Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توشيكازو كواغوشي يواجه مشاكل الواقع بالسفر عبر الزمن

"قبلَ أن تبرد القهوة" رواية يابانية من الأكثر مبيعاً ورشحت لجائزة أفضل عمل

الروائي الياباني توشيكازو كواغوشي (الدار العربية للعلوم)

"قبلَ أنْ تبردَ القهوة" (الدار العربية للعلوم - ناشرون) هي الرواية الفائزة بالجائزة الكبرى للدراما في مهرجان سوغيناما، للكاتب والروائي والمخرج الياباني توشيكازو كواغوشي، التي أدرجَتْها جريدة التايمز على لائحتها للكتب الأكثر مبيعاً ورشحتها "اندبندنت" لجائزة أفضل رواية.

في العتبات، الخارجية والداخلية، يُحيل العنوان الخارجي إلى مدة زمنية لا تتعدى بضع دقائق التي يحتاجها فنجان القهوة لكي يبرد وهي المتاحة لشخوص الرواية للسفر عبر الزمن. ويُحيل كل من العناوين الداخلية الأربعة، "العاشقان"، "الزوج والزوجة"، الأختان"، و"أم وطفل"، إلى وجود شخصين اثنين يُشكلان طَرَفَيِ العلاقة في الحكايات الأربع التي تشكل الرواية.

السَّفر عبر الزمن

في المتن، يقترح الكاتب طريقة جديدة لمواجهة الصعوبات الواقعية التي تعترض الإنسان في حياته، تتمثل بالسفر عبر الزمن، أي أنه يطرح حلاً غرائبياً لمعضلات واقعية، فيقيم علاقة جدلية بين الواقع والخيال، يحرّك شخوصه بين الماضي والحاضر والمستقبل، في فضاء مكاني يجمع بين الإلفة والغرابة، ما يقيم تناسباً بين الأحداث والشخوص والفضاء الروائي. ويخلص من ذلك كله إلى الإيمان بقدرة الإنسان على مواجهة الصعاب التي تعترض طريقه ولو بطريقة غرائبية. ويعبّر عن ذلك في نهاية الرواية على حد تفكير إحدى الشخصيات التي "تعتقد أنه على الرغم من شدة الصعوبات التي يواجهها الناس، فهم سيتحلون دائماً بالقوّة للتغلب عليها، لأن الأمر يتطلب الشجاعة فقط..." (ص 254). هذا الاستنتاج تستنتجه الشخصية من سياق الأحداث.

السفر عبر الزمن هو الحدث المحوري الذي يتكرّر في الحكايات الأربع، في الفضاء المكاني نفسه، في أزمنة مختلفة، ومع شخوص جديدة، ولأهداف متنوعة. وإذا كان المسافِر والمسافَر إليه يختلفان من حكاية إلى أخرى، فإن الشهود على هذه العملية هم أنفسهم في الحكايات الأربع. ولئن اختلف الهدف من السفر، في كل مرة، فإن النتائج المترتبة على الأهداف المختلفة تتفق في انعكاساتها الإيجابية على أصحاب العلاقة.

بين الإلفة والغرابة

الفضاء المكاني الذي تجري فيه الأحداث هو مقهى قديم يعود تاريخ افتتاحه إلى مئة وأربعين عاماً خَلَتْ، يقع تحت الأرض في نهاية زقاق هادئ يتفرع من أحد شوارع طوكيو، تخلو جدرانه من النوافذ وتحتضن ثلاث ساعات مختلفة التوقيت ويحتفظ بالبرودة في عز الحر ويكتسب شهرته من واقعة السفر عبر الزمن. وهكذا، يجمع الفضاء بين الإلفة والغرابة ويجاور بين عراقة الافتتاح وحداثة الموقع ويزاوج بين الثابت والمتغير. على أن الثابت في هذا الفضاء هو المقهى ومحتوياته والمرأة الشبح ذات الفستان الأبيض التي تلازم كرسيها ومدة السفر وآليّته. والمتغيّر هو المسافِر والمسافَر إليه وسبب السّفر ووجهته ونتيجته والزمن المطلوب استحضاره، الأمر الذي تشي به الحكايات المختلفة.

يُشكّل القرار المفاجئ بالسفر إلى أميركا، في غضون ساعات، الذي يبلغه غورو كاتادا، مهندس الأنظمة الطبية، إلى فوميكو كيوكاوا، مديرة المشاريع في شركة تكنولوجيا معلومات، في الحكاية الأولى، صدمة مفاجئة لها، هي التي كانت تنتظر أن يطلب يدها للزواج بعد سنتين من الزمالة والصداقة والحب، حتى إذا ما فعل قبل أن تتمكن من إبلاغه حقيقة مشاعرها، تتردى في مهاوي الندم، وتتمنى العودة إلى الأسبوع الماضي لتدارك ما فاتها، فتقصد المقهى الذي طالما ترددت إليه وتُقرّر السفر إلى الماضي القريب، على الرغم من المخاطر المترتّبة على ذلك، لمواجهة حبيبها المسافر والوقوف منه على حقيقة مشاعره نحوها. ولتنفيذ قرارها، يكون عليها أن تنتظر المرأة الشبح حتى تُخلي كرسي السفر وتجلس عليه وتبدأ بشرب فنجان القهوة الذي تصبّه لها النادلة وتعود من السفر قبل أن تبرد القهوة، تحت طائلة تحولها إلى شبح. وتكتشف، بنتيجة المغامرة، أنّ غورو يبادلها مشاعر الحب، وأنّ تردده في طلب يدها ناجم عن خشيته من رد فعلها بسبب الحرق الذي يشوه جانباً من رأسه، وأنّه سيعود لها بعد ثلاث سنوات، ما يجعلها تتخفّف من ندمها وتتحرّر من القلق. وبذلك، ينجح السفر عبر الزمن في جلاء الغامض وكشف الغم وإزالة القلق.

الخيار الثاني

 وإذا كانت الرغبة في التعبير عن المشاعر هي سبب السَّفر عبر الزمن، في الحكاية الأولى، فإن الرغبة في الوقوف على مضمون رسالة الزوج الخَرِف فوساغي هي التي حدت بالزوجة كوتاكي إلى خوض هذه المغامرة، في الحكاية الثانية، حتى إذا ما فعلت تكتشف أنّ الزوج يخيّرها بين تركه إذا ما شعرت أنّه أساء إليها وبين البقاء معه إذا ما أرادت ذلك فعلاً وليس بداعي الشفقة، فتختار الخيار الثاني وتقرّر البقاء معه والعناية به. وهنا، يجلو السفر عبر الزمن، الغامض ويكشف المستور ويريح المسافِر ويعود بالنفع على المسافَر إليه.

أمّا سبب السفر عبر الزمن، في الحكاية الثالثة، فيتمثّل في رغبة الأخت الكبرى يايكو هيراي في مصالحة أختها الصغرى كومي هيراي التي قضت في حادث سير، والاعتذار لها عن إعراضها عنها وعدم تلبية رغبتها في العودة إلى منزل الأسرة الذي غادرته، منذ ثلاثة عشر عاماً. وإذ تقدم على ذلك من دون وجل، تتخفّف من الشعور بالذنب وتتصالح مع أسرتها وتدخل السرور على قلب أختها الميتة. وبذلك، يحقّق السفر الغاية المتوخّاة منه وينعكس إيجاباً على المسافِر والمسافَر إليه.

على أنّ السفر عبر الزمن، في الحكاية الرابعة، يختلف عنه في الحكايات الثلاث السابقة في وجهته وسببه وطول المدة الزمنية المطلوب عبورها؛ فالأم الضعيفة القلب التي حذرّها الأطباء من الحمل والإنجاب تدرك دنوّ أجلها مع اقتراب الوضع وترغب في الاطمئنان على طفلها، فتسافر خمسة عشرة عاماً إلى المستقبل خلافاً للحكايات السابقة التي يُسافر فيها باتجاه الماضي القريب، لأسبوع أو سنوات ثلاث أو أيام ثلاثة. وحين تفعل ذلك، تقابل طفلتها ميكي، ذات الخمسة عشر ربيعاً وتطمئن إلى حاضرها ومستقبلها. وبذلك، تتحرّر من القلق عليها وتخلد إلى موتها مطمئنّة البال، ما يشي بنتائج إيجابية أخرى للسّفر عبر الزمن تنعكس على طرفَيِ السفر.

وهكذا، نرى أن أسباب السفر عبر الزمن تختلف باختلاف الحكايات ضمن الرواية نفسها وتتراوح بين الاعتراف المتبادل بالحب بين حبيبين في الحكاية الأولى والتفاهم بين زوجين في الثانية والصلح بين أختين في الثالثة واطمئنان الأم إلى مستقبل طفلتها في الرابعة. على أنّ هذه الأسباب المختلفة هي نتائج لأسباب أخرى في الوقت نفسه؛ تتمثّل في السفر المفاجئ للحبيب في الحكاية الأولى وإصابة الزوج بمرض الألزهايمر في الثانية وموت الأخت الصغرى في حادث سير في الثالثة ودنوّ أجل الأم في الرابعة.

منظور سلبي

بالانتقال من الحكايات إلى الخطاب الروائي، نشير إلى أنّ العلاقة بين الحكايات التي تُشكّل الرواية تقوم على جدلية الانفصال والاتصال في آن. فنحن إزاء أربع قصص منفصلة بعضها عن بعض. لكلّ عنوانها ومتنها الخاص بها. غير أنّها، في مقابل هذا الانفصال، تتّصل في ما بينها، في حدوثها في المكان نفسه، بالآلية نفسها وعلى مرأى من الشهود أنفسهم وفي اشتمال القصة الواحدة على وقائع تعود لقصّة أخرى. على أنّ هذه المُشْتَرَكات لا تقلّل من استقلالية كلّ منها. أمّا مُكوّنات القصّة الواحدة فتتكرّر من واحدة إلى أخرى. وتشمل طبيعة المشكلة، العلاقة بين طرفيها، الرغبة في الحل، آلية السّفر، وجهته، مدّته التي لا تتعدّى ما يحتاجه فنجان القهوة لكي يبرد، الزمن المطلوب عبوره والنتائج المترتّبة على ذلك. وإذا كان السرد هو الطاغي على المتن الروائي بنمطيّته المعروفة، فإنّ الكاتب عرف كيف يكسر هذه النمطية، في غير موضع، بمقال ملخص أو رسالة إلكترونية أو رسالة عادية أو قواعد معينة.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد، على الرغم من روائيّة الرواية وحكائيّتها، فإنّ المنظور الروائي الذي تعبّر عنه يفتقر إلى الواقعية ويدخل في المجال الغرائبي. ذلك أنّ معالجة مشكلات الواقع تتمّ بحلول واقعية وليس بحلول غرائبية، فالسفر عبر الزمن هو نوع من الهروب إلى الأمام الذي لا يعالج مشكلة ولا يجترح حلاً. وبهذا المعنى، نكون إزاء منظور روائي سلبي. ولو أن الكاتب لم يربط السفر عبر الزمن بمشكلة معينة، لَجَنّبَ نفسه وروايته الوقوع في هذا المحظور.    

المزيد من ثقافة