Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانهيار في لبنان استراتيجية منظمة

ثمة من ينتظر انفراط عقده، لكن هل يلقى مصير قطاع غزة؟

 صادف راكب سيارة أجرة في بيروت سائقاً يستمع إلى راديو إذاعة "النور"، وهي توأم قناة "المنار"، ذراع "حزب الله" الإعلامية. فتناهى إليه (الراكب) قول ضيف الإذاعة، وهو أستاذ جامعي، أن "حزب الله " فشل في مكافحة الفساد، وأن البلد يعيش انهيارات صغيرة وأن الانهيار الكبير قادم ومُنتظر. ولكن كيف للانهيار أن يُنتظر وتُعبد الطريق أمامه؟

ربما ذلك وثيق الصلة بمرحلة إنقاذ نظام الأسد "اقتصادياً" بعد سعي "حزب الله" إلى إنقاذه عسكرياً وتعثره في ذلك ما حتم التدخل الروسي في أيلول (سبتمبر) 2015. فإلى شبكات تهريب الدولار (قيمته في السوق أكثر من 4 أضعاف سعره الرسمي المدعوم) ومواد أولية (المازوت والطحين والأدوية) يدعمها مصرف لبنان بملايين الدولارات، يبدو أن القرار بوأد لبنان يسري على قدم وساق.

غزة نموذجاً

بعد الانهيار الكبير على ما بشر "الخبير العظيم"، على قول السائق، المستمعين، ستعرض دول العالم على لبنان صفقة كبيرة، فهي لن تتركه لمصيره لأنه على حدود فلسطين على قوله. لكنه يُغفل أن نموذج غزة يلوح في الأفق بعيداً عن مثل هذه الصفقة الكبيرة. فالقطاع، ولا يخفى أنه جزء من فلسطين على مشارف إسرائيل، يختنق ولم يمد أحد اليد لإنقاذه أو عرض صفقة عليه. فهو محاصر منذ أكثر من عقد، وقرعت الأمم المتحدة منذ 2012 ناقوس الخطر قائلة إنه لن يكون صالحاً للعيش في 2020. وأفاد تحقيق نشرته صحيفة "أوبزرفر" البريطانية في سبتمبر (أيلول) 2019 بأن معدلات البطالة بلغت في القطاع 53 في المئة، وترتفع إلى 69 في المئة في أوساط الشباب الذي يسلك طريق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا في قوارب الموت.

 فماذا عن لبنان؟ هل هو في حال أفضل؟

الأنباء عن قوارب الموت في لبنان توالت في الأشهر الأخيرة، والتضخم المالي بلغ مستويات مرتفعة والبطالة تتفشى وخسر اللبنانيون قدرتهم الشرائية ومدخراتهم المصرفية وتراجع مستوى معيشتهم، ونبّهت لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا، "الإسكوا"، في أغسطس (آب) إلى أن أكثر من نصف سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر بعد تضاعف نسبة الفقراء وبلوغها 55 في المئة في عام 2020 بعد ما كانت 28 في المئة في 2019. وتقول "الإسكوا" إن نسبة من يعانون الفقر المدقع تضاعفت ثلاثة أضعاف في عام واحد. وارتفع سعر السلع الغذائية 4 مرات. ولم تعد اللحمة الحمراء في متناول كثر من أبناء الطبقة الوسطى في لبنان بعد ما ارتفع سعر كيلو لحم البقر إلى 65 ألف ليرة (نحو 43 دولاراً أميركياً بحسب السعر الرسمي للدولار المدعوم وحوالى 8 دولارات بحسب سعر السوق) ولحم الغنم إلى 92 ألف ليرة. أما الرواتب بالليرة اللبنانية فهي على حالها، في وقت يبلغ الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة وتراجعت قيمته نحو 80 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى وقت قريب كان مثار دهشة كلام المصريين في مسلسلاتهم عن اللحمة بصفتها وجبة بعيدة المنال في أوساط الفقراء إلى حد حسِب معه كثير من اللبنانيين أن الفقر في بلادهم غير مدقع و"مختلف" وأنهم في حال أفضل. لكن كل هذا الحسبان تداعى على الرغم من دعم مصرف لبنان أسعار السلع الغذائية. إلا أنه دعم لن يدوم وسيُرفع على ما أعلن مدير البنك المركزي اللبناني، رياض سلامة، أكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة. وثمة من يدعو إلى ترشيد الدعم وبعض آخر منهم نواب سابقون إلى بطاقة تموينية توزع على الفقراء.

قبل أشهر وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسؤولين السياسيين في لبنان بـ"الخونة" لأنهم لا يحرّكون ساكناً لانتشال بلادهم من الغرق لا بل يعرقلون مساعي الإنقاذ، ورأى جان إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسية، أن لبنان مثل [سفينة] تايتانيك تغرق.

لكن يبدو أن سياسة الغرق هي "استراتيجية منظمة" عن سابق تصور وتصميم تحوّل فيها لبنان إلى لقمة سائغة، فمصابه تُرتجى منه الفوائد في طهران ودمشق بحسب ما يعتبر كثير من اللبنانيين. والأرجح على الظن أن يكون انتظارهما عقيماً ويُترك هذا البلد لمصيره التعس. 

المزيد من تحلیل