عمر البشير... "الانقلاب" يرتد إلى صاحبه

الرئيس السوداني المطاح به استولى على السلطة عام 1989 بدعم من الإسلاميين... وبات أول رئيس عربي تصدُر بحقه مذكرة اعتقال من "الجنائية الدولية"... وجنوب السودان انفصل فى عهده

بعمامته البيضاء ونظارته الطبية، وعصاه الخشبية، ظل ضابط المظلات السابق، الذي استولى على السلطة بانقلاب عام 1989، ممسكاً بالحكم نحو 30 عاماً، رفض خلالها الاستماع لآلام وآمال شعبه في التغيير، حتى علت الهتافات تطالب بالإطاحة به من معادلة الحلول الوطنية في بلده، وتم وضعه قيد الاعتقال بعد "انقلاب" آخر، ليتجرع من الكأس ذاتها التي كان حاملها قبل ثلاثة عقود، بعد تصاعد ثورة شعبية مناهضة لحكمه في الشهور الأخيرة.

هو عمر حسن البشير، الرئيس السوداني المطاح به اليوم، بإعلان من نائبه ووزير دفاعه الفريق أول عوض بن عوف، الذي قرر بدء فترة انتقالية، مدتها عامان برئاسة مجلس عسكري.

حياة البشير، المولود عام 1944 بقرية حوش بانقا الفقيرة شمال العاصمة الخرطوم، في الرئاسة جعلت السودان يشهد أحداثاً تكاد تكون الأصعب فى هذا البلد العربي الأفريقي، إذ لم يخل من الحروب الأهلية، والتمرد العسكري والجماعات المسلحة، فضلا عن واقع متصاعد من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية للسوادنيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فمع تولي البشير السلطة في السودان، الذي كان من أكبر الدول الأفريقية من حيث المساحة، خاض حرباً أهلية طويلة مع متمردين في جنوب البلاد، انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، وفقدان أكثر من 70% من نفط البلاد، وبهذا صار مهدداً كأول رئيس عربي بمذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية إثر اتهامات ينفيها بارتكاب جرائم حرب في دارفور.

من الثكنة إلى القصر

بخلفية عسكرية عتيقة، نالت القسط الأكبر من حياته بين ثكنات الجيش الذي التحق بصفوفه في سن مبكرة، تدرج البشير في دراسات العلوم العسكرية، في أعوام 1981، و1983، و1987، وبعد عامين في 30 يونيو (حزيران) 1989، قاد الانقلاب الذي دعمه الإسلاميون آنذاك على حكومة الصادق المهدي.

بداية البشير العسكرية جاءت بعد تخرجه في الكلية الحربية السودانية عام 1967، إذ خدم في الوحدة السودانية التي أرسلت إلى مصر للمساعدة في حرب الاستنزاف مع إسرائيل، التي بدأت بعد انتهاء حرب الأيام الستة. وعندما كان ضابطاً صغيراً في قوات المظلات، انضم إلى الجناح المسلح للحركة الإسلامية التي انفصلت عن جماعة الإخوان المسلمين وحكمت السودان منذ تولي البشير منصبه. وفي عام 1993 حلّ البشيرُ المجلسَ العسكريَّ، ليحكم السودان بقبضة من حديد.

ومنذ ذلك العام (1993) عانى السودان فترات طويلة من العزلة، عندما أضافت الولايات المتحدة حكومته إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب لإيوائها متشددين إسلاميين. وبعد أربع سنوات، فرضت واشنطن عقوبات على السودان. إذ لا يخفي البشير علاقاته مع تيار الإسلام السياسي، وهو ما أثر بصورة واضحة في حكمه، مع رفض التنازل عن علاقة الدين بالدولة، وازدادت إثارة لاسيما بعد صدامه مع قادة إسلاميين بارزين منهم الراحل حسن الترابي الذي دعمه للوصول لسد الحكم.

السودان الموحد ينفصل فى عهده

على مدار سنوات حكمه أدمن البشير اللجوء للخيار العسكري أحياناً كثيرة مع أزمات داخلية متصاعدة، وواجه أزمة الجنوب مع اشتداد الحرب الأهلية، هناك، غير أنه استجاب لضغوط إقليمية وأميركية، ووقّع اتفاقاً للسلام عام 1996، تلاه اتفاق جديد في 2002 منح الجنوب الحق في تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها 6 سنوات.

واستمر البشير في توقيع اتفاقيات حل أزمة الجنوب وأبرزها في 2005 عندما وقّع اتفاقَ سلامٍ، وتقاسم الثروة والسلطة بين الشمال والجنوب الذي حظي بحكم ذاتي، قبل أن يصوت الجنوبيون في استفتاء 9 يناير (كانون الثاني) 2011 لصالح الانفصال وإنشاء دولة "جنوب السودان".

البشير مطلوب دوليــّـاً

أزمة الجنوب على صعوبتها لم تكن الوحيدة، فقد تلقى أزمة كبرى ما زالت تلاحقه إلى الآن، على خلفية النزاع القائم في إقليم دارفور غربي البلاد، والذي دفع مجلس الأمن ابتداء من 2001 بإقرار مجموعة من العقوبات الاقتصادية على السودان، وحظر السفر على بعض المسؤولين السودانيين لاتهامهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور. قبل أن تأمر المحكمة الجنائية الدولية، في مارس (آذار) 2007 باعتقال مسؤولين سودانيين مقربين من البشير على خلفية نزاع دارفور، وهو ما فرضه البشير، قبل أن يدخل في لائحة المتابَعين في قضية دارفور، ففي 14 يوليو (تموز) 2008 صدرت بحقه مذكرة اعتقال بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة، ليكون حاملا اللقب كأول رئيس عربي يصدر بحقه اتهام كهذا، بعد خمسة أعوام من اتهامات المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي للبشير (2003).

لم تنته الأزمات التي تواجه السودان، لاسيما التي رُفع فيها السلاح ضد البشير، خاصة في مايو (أيار) 2011، عندما واجه اتهامات بتزوير الانتخابات في ولاية بجنوب البلاد، ما أجج حرباً سودانية بين أطراف الجنوب والغرب، حسمها البشير مجدداً بقوة التدخل العسكري الذي استطاع استعادة حقول بترول هجليج النفطية بعد هجوم من حكومة الجنوب في 2012.

وليس السلاح وحده الذي أرقّ البشير، فالخروج الشعبي الذي ظهر في 2013، كان أيضا مؤرقاً له، عقب مطالبات شعبية برحيله، أحبط بعدها محاولة انقلابية ضده في العام ذاته. ولم يجد البشير إزاء ذلك في 2014 إلا طرح مبادرة للحوار الشامل، مع القوى السياسية المعارضة، واستطاع بعد عام أن يفوز بنسبة 94.5% من الأصوات برئاسيات 2015.

نهايات البشير

لكن بعد 4 سنوات لم تسر الأمور كما أراد البشير، فمنذ نحو 4 أشهر، واحتجاجات السودان الذي لم يشارك بالموجة الأولى للربيع العربي إبان 2011، تتصاعد منددة بالغلاء، وبإسقاط حكم البشير.

ففي نهاية 2018، ارتفع معدل التضخم في السودان إلى 72%، وعجزت الحكومة عن سداد قيمة الواردات الغذائية. وفي الأشهر التي سبقت بدء الاحتجاجات، كان السودانيون يواجهون صعوبات في المواءمة بين الدخل والاحتياجات الأساسية. وحاولت الحكومة تطبيق إصلاحات، فخفّضت قيمة الجنيه السوداني وخففت قيود الاستيراد، غير أن هذه الإجراءات لم تصل إلى نتيجة.

وحين حاولت الحكومة طرح خبز غير مدعوم سرعان ما ارتفعت أسعاره، بالإضافة إلى أزمتي نقص الوقود والأوراق النقدية، انطلقت شرارة الاحتجاجات الأولى، التي تحولت إلى احتجاجات سياسية استهدفت مقار الحزب الحاكم وطالبت بتنحي البشير.

وخلال الأسابيع الأخيرة، ظل منتقدو البشير يُرجِعون إليه السبب في تهميش السودان وانهيار اقتصاده وانقسام دولته. أما أنصاره فرأوا أن مؤامرة غربية وراء الاحتجاجات، تهدف إلى تقويض الحكم الإسلامي في السودان. وهي الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية إلى البشر قبل سنوات طويلة.

رجل المظلات يراوغ دوليـــّـاً

في السنوات الماضية، سعى البشير إلى الاستفادة من الخلافات الإقليمية والدولية من أجل تحسين وضع السودان. ففي عام 2013، استضاف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في الخرطوم. وبعد عامين انضم إلى التحالف الذي تقوده السعودية باليمن، في إطار إستراتيجية لاحتواء النفوذ الإيراني المتزايد، بعدها تودد البشير إلى تركيا وروسيا، بالتزامن مع تطور التعاون الأمني السوداني مع واشنطن، سعياً إلى رفع العقوبات، التي ألغيت فعلياً عام 2017.

العلاقات الجيدة التي وطدها البشير مع مراكز النفوذ الإقليمية والدولية، جعلته يبدو وكأنه تجاوز أزمته الأخيرة معتمداً على الدعم المتواصل من المؤسسة الأمنية التي رعاها على مدى 30 عاماً. حتى تدحرجت كرة الغضب الشعبي لتزداد المطالب الشعبية قوة بمطلب تنحي البشير، وتبدأ اعتصاماً أمام مقر قيادة الجيش بالعاصمة الخرطوم، لتطالب بإسقاط من كان منقذاً قبل نحو 30 عاماً، عبر انقلابه العسكري، في ثورة شعبية متصاعدة لم تلجأ للسلاح.

المزيد من