خيوط العنكبوت

الانقلابيون قد يظهرون على مسرح الأحداث كأصحاب مبادئ ومصلحين ولكنهم في النهاية يقعون في فخ السلطة

جانب من مظاهرات السودانيين ضد الرئيس السابق عمر البشير (رويترز)

في عام 1989 جاء عمر حسن البشير الى سدة السلطة بالتحالف مع حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية، في انقلاب عسكري ضد حكومة الصادق المهدي المنتخبة في أعقاب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بجعفر النميري عام 1985، وانقلاب عبد الرحمن سوار الذهب الذي تعهد بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة خلال عام، وهو ما حدث فعلا عام 1986.
جاء انقلاب عمر البشير وحسن الترابي تحت مسمى (ثورة الإنقاذ الوطني)، وهي الثورة التي رقص السودانيون في الشوارع في عام 2019 احتفاء بالتخلص من ثلاثين عاما من الفساد والاستبداد.

والحقيقية أن كل الانقلابات العسكرية في عالم العرب، وغير عالم العرب، إنما تأتي بشعارات تدور حول الوطنية، والقضاء على الفساد والاستبداد وقمع الحريات، ولكنها في النهاية تنكفئ على نفسها، ويتحول القائمون عليها إلى (نخبة) تستأثر بكل شيء: السلطة والثروة والنفوذ المجتمعي. وانظر حولك في عالم بني يعرب: ففي العراق مثلا قامت ثورة عام 1958 ضد نظام ملكي كان العراق في عهده يتمتع بمكانة اقتصادية وسياسية متينة، ثم توالت سلسلة (الثورات)، فثار الرفاق على بعضهم في أعوام 1963 و1968، 1979، ورغم الازدهار الاقتصادي الذي عاشه العراق خلال سنوات حكم صدام حسين ( 1973 – 2006) الى ما قبل غزو الكويت عام 1990، إلا أن القمع والاستبداد والمغامرات العسكرية الخارجية أدت إلى حال العراق اليوم من فساد سياسي واقتصادي وطائفي.

وفي سوريا منذ انقلاب حسني الزعيم (1897 – 1949) على شكري القوتلي (1891  -1967 )، والذي كامن عام 1949، والانقلابات لم تهدأ في سوريا، حتى جاء انقلاب حافظ الأسد (1930 – 2000)، فأمسك بسوريا بقبضة من حديد ودم وها هو حال سوريا اليوم نتيجة تراكمات الانقلابات المتتالية.

وفي مصر جاء انقلاب 23 يوليو (تموز) عام 1952 (الحركة المباركة، ثم ثورة يوليو) كأشهر (ثورة) عربية وطنية وقومية ضد الفساد والاستبداد وقمع الحريات، فإذا بها تغرق في ذات الوحل الذي رفصته شعارا وحل الفساد والقمع، وإذا بمصر التي كانت في خاطري على رأي السيدة أم كلثوم، قد أصبحت مصر التي كانت وكفى.

قد يقول القائل هنا: وماذا بشأن (انقلاب عبد الفتاح السيسي على مرسي) بعد ثورة يونيو (حزيران) الشعبية عام 2013. ونجاحه في انتخابات 2014، كما نجح جمال عبد الناصر (1918 – 1970)، في انتخابات 1956 من الناحية التقنية البحتة؟ فإن ما قام به عبد الفتاح السيسي الذي لاحظ أن كل شيء "يتأخون" (من الإخوان المسلمين) في مصر سياسة واجتماعا وثقافة، ولو لا الانقلاب الذي جاء في وقته وفق قناعاتي، لرأينا مصر اليوم وهي مزرعة إيرانية، ولرأينا داعش وبقية الملشيات الإسلامية تعيث فيها فسادا.

كان انقلاب السيسي بدعم من ثورة شعبية هي ذاتها التي اقتلعت مبارك، وأعضاء النخبة السابقة من السلطة في يناير (كانون أول) عام 2011، وكنت أفضل لو أن السيسي لم يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة، وأن يكون عبد ارحمن سوار الذهب آخر، وقد كتبت رأيي هذا في جريدة الشرق الأوسط حين بدأت المؤشرات تتنبأ بذلك، ولكن يبقى السؤال: من كان من الممكن أن يجابه القوى المنظمة للإخوان غير المؤسسة العسكرية؟
كل المؤسسات والأحزاب المصرية فقدت فاعليتها منذ هيمنت الشمولية على مصر في أعقاب 1952، ولم يتبق غير المؤسسة العسكرية هي القادرة على مجابهة الأخطار التي تحيط بمصر بل وكل العالم العربي، من مخططات التنظيم العالمي للإخوان، وتلك "الفوضى الخلاقة" التي كان يبشر بها باراك أوباما ووزيرة خارجيته كوندليزا رايس.

وعودة الى موضوع الانقلابات في عالم العرب يمكن القول إن كل بلد عربي تعرض لحكم العسكر نجد أنه من سيء إلى أسوء، حتى وإن كان لديه من الثورات ما يفيض عن حاجته.

فها هي ليبيا التي كانت تسير حثيثا على دروب التنمية ، حولها معمر القذافي (1942-2011) الى دولة مصدرة للعنف، ووضع المؤامرات ضد جيرانها، وذهبت خيرات النفط شرابا لصحراء تشاد، ووقودا للجيش الجمهوري الأيرلندي وتبرعات أو لنقل مساعدات لهذه المليشيا ولتلك.أما الجزائر فمنذ أن استبد العسكر في الحكم منذ الاستقلال عام 1962، و"جبهة التحرير الوطني" هي الواجهة السياسية للعسكر وحكمهم، وهو حكم اتسم بالفساد والاستبداد الذي يقف وراء الحراك الشعبي الجزائري اليوم، وليس لمجرد إعادة ترشيح عبد العزيز بوتفليقة، الذي لم يكن ترشيحه إلا الشرارة التي أضرمت النار في الهشيم أو القشة التي قصمت ظهر البعير. وللمعلومية فإن الجزائر بلد نفطي واسع الثروات، ولكنه الفساد في الأول والأخير.
في أحد الأفلام العربية القديمة، وأنا أحب كثيرا ضرب الأمثلة في الأفلام والمسرحيات، فهي كثيرا ما تعبر عن الكوميديا العربية السوداء، وهو فيلم "خيوط العنكبوت"، (محمود ياسين ورغدة ونورا) يكون الفساد مستشريا في إحدى الشركات ويستغل مجلس إدارة الشركة هذا الفساد لتحقيق مآرب الخاصة لأعضاءه.
هنا يقرر عمال الشركة المستاؤون من الفساد دخول مجلس الإدارة عن طريق ترشيح أحدهم وأنزههم مع آخرين لانتخابات المجلس.
وفعلا يفوز هؤلاء في الانتخابات، ولكنهم لا يستطيعون فعل شيء نتيجة أخذ ألاصوات بالأغلبية، والأغلبية فاسدة. وهنا يحدث ما لم يكن في الحسبان، إذ تقرر الوزارة تعيين العضو المنتخب النزيه (محمود ياسين) لرئاسة مجلس الإدارة. في بداية الأمر يحاول رئيس مجلس الإدارة الجديد إصلاح ما أفسده الدهر وفقا للبرنامج الذي أعلنه للعمال، ولكن مع مرور الوقت يلتف حوله الفاسدون (خيوط العنكبوب) ويغرونه بالمصالح المادية ويزينونها له حتى ينغمس فيها ويصبح واحدا من "النخبة" المستفيدة، وفي النهاية ينكشف أمر فساده لينتهي أمره كما انتهى أمر سلفه.

هذه ببساطة. هي حكاية الانقلابات العسكرية. والانقلابيون قد يظهرون على مسرح الأحداث كأصحاب مبادئ ومصلحين، ولكنهم في النهاية يقعون في فخ السلطة وسحرها ويصبحون جزءاً من نخبة معزولة لا تدري ما يدور حولها، وتظن أن منتهىى العلم لديها حتى تفاجئها الأحداث، ويتبين أنها كانت في ضلال مبين. هذا ما حدث للبشير وغير البشير بعد أن التفت حولهم شرنقة السلطة. واليوم يتحول المجلس العسكري السوداني، بعد أن ضحوا بالبشير من أجل مصلحة النخبة إنهم سيعيدون السلطة للمدنيين، بغض النظر عن الفترة الانتقالية فهل يكونون من الصادقين؟ هل يكررون معجزة سوار الذهب الفريدة؟ أم أنهم على درب من سبقهم السائرون؟ بل إنه حتى تجربة سوار الذهب الفريدة لم تجد نفعا، وعادت الانقلابات الى السودان من جديد، فهل كتب على عالم العرب، إلا من رحم ربي وربك، أن يكون الانقلاب هو وسيلة التغيير ثم لا تغيير؟ ربما كان هذا سؤالا لموضوعات قادمة بحول الله.

المزيد من آراء