Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العنوسة" هل يعدها المجتمع العربي وصمة إلى الآن؟

الزواج لم يعد أولويات شباب تونس وتوقع الفشل يؤخر الإقبال عليه في الجزائر واستكمال التعليم يؤجله بالمغرب والبطالة سبب رئيس بالدول العربية

تغيرت مفاهيم الشباب عن الزواج فكانت النتيجة التأخر عن القرار  (غيتي)

يتطور العالم من حولنا لحظة بعد الأخرى، بينما لا تزال بعض القناعات العربية راسخة في نفوس أهلها، فهل لا يزال وصف "العنوسة" بهذه المجتمعات يعد وصمة، أم أن تغيُر مفهومه لدى الشباب أثر بشكل أو بآخر في أعراف المجتمع وسط المتغيرات المتلاحقة التي تصيب كل شيء.

مهما يكن الأمر، فإن ثمة إجماعاً لدى الجميع أن الظروف الاقتصادية والبطالة سبب رئيس في هذه الظاهرة، إضافة إلى تغير الأولويات لدى الجنسين وسط ارتفاع معدلات الطلاق عربياً. "اندبندنت عربية" تناقش الظاهرة في عدد من الدول العربية، وترصد طبيعتها وأسبابها.

الزواج لم يعد من أولويات شباب تونس

تعتبر العنوسة لدى الرجال من المواضيع المسكوت عنها في تونس على الرغم من استفحالها، إذ كشف آخر الإحصاءات أن عددهم أكبر من عدد العانسات بنسبة قاربت الـ 56 في المئة، من 15 سنة فما فوق، ونسبتهم 52 في المئة من مجموع السكان، فيما تقارب نسبة العانسات 48 في المئة. كما تحتل البلاد بحسب دراسات علمية المركز الرابع دولياً في هذا الأمر.

لم يعد أيمن (48 عاماً)، الموظف في إحدى الشركات الخاصة، يؤمن بالزواج الذي وصفه بالمؤسسة "الفاشلة". مضيفاً، "أحبذ العيش مع من أحب برضى الطرفين، من دون قيود ومسؤوليات تفسد علينا حياتنا".

ويوضح مراد (40 عاماً) عاطل من العمل، "تخرجت في الجامعة في سن الـ 26، واشتغلت في مهن لا علاقة لها بتخصصي، وأنا اليوم لا أستطيع الزواج وبناء أسرة لأن دخلي لا يسمح بذلك".

ترى لبنى (35 عاماً) وهي مهندسة معمارية، أنها لا تشعر بالعنوسة، ونجاحها في العمل اليوم من أولوياتها، لكنها من جهة أخرى تعتقد أن "الزواج في حد ذاته ليس هدفاً، وطموحها إيجاد الزوج المناسب الذي يمكن أن تواصل معه حياتها وتنجب منه أطفالاً".

وفي دراسة لـ"3CEtud"، وهي شركة إحصاء خاصة، تناولت الأسباب الكامنة وراء ارتفاع نسبة العزوبية في تونس، تبّين أن مدة الدراسة وصعوبة العثور على عمل وارتفاع تكاليف الزواج وسعي بعض الشباب إلى الحفاظ على استقلاليتهم، مع سهولة العلاقات الحميمية خارج الزواج، تشكل أهم العوامل.

 

 

تغير العقليات

في هذا الصدد تقول عضو اتحاد المرأة التونسية، دارين خليفة، "إن سن الزواج في تونس يمتد من سن 25 عند انتهاء المشوار الأكاديمي وحتى الـ 35، حتى الحصول على وظيفة إذا وجدت".

وأرجعت أسباب تأخر الزواج في بلدها إلى "تغيّر عقلية المرأة التي أصبحت تبحث أكثر عن استقلاليتها المادية من خلال إتمام دراستها وضمان فرصة عمل". وتضيف، "أن الزواج لم يعد ضمن أولويات الشاب أو الشابة، على الرغم من أن الرغبة في بناء أسرة لا تزال قائمة".

ويرجع بعض الخبراء تفشي الظاهرة إلى ضعف الإمكانات المادية وتدهور القدرة الشرائية، في ظل ارتفاع كلفة الزواج التي تتجاوز 5 آلاف دولار، كحد أدنى من دون احتساب السكن.

