مع أي دولة عربية أخرى. وقال "اطلعت على الطلب التونسي، ومن طبيعتنا كجزائريين ومسلمين اقتسام ما عندنا، ويمكن أن يأتي يوم ونحتاج مساعدة تونس نحن أيضاً"، لكنه لم يؤكد ولم ينف صحة اقتسام لقاح كورونا، ليبقى الرد على الطلب مؤجلاً إلى حين.

كما أعلن رئيس عمادة الأطباء الجزائرية محمد يقاط بركاني، أن وزير الصحة أعلم اللجنة العلمية التي هو أحد أعضائها، أن هناك طلباً من تونس لاقتسام اللقاحات، مشدداً على أنه ''إذا الأمر مقدور عليه فلم لا؟ نحن سنكون مسرورين إذا تجسد هذا الطلب".

بينما أجاب وزير الاتصال الناطق الرسمي للحكومة، عمار بلحيمر، أن "الجزائر في مرحلة متقدمة من التفاوض مع الصين للحصول على شحنات من اللقاح، ومن المقرر أن تستلم الدفعة الأولى من اللقاح الروسي قبل نهاية يناير الحالي". مضيفاً أنه "إذا وجدت كمية زائدة عن الحاجة المحلية، فإن الجزائر كعادتها لن تبخل في مساعدة الدول الشقيقة المستحقة والرد إيجاباً على طلباتها بهذا الخصوص". واعتبر متابعون للشأن العام في تونس أن الرد أتى دبلوماسياً وراعت الجزائر من خلاله أواصر الأخوة بين البلدين بعد ما أحرجها الطلب التونسي.

تضحيات مشتركة

وتعليقاً على ما حدث يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية علي لكحل، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "من الوجهة السياسية نرى أنه من الطبيعي أن يجتمع  في العلاقة بين البلدين أي نوع من أنواع التعاون بين الأشقاء والجيران، فهذا هو الطبيعي بينهما، وتاريخياً تقاسم الشعبان في أحداث ساقية سيدي يوسف تضحيات مشتركة دفعا فيها دماءهما لأجل قضية تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، ومن الوجهة الإنسانية، الجزائر معروفة بدبلوماسيتها الإنسانية، حيث استقبلت على حدودها عديداً من المتضررين من دول الجوار، وتفاعلها مع تونس هو استمرار أيضاً لدعم شعوب المنطقة".

ويعتقد لكحل، أن معارضي هذا التوجه ينظرون إلى المسألة من وجهة نظر تفتقد لاستحضار كل تلك المعاني والحقائق، التي تؤكد أن القدر قد اختار أن تكون الجزائر وتونس نموذجاً لعلاقة ناجحة، يمكن تعميمها في بناء أمن إنساني مشترك، وقال، إن المصلحة في ظل العولمة والتهديدات الصحية العابرة للقارات تحتاج إلى تعاون دولي وجهوي تتحمل فيه بعض الدول المهمة مسؤوليتها التاريخية للعبور نحو المستقبل بتكلفة أقل.

إجراءات جديدة لمواجهة كورونا

وتزامن تصريح الوزير التونسي مع تدهور الوضع الصحي في البلاد، جراء تفشي فيروس كورونا وتزايد عدد الإصابات والوفيات، ما كشف عن فشل الحكومة في إدارة أزمة كورونا صحياً واقتصادياً واجتماعياً.

كما كشفت الجائحة عمق أزمة الحكم في تونس، والصراع بين الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان) في البلاد، في غياب التنسيق من أجل صحة التونسيين وتقليص حدة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجائحة.

تجدر الإشارة إلى أن الوضع الوبائي الخطير الذي تواجهه تونس، دفع السلطات إلى إقرار حظر صحي شامل لمدة 4 أيام من 14 إلى 17 يناير الحالي، وتعطيل الدروس، إضافة إلى إجراءات أخرى، من أجل كسر حلقات العدوى المجتمعية، وحمل التونسيين على مزيد الالتزام بالإجراءات الصحية الوقائية.

وأسهم تأخر وصول اللقاحات إلى تونس، في نشر حالة من اليأس حيال أداء الطبقة السياسية، بينما تحيي تونس الذكرى العاشرة لانتفاضة عام 2011. وفاقمت تصريحات وزير الخارجية التونسي حول تقاسم التلاقيح مع الشقيقة الجزائر الحال تأزماً، إذ اعتُبِر نوعاً من "التسول" من الجارة الجزائر، التي شكلت لجنة علمية ووضعت برنامجاً لمجابهة الفيروس، بينما غرقت الطبقة السياسية التونسية في صراعاتها، وعجزت عن توفير اللقاح في الوقت المناسب.

ثلاثة مسارات لتوفير اللقاحات لتونس

وبات السؤال الذي يشغل التونسيين اليوم هو: متى يصل اللقاح إلى تونس لتطويق هذا الفيروس؟ في هذا السياق، أكد عضو اللجنة العلمية المكلفة بمجابهة فيروس كورونا في تونس، الهاشمي الوزير، أن "تونس انخرطت في ثلاثة مسارات لتوفير اللقاحات، يتمثل المسار الأول في آلية كوفاكس التابعة لمنظمة الصحة العالمية، وتتضمن إمكانية تلقيح 20 في المئة من المواطنين"، مضيفاً أن "المنظمة أعلمت تونس رسمياً منذ يومين، بأن انتشار هذا التلقيح ضمن مجموعة كوفاكس سيكون في شهر أبريل (نيسان) 2021. ويتمثل المسار الثاني في علاقة تونس بمختبرات أخرى، لاقتناء لقاحات شركة "فايزر- بيونتيك" وموعد وصول هذا التلقيح هو الثلاثية الثانية من عام 2021". كما سعت تونس بحسب الهاشمي الوزير، في مسار ثالث، إلى توفير لقاحات في أقرب الآجال "عبر مختبر "غاماليا" الروسي، الذي يمكن أن يؤمنها في أواخر فبراير (شباط) 2021".

وأشار إلى أن "اللجنة العلمية تواصلت مع رئيس الجمهورية قيس سعيد وعدد من الوزراء، من أجل تفعيل الدبلوماسية التونسية، للحصول على اللقاحات في أقرب وقت".
وبخصوص طلب تونس تقاسم اللقاحات مع الجزائر، أكد الهاشمي الوزير، أن ذلك "يدخل في إطار مقاربة شاملة للدبلوماسية التونسية، التي تعمل على التعاون مع الشقيقة الجزائر على توفير اللقاح في أقرب وقت ممكن".

فشل في إدارة الأزمة

من جهة أخرى، رأى الباحث في علوم الإعلام والاتصال، محمد الفهري شلبي أن "الدبلوماسية التونسية فشلت في إدارة أزمة كورونا نظراً إلى عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد"، لافتاً إلى أن "السياسة التواصلية لا يمكن أن تكون ناجعة، بينما السياسات العامة في البلاد غير مستقرة ومتذبذبة".

وأكد شلبي أن "تصريح وزير الخارجية التونسي، لا يليق بسياسة دولة، مستغرِباً طلب تونس من الجزائر تقاسم اللقاح وكأنه غذاء أو لباس". وزاد أن "الجزائر شكلت لجنة علمية، وأعدت برنامجاً لمجابهة هذا الوباء، وفق منهجية علمية وحسب حاجات الشعب الجزائري، ولا يجوز لمسؤول تونسي أن يُحرِجها بطلب كهذا"، معتبراً أن "وزير الخارجية أراد بتصريحه، طمأنة التونسيين، إلا أنه أصابهم بخيبة أمل، وأحرج الجزائر".

وقال شلبي إن "الجزائر قررت توفير 40 مليون جرعة من اللقاحات، لأكثر من 20 مليون جزائري، وسط تزايد الطلب العالمي، ولا يجوز استجداء اللقاح من هذه الدولة الشقيقة".
بالأرقام

وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر، سجلت أكثر من 2800 وفاة بسبب الفيروس، إضافة إلى أكثر من 100 ألف إصابة، بينما سجلت تونس، أكثر من 5400 حالة وفاة، وإصابة 170 ألف شخص.

وعمقت أزمة كورونا تردي الوضع الصحي في تونس، الذي يواجه تحديات عدة، من بينها تدهور الخدمات الصحية والتفاوت الجهوي في توفير الخدمات، علاوةً على النقص الحاد في الأدوية، خصوصاً بالنسبة للأمراض المزمنة، حيث يصل عدد الأدوية المفقودة في تونس اليوم إلى 300 نوع، بينما تعاني الصيدلية المركزية من تراكم ديون عليها لفائدة المختبرات الأجنبية، تتجاوز قيمتها 200 مليون دولار.

المزيد من العالم العربي