Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تضارب مصالح دول الجوار والأزمة الاقتصادية فجرا الشارع الكردستاني

"الحراك الاحتجاجي سيستمر إذا لم تجد حكومة الإقليم حلولاً سريعة ومقنعة بعد فشل أربيل في إقناع بغداد بتمويل رواتب موظفيها"

المحتجون أضرموا النار في عدد من المقار الحزبية ( غيتي)

لم تكن الاحتجاجات التي تشهدها مدينة السليمانية والمناطق القريبة منها هي الأولى في مدينة داخل الإقليم خلال العقد الأخير، لكنها كانت الأقوى والمعبّرة عن حالة من اليأس والإحباط جراء فشل إدارة الإقليم في إيجاد الحلول للأزمة الاقتصادية الخانقة، التي يعيشها منذ تراجع أسعار النفط وسيطرة تنظيم "داعش" على مناطق قريبة من حدوده في يونيو (حزيران) عام 2014.

فمنذ ذلك التاريخ وحتى الآن، تراجع النمو الاقتصادي للإقليم وأصبح غير قادر على توفير سيولة مالية لرواتب موظفيه، الذين يصل عددهم إلى حوالى مليون و250 ألف موظف، بعد أن فرض عليهم الإدخار الإجباري لقسم كبير من رواتبهم، لتمضي عليهم أشهر من دون الحصول على أتعابهم، ما تسبب بأزمة حقيقية لا سيما بالنسبة إلى المواطن الكردي البسيط في كيفية تلبية حاجات أسرته في ظل انقطاع المورد الوحيد لها.

وربما تكون فسحة حرية التعبير التي تمتاز بها مدينة السليمانية منذ أمد بعيد، مشجعة للخروج في تظاهرات كثيرة خلال هذه الفترة، امتدت إلى مدينتي دهوك وأربيل وإنما بشكل خافت، لكنها لم تستمر بسبب القبضة الأمنية الحديدية في المدينتين للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يعمل بشعار الأمن أولاً، وأيضاً استمرار بعض النشاطات الاقتصادية سواء كانت دولية أو محلية، ما قلل ولو بشكل محدود من آثار الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وعلى الرغم من كل التظاهرات التي حصلت في السليمانية للمطالبة بدفع رواتب الموظفين ومحاربة الفساد في الإقليم، إلا أن الاحتجاجات الحالية كانت الأعنف وتضمنت مطالب بربط نفط الإقليم ودفع رواتبه بالحكومة المركزية، مدعومة أيضاً بمواقف من نخب وشرائح واسعة من المجتمع الكردستاني، تطالب بحلول للأزمة الاقتصادية تكون أساسها بغداد، في مشهد يؤكد تضرر سمعة الأحزاب الكردية ودعواتها القومية إلى خلق دولة للكرد في العراق.

فمنذ الاستفتاء الذي نظّم للتصويت على استقلاله عن العراق في سبتمبر (أيلول) 2017، يشهد الإقليم تراجعاً غربياً في دوره الداخلي والدولي، الذي بات واضحاً في استعادة الحكومة المركزية لجميع المناطق المتنازع عليها، وضعف دور الأحزاب الكردية في التأثير بالقرارات المصيرية داخل البرلمان العراقي، خصوصاً بعد صعود الجماعات الموالية لإيران، ما جعل من تكتيكاته السابقة في اللعب على التناقضات بين الكتل الشيعية والسنية كبيضة للقبّان غير مؤثرة، وتصطدم برفض كبير غير متوقع من قبل النواب، كما حصل في التصويت على قانون تمويل العجز أو اختيار رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح، الذي صوّت له بالضدّ من رغبة رئاسة