في حين تعتبر فئة أخرى أن غياب الالتزام بالقواعد الأسرية والضوابط الاجتماعية، أحد أهم الأسباب التي جعلت الشباب التونسي يرفض الزواج أو يهابه.

في المقابل، يجمع علماء النفس والاجتماع على أن الجنس هو المحرك الأساس في عملية الزواج. وتغير نظرة المجتمع تدريجياً نحو ممارسته خارج هذا الإطار، إذ لم يعد من الممنوعات أو المحاذير، مما ساهم في الهرب من علاقاته الرسمية. وبحسب دراسة أعدها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في تونس، فإن 75 في المئة من الشباب بين 15 و25 سنة مارسوا الجنس خارج إطار الزواج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"توقع الفشل" يؤخر الزواج في الجزائر

لعُقود مضت، رضخ الزواج في الجزائر لعادات المجتمع وتقاليده التي حددت أعماراً مضبوطة لمغادرة الفتاة بيت أهلها في متوسط العشرين، من دون النظر إلى أعمار الجنس الآخر، حتى وإن كان متزوجاً أو شيخاً بأحفاده، بناء على معتقد سائد بأن "الفتاة تخرج مرتين، الأولى إلى دار الزوجية والثانية إلى قبرها". ولا يزال ذلك سارياً في بعض المناطق النائية البعيدة عن صخب المدينة وضوضائها.

في العقد الماضي، أفلت هذا الملف من مخالب المجتمع على مضض، وانتقل إلى سلوكيات فردية رفعت شعار الدفاع عن خياراتها في الحياة وإعادة ترتيب سلم الأولويات، الذي يشمل الدراسة والولوج إلى سوق العمل قبل تبني الخطوة الثالثة وهي الزواج، بعد أن يتوافق الشريك مع خيارات شريكته، ويستسيغ طموحاتها وأهدافها المهنية والعلمية.

خطوط وشروط

هذه الخطوط التي رسمتها النساء، يعتبرها الرجال شروطاً، ولا يتقبلها كثيرون منهم بداعي أنها تتماشى مع عقلية المجتمعات الغربية التي تدافع وهماً عن حقوق المرأة وفق اعتقادهم، وتقودهن إلى التمرد على عادات مجتمعهن المحافظ وتقاليده، فكانت النتيجة عزوف الرجال وعنوسة النساء، وإن كان العزوف بات يشمل الفتيات أيضاً.

انفتاح الجيل الجديد من الشباب وإعادة ترتيب أولوياتهم لا يجعلهم في منأى عن نظرة المجتمع التي تجلد النساء اللواتي فاق سنهن الـ 30 ولم يتزوجن. فالانتقادات تلاحقهن من كل مكان، ويتعرضن للعنف اللفظي والمعنوي والسبب أنهن عوانس، أو كما يفضل المجتمع تسميتهم بـ "البايرات"، وهي كلمة قاسية جداً.

تمارس بعض العائلات ضغوطاً رهيبة على بناتهن بسبب نظرات محيطهن الحارقة، التي ترى في المرأة غير المتزوجة كأنها ناقصة بحاجة إلى رجل حتى تحظى بالتقدير. ويتسبب هذا الواقع المرير في عزلة فتيات عن أسرهن، فتقررن عدم حضور الحفلات واللقاءات العائلية تجنباً للسؤال المتكرر "ماذا تنتظرين للزواج؟"، تقول الشابة مريم من ولاية وهران غرب الجزائر.

في المقابل، ترى حكيمة، من الجزائر العاصمة، أن "الزواج في مجتمعنا له موانعه"، ذاكرة اثنين منها، "أولهما مادي بحكم انعدام السكن المنفرد الذي بات يشبه شرطاً للجنسين تجنباً للمشكلات العائلية، ولأن البلد عموماً يعاني سياسة إسكان فاشلة، فلم نصل إلى مرحلة حق الشاب في السكن لأن السلطات العامة لا تزال تمنح الأولوية لسكان القصدير".

المشكلة الثانية معنوية، إذ يعود تأخر الشباب في الزواج إلى ارتفاع نسبة الطلاق والخوف من تكرار التجربة الفاشلة نفسها، يضاف إليها تراجع سن الرشد لدى الإناث والذكور على حد سواء. ففي وقت سابق كان سن الـ 18 المناسب لتحمل مسؤولية تكوين أسرة، أما اليوم فبات يصنف في خانة المراهقة فعلياً. تضيف، "أعتقد أن نظرة المجتمع إلى الزواج تتغير تدريجياً، فبعدما كان الأمر بمثابة الإلزام، باتت لكثرة الطلاق مبررات لكل فرد يتأخر في الزواج".

أسباب متشعبة

تبدو أسباب العنوسة والعزوف عدة ومتشعبة، إذ ترتبط بعدم استعداد الطرفين لبناء أسرة، إضافة إلى الاستناد لنماذج فاشلة من سوء الاختيار. فالرجل يرى الشكل الخارجي ويبني عليه تصوراته واعتقاداته، أما الفتاة فتنظر إلى الجانب المادي وفق الشباب، إضافة إلى عدم تحمل الأول المسؤولية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تمنح لهما فرصة "الاستئناس الافتراضي" وهي ظاهرة تتفاقم.

ويطلق مصطلح "عانس" على الجنسين، لكنه في المجتمع الجزائري، تقول أستاذة علم النفس الاجتماعي رقية منحور، "استثنى الرجل لأسباب اجتماعية وعادات وتقاليد تنظر بدونية إلى المرأة، مع أن التأخر في الزواج يُحدث اضطرابات نفسية للرجل كما المرأة".

وتفسر تأخر الزواج اقتصادياً بسبب تكاليفه الباهظة، ما يُسبب للرجل نوبات الخوف من التقدم إلى خطبة فتاة، ويتوقع في مخيلته الفشل بالنظر للتحولات المجتمعية التي تفصح عن أرقام كبيرة للطلاق، إذ تكشف إحصاءات رسمية عن تسجيل أكثر من 68 ألف حالة سنوياً في البلاد، بمعدل حالة كل ثماني دقائق.

تضيف، "حاجة الرجل إلى الزواج وتكوين أسرة هي نفسها للمرأة، لكن هناك أسباباً أخرى لعزوف أو عنوسة الرجل أهمها التقدم في السن بشكل يجعله يتخوف من عدم الإنجاب".

بناء على هذا المعطى، فإن التغيرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية تعد من أسباب العزوف لدى الرجال التي يعرفها المجتمع الجزائري عموماً، كما أن خروج المرأة إلى العمل واستقلاليتها تخيف الرجال أكثر. في حين يتحجج البعض، وفق منحور، "بعدم العثور على المرأة المناسبة، لكن هناك قطاعاً واسعاً يبحث عن امرأة ترضيه وترضي عائلته تجنباً للمشكلات".

بعيداً من المصطلحات، فإن الواقع يشير إلى أن الارتفاع المستمر في نسبة العنوسة التي لم تعد حكراً على النساء، من شأنه أن يهدد بنية المجتمع وتماسكه نتيجة الآثار المترتبة عنه.

 

 

التعليم والبطالة يؤخران الزواج في المغرب

حتى أواخر القرن الـ 20، كانت ولا تزال تنعت المغربية التي بلغت الثلاثينيات من عمرها ولم تتزوج بعد بـ"العانس"، في وقت كان معدل سن الزواج عند البنات هو العشرينيات. لكن مع التطور الذي عرفته مناحي الحياة، عبر تمسك عدد من النساء باستكمال تعليمهن، وإصرار بعضهن على متابعة الدراسات العليا، إضافة إلى الارتفاع الكبير في نسب البطالة، بخاصة عند الرجال، اتجه معدل سن الزواج إلى الارتفاع ومعه زادت نسبة العنوسة في المجتمع المغربي، في حين تغيرت النظرة العامة إلى المسألة، وأصبح وجود رجل وامرأة من دون ارتباط، شبه عادي.

تعتبر ثورية (48 عاماً) أن هناك مجموعة من العوامل التي حالت دون زواجها، بينها غياب عدد من القيم في المجتمع، وتدني مستوى الأخلاق بشكل عام، وبالتالي أصبح الزواج غير مبني على المودة بل على البراغماتية، الأمر الذي يتسبب في مشكلات تجعل المرء يعيد كل حساباته بخصوص مؤسسة الزواج، وبالتالي ربما العزوف عنها.

وتؤكد أن بعضاً ممن تقدموا لخطبتها كانوا إما عاطلين أو يشتغلون في أعمال ذات دخل محدود، لكن الحياة أصبحت تتطلب مصاريف يصعب على أصحاب المدخول القليل تحملها، وبالتالي اختارت العيش من دون زواج مخافة عدم القدرة على تلبية حاجات عائلة بكاملها.

إحصاءات

ارتفع أخيراً متوسط عمر الزواج لدى المغاربة من الجنسين بنحو ثماني سنوات، إذ كان خلال فترة الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي يناهز 17 عاماً بالنسبة إلى النساء، و24 عاماً للرجال. لكن عام 2018، بلغ 31.9 عاماً عند الرجال و25.5 عند النساء، وفق إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط، التي أرجعت السبب إلى الانتقال من ثقافة الزواج المبكر إلى الزواج المتأخر في الوسطين الحضري والقروي، بشكل متزامن مع وجود نسبة أكبر في الأول.

وسجلت أعلى مستويات العزوبية لدى الإناث عام 2014، بنسبة وصلت إلى  24 في المئة ممن تتراوح أعمارهن بين 30 و34 عاماً، إضافة إلى أن العزوبة المزمنة أصبحت تهدد 11 في المئة من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 45 و49 عاماً. وبلغ متوسط عمر الزواج آنذاك 31.3 عاماً عند الرجال، و25.7 عاماً لدى النساء.

استكمال التعليم

تصر كثير من المغربيات على استكمال تعليمهن، بما في ذلك التعليم العالي، الذي يتطلب نحو ثماني سنوات من الدراسة بعد نيل شهادة الثانوية العامة، وهو ما أثر بدوره في تأخر سن الزواج لديهن.

تؤكد رشيدة (50 عاماً)، وهي طبيبة، أن إصرارها على استكمال دراستها في مجال الطب، مع احتمال عدم تمكنها من الزواج، لم يمنعانها من العدول عن حلمها المهني، معتبرة أن عدم زواجها يعود إلى رفضها بعض العروض التي يغيب فيها شرط التكافؤ الاجتماعي والثقافي، مشيرة إلى المثل الفرنسي "أن تكون وحيداً خير من أن تكون رفيقاً لشخص غير لائق".

قلة فرص العمل

من بين الأسباب الأساسية لتأخر الزواج أو عدم حصوله في المطلق، الارتفاع الكبير في نسب البطالة عند الشباب في المغرب خلال السنوات الماضية.

تساءل محمد (48 عاماً)، كيف له أن يتزوج وهو عاطل، مؤكداً أنه يتكل في مصاريفه اليومية على والديه، "فهل أتزوج وأنجب أطفالاً وأكوّن أسرة لكي يعيلها والداي أيضاً؟".

وصلت نسبة البطالة في المغرب إلى 10.5 في المئة من إجمالي القوى العاملة، خلال الربع الأول من عام 2020، إذ زاد عدد العاطلين من العمل بمقدار 208 آلاف فرد مقارنة بالعام الماضي، وفق إحصاءات مندوبية التخطيط. ووصل إجمالي عدد العاطلين في نهاية مارس (آذار) الماضي إلى 1.292 مليون فرد، بعد أن كان في حدود 1.084 مليون في الربع الأول من عام 2019.

وبلغت البطالة عند الإناث 14.3 في المئة، مقابل 9.3 في المئة عند الذكور، فيما ظلت النسبة لدى حاملي الشهادات الجامعية 17.8 في المئة، بينما لم تحصل كل ست من بين عشرة، على أية فرصة عمل في المطلق.

 

 

الظروف الاقتصادية ترفع نسبة العنوسة في لبنان

أثّر الوضع الاقتصادي الذي يمر به لبنان خلال السنوات الأخيرة في الحياة الاجتماعية بكل أنواعها، فظاهرة "العنوسة" مثلاً لم تعد تقتصر على النساء، بل أصابت الرجال أيضاً. وخلال جولتنا اتضح أن كلمة "عنوسة" أزعجت البعض، إذ رفضوا الحديث لـ "حساسية الموضوع"، أما آخرون فتحمسوا للكلام حول هذا الموضوع، شارحين أسباب تأخرهم في الزواج.

زياد علامة (38 عاماً)، يرى أن "الزواج بات صعباً في لبنان إلا إذا كان الفرد محظوظاً جداً، ولديه عقار أو منزل ورثه من أهله". يضيف، "في الماضي كانت العملية أسهل، إذ كانت الطبقة الوسطى تتمتع بكثير من الصلاحيات، خصوصاً أن الأهل يساعدون أولادهم، أو من الممكن أخذ قرض من المصرف، لكن بعد الأزمة الاقتصادية بات الأمر يشكل تحدياً".

ويشبه علامة الزواج بـ "إنشاء مؤسسة تجارية"، معتبراً أنها "تحتاج إلى رأس مال ضخم للبدء بتفعيلها، خصوصاً أن غالبية النساء متطلبات"، مشيراً إلى أن نمط عمله في الوقت الحالي يتطلب كثيراً من المجازفة، ولا يزال غير جاهز للزواج، لأن هناك كثيراً من الأشياء التي ينوي تعلمها وتحقيقها ليكون قادراً على تحمل المسؤولية الجديدة".

في المقابل، يعتبر أنور نجم (28 عاماً)، أن "فكرة الزواج في هذه الفترة أصبحت صعبة جداً، إذ إن الوضع الاقتصادي الخانق أجبر الفرد على التركيز في تأمين حاجاته وتحقيق ذاته، وخصوصاً مع موجة غلاء الأسعار"، مشيراً إلى أنه عندما كان صغيراً كان يرى أن الـ "25 هي السن المناسبة للزواج، بينما اليوم، وفي ظل الظروف، أدركت أنه لا يوجد أي عمر محدد، بل إن العمر المناسب هو عندما يكون الفرد جاهزاً".

وفي حال تم الارتباط، يؤكد أنه يريد "فتاة متعلمة ومتحررة ولديها الخبرة الكافية في تحمل المسؤوليات، والمساعدة باتخاذ القرارات البناءة للمساعدة بنهضة العائلة".

من جهتها، تقول طالبة العلوم السياسية كيندا الهاشم (31 عاماً)، "من الطبيعي أنني أفكر بالزواج وتأسيس عائلة مكتملة، إلا أنني أرى أن العلم والعمل مكونان أساسيان في تحقيق ذاتي أولاً قبل الخوض بهذه المؤسسة، خصوصاً أن الأم تكون مقيدة أكثر بعملها المنزلي، وفي تربية الأولاد في مجتمعنا الشرقي. وأبحث اليوم عن الرجل الذي يمكنه أن يكملني وأكمله، وإلا أفضل البقاء وحدي".

وعن آخر إحصاءات نشرت عام 2018 في لبنان، يقول المدير العام لـ "شركة ستاتيستكس ليبانون"، ربيع الهبر، إن "نسبة العنوسة في لبنان تتوزع على الفئات العمرية كالتالي، 98 في المئة يحتلها الذكور بين 20 و24 عاماً، بينما النساء العانسات في هذه الأعمار يسجلن 83 في المئة. أما من هم بين 35 و39 عاماً، فالنسبة مرتفعة لدى الذكور أكثر من النساء، وهي 24 في المئة لدى الذكور، والنساء 20 في المئة، وتنقلب المعادلة بعد سن 45، إذ تفوق نسبة النساء غير المتزوجات نسبة الرجال، أي 8 في المئة لدى الرجال، و16 في المئة لدى النساء"، معتبراً أن "هذه الأرقام تؤكد النزعة إلى تأجيل الزواج لدى الرجال أكثر من النساء، نظراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية".

من جهة ثانية، يرى المتخصص في العمل الاجتماعي، رائد محسن، أن "التأخر في الزواج لدى الإناث والذكور يعود إلى سببين رئيسين، الأول اقتصادي، ويتعلق بالأزمات التي يمر بها العالم، خصوصاً لبنان، إن كان من ناحية المداخيل أو قيمة الإيجارات وأسعار العقارات. والثاني اجتماعي- مهني، فالشاب والفتاة في لبنان اليوم بغض النظر عن الحال المادية والاقتصادية، مشغولان بتحسين المستوى العلمي والمهني، إذ إن المهنة والنجاح الوظيفي أصبحا أولوية لدى عدد من النساء، ولم يعد هم الفتاة الأول تأسيس عائلة، بل ربما أصبح هدفاً ثانياً بعد تثبيت وتمكين نفسها على المستوى الأكاديمي والمهني كما هو معهود على الرجال". ويعتبر أن "الشعور بالأمان بحياة زوجية مستقرة يتطلب استقلالية اقتصادية ومادية لدى الطرفين، فلذلك تأخرت سن الزواج".

أما عن نظرة المجتمع اللبناني، فيرى محسن أنها "في حال تحول تجاه النساء، فلم يعد نجاح المرأة مرتبطاً بحظوظها في إيجاد عريس، بل أصبحت هناك طموحات أخرى، وأولها تحقيق الاستقلالية الاقتصادية"، مشدداً على "ضرورة ألا تقدم الفتاة على الزواج قبل سن الـ 25".

 

 

"العنوسة" شبح في مصر

منة (32 عاماً)، كثفت جهودها على مدى عامين كاملين للعثور على فرصة عمل خارج مصر هرباً من "متى نفرح بك؟"، أما إيمان (29 عاماً)، فنقلت مقر عملها من أقصى شرق القاهرة إلى غربها حتى تجد حجة تأجير شقة إلى جوار العمل البعيد، حفاظاً على سلامها النفسي من "ألا يوجد شخص واحد مناسب في العمل تتزوجينه؟"، بينما يسرا (30 عاماً)، سجلت لدراسة الماجستير كمهرب مؤقت من ضغط الأهل والأقارب والجيران وحارس العقار وزوجته، للهرب من أسئلة "ابن الحلال" العصي على الظهور في حياتها.

في المقابل، تزوجت "ياسمين" وهي في سن الـ 34 عاماً لتلحق بالمحطة الأخيرة لقطار الزواج على الرغم من أنها لا تطيق زوجها الذي أصبح طليقها بعد عام واحد من الزواج. أما ليلى (30 عاماً)، فقد اختصرت طريق الضغوط المباشرة وغير المباشرة لـ "إنقاذها" من وحش العنوسة المخيف، وأوصت دوائر الأصدقاء والصديقات لمساعدتها في إيجاد زوج مناسب. وهي عبارة مطاطية توحي بأنها مفهومة، لكنها في واقع الأمر تعني أشياء محددة تختلف من شابة لأخرى. فبينما بعضهم يعتبر الحب والقبول والاشتياق تعريفاً لـ "زوج مناسب"، يعتبر آخرون التدين والأصل الطيب والتنشئة الملتزمة التعريف الوحيد المعترف به لـ "المناسب". فريق ثالث يعتبره المرتاح مادياً، وتعني أنه يمتلك شقة غرفتين وصالة، واقتناء ما لا يعد أو يحصى من أموال وأراض وعقارات وأعمال.

العمل بمقولة "ظل رجل ولا ظل حائط" بين الشابات المصريات، ربما يكون الزمن عفا عليها، لا سيما في المدن وبين الفئات الأعلى تعليماً. لكن في القلب والعقل يظل حبيس القلب ولو بعد 100 عام وعشر شهادات. شبح العنوسة مازال يحلق في فضاء المجتمع المصري، إن لم يكن قولاً ففعلاً، وإن لم يكن هذا أو ذاك، فيبقى هاجساً في القلوب. ومع الهاجس تأتي أفعال وأفكار وقرارات تتأثر به من دون أن يدري صاحبها.

قوالب ثابتة

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تيقّن من القوالب الثابتة والأفكار الجامدة والتعبيرات الجائرة، فأشار في الإحصاء الأحدث الصادر في عام 2019 عن نسب "العنوسة" في مصر إلى أنها "تعبير عام يستخدم لوصف الأشخاص الذين تعدوا سن الزواج المتعارف عليه في كل بلد، والبعض يظن أنه مصطلح يُطلق على الإناث فقط من دون الرجال، لكنه يطلق على الجنسين".

المهندس خالد مصطفى (36 عاماً)، يبتسم ابتسامة صفراء وهو يشير إلى أن "كلمة العنوسة بكل تصريفاتها سخيفة، وتعكس تدخلاً من المجتمع في أدق التفاصيل الشخصية لحياة الأفراد، ويكفي أن الكلمة سلبية وتعني أن هناك نقصاً أو عيباً ينبغي إصلاحه".

مصطفى، يلقبه أهله وأقاربه بـ "عانس العائلة". وعلى الرغم من أنهم يستخدمون العبارة على سبيل التفكّه، فإنها ترتكز على ثقافة مجتمعية تقوم على أن الزواج ضرورة وسمة حياتية، ولا تكتمل حياة الفرد من دونه، ولو كان على سبيل "شرّ لا بد منه".

لكن الشرور الأكبر والآثار النفسية الأعتى من نصيب الإناث اللاتي "تعدين سن الزواج". وعلى الرغم من أن هذه أيضاً عبارة مطاطية أخرى، فإنه جرى العرف على أن الفتاة التي تعدت منتصف العشرينيات من دون أن تتزوج هي "مشروع عانس"، يتحقق كلية بإطفائها الشمعة الـ 30.

حق تقرير المصير

وبحسب التعداد السكاني الأحدث في 2017، فإن عدد الذكور الذين لم يتزوجوا في سن 35 سنة فأكثر، بلغ نحو 687 ألف شخص، بنسبة 5.4 في المئة من إجمالي ذكور هذه الفئة. وبلغت النسبة بين الإناث في المرحلة العمرية نفسها 3.3 في المئة. وترتفع النسبة في المدن أكثر من القرى، وهو ما يعود إلى ارتفاع مستوى المعيشة والضغوط الاقتصادية والمتطلبات الزواج المبالغ فيها، إضافة إلى ارتفاع مستوى التعليم ونسبته بين الإناث في المدن مقارنة بالقرى، مما يعني قدرة إناث المدن على التدقيق في الاختيار، وحق تقرير المصير مقارنة بإناث الريف.

مفهوم الزواج

إناث الريف والمدن المصرية والطبقات الثرية والفقيرة وما بينها يهيمن على أجوائهن وحياتهن بشكل أو بآخر المفهوم الشعبي المتوارث بأن "سترة البنت لا تتحقق وكيانها لا يكتمل إلا بالزواج".

مفهوم الزواج في المجتمع المصري يعاني تضارباً وتجاذباً وتعاركاً بين التمسك بتلابيب العادات والتقاليد من جهة، ومحاولة الانفتاح على الواقع والتغيرات الجذرية الحادثة في المجتمع من جهة أخرى. فبينما الأقلام والأصوات المتنورة تسطر وتصدح بتحذيرات من التنمر المقصود وغير المقصود بمن تعدى أو تعدت سن العشرينيات من دون زواج، لا سيما الإناث، واعتبارها مذنبة أو موصومة، تأتي عناوين المواضيع الصحافية مجذرة ومؤكدة وصمة عدم الزواج. "لقب مطلقة أفضل من عانس"، و"فوبيا العنوسة تهدد الفتيات"، و"عانس: لقب أم تهمة؟"، و"العنوسة خطر يهدد المجتمع"، و"المبالغة في شروط الأهل يرفع نسب العنوسة".

أما الدراما المصرية، فقد أدت دوراً هي الأخرى في الربط بين عدم زواج الإناث وتحولهن إلى "عوانس" موصومات. من فيلم "ابن حميدو" حيث الأخت الكبرى (الفنانة زينات صدقي) تقف عائقاً أمام زواج الأخت الأصغر والأحلى، إلى "أين عمري" ومعاناة الزوجة الشابة الجميلة ماجدة مع شقيقتي الزوج المتقدمتين في العمر و"العانستين"، إلى طبيبة الصيدلة الطبيبة علا التي أدت دورها الفنانة هند صبري، وتجاوزت الـ 30 من دون زواج في مسلسل "عايزة أتجوز"، ومعانتها في رحلة البحث عن عريس يخلصها من لقب العانس، ترسخ الدراما من دون أن تدري، وصمة تأخر سن الزواج أو قرار الامتناع منه.

النقد ممنوع

البحوث والدراسات الأكاديمية أيضاً ينطلق عدد منها من اعتبار تأخر سن الزواج أو قرار عدم الزواج سبّة في جبين صاحبته، ووصمة لها ولعائلتها، ويدور البحث في إيجاد حلول لمواجهة مشكلة "العنوسة" وليس إيجاد علاجات تغير المفاهيم المرتبطة بمنظومة الزواج وحرية الأفراد الشخصية.

قليلة وخافتة جداً هي الأصوات التي تتناول مفهوم عدم الزواج الاختياري أو الاضطراري، لا سيما بالنسبة إلى الفتيات، من منطلق نقدي وليس فرضياً، على اعتبار "العنوسة" معضلة والزواج حلاً.

 

زواج الأردنيين من أجنبيات يرفع العزوبية بين الإناث

مع ارتفاع متوسط أعمار المقبلين على الزواج من الجنسين في الأردن، وتزايد نسب العزوبية، ينظر متخصصون بقلق إلى إحصاءات رسمية تشير إلى وجود مليون امرأة عزباء و44 ألف مطلّقة في البلاد. ويرجع مراقبون أسباب هذه التغيرات الاجتماعية في الأسرة الأردنية إلى أسباب تقليدية وأخرى حديثة، إذ دخلت وسائل التواصل الاجتماعي على الخط، وسط تحذيرات من تداعي أركان "مؤسسة" الزواج في الأردن.

انخفاض ملموس

وفقاً للمدير التنفيذي لجمعية معهد تضامن النساء الأردني، منير ادعيبس، شهدت الأعوام الماضية انخفاضاً ملموساً في عقود الزواج المسجلة في الأردن، ورافق ذلك ارتفاع في متوسط عمر الزواج لدى الإناث والذكور على حد سواء.

ويؤكد ادعيبس وجود مشكلات جدية تستدعي التحرك السريع والفعال لمواجهتها، خصوصاً عندما يتم الربط بينها وبين المستويات غير المسبوقة لمعدلات الفقر والبطالة والتغيرات الديمغرافية والاجتماعية، إضافة إلى خروج الإناث من سوق العمل وارتفاع نسب تعليم الفتيات في الأردن، إذ يفضل كثير من الأهالي تأجيل زواج بناتهن إلى حين انتهاء تعليمهن. وتشير آخر الإحصاءات الرسمية إلى أن نحو 56 في المئة من الأردنيات و54 في المئة من الأردنيين متزوجون.

إقبال على الزواج خلال كورونا

وخلافاً لما كان متوقعاً، أسهمت جائحة كورونا في ازدياد الإقبال على الزواج بين الشباب الأردني، نظراً لانخفاض الكلف والتنازل بشكل اضطراري عن كثير من المتطلبات والشكليات التي كانت موجودة سابقاً، على رأسها حفل الزفاف والسفر.

وسجلت دائرة قاضي القضاة في المحكمة الشرعية نحو 8200 حالة زواج خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الجائحة عام 2020. ودفع فقدان الأمل بعودة الحياة الطبيعية، خصوصاً مع الانتكاسة التي سجلها الأردن في عدد الحالات، كثيرين إلى حسم قرار الزواج من دون مظاهر احتفالية. وساهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة للأردنيين عموماً، في ذلك.

يفضلونها موظفة

يرصد متخصصون أن من أسباب العزوبية والعزوف عن الزواج في الأردن، تفضيل كثير من الشباب الارتباط بفتيات موظفات لمساعدتهم في تحمل أعباء الحياة الزوجية، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء المهور.

وفيما يفضل بعضهم تسمية هذه الظاهرة بزواج المصلحة، يذهب آخرون بعيداً في الحديث عن تفضيلهم الزواج بالمعلمات على وجه التحديد، باعتبار التعليم أكثر مهنة مناسبة للمرأة من حيث عدد ساعات العمل والدخل المادي، فضلاً عن كونها المهنة الأكثر إقبالاً منهن.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة العاملين الذكور في القطاعين العام والخاص بلغت 74.2 في المئة، مقابل 25.8 في المئة من الإناث. ونسبة العاملات في التعليم نحو 65 في المئة.

أسباب عدة

الأرقام الرسمية المسجلة في الأردن منذ العام 1979 حتى الآن، توضح أن معدل العزوبية بين الفتيات في ارتفاع، إذ تضاعفت أعداد اللواتي تجاوزت أعمارهن الـ 30 من دون أن يسبق لهن الزواج، بمعدل 15 مرة خلال العقود الأربعة الأخيرة.

وبين فتيات الأردن اللواتي في سن الزواج، نصفهن تقريباً لم يتزوجن، فيما إجمالي عدد من هنّ دون الـ 35 سنة ولم يتزوجن نحو 150 ألفاً.

ويقول متخصصون إن من أسباب ارتفاع العزوبية بين الإناث لجوء الشباب إلى الزواج من أجنبيات، كما أن اللجوء السوري إلى البلاد أسهم بشكل ما في رفع عزوبية الإناث بعد إقبال الأردنيين على الزواج من فتيات اللجوء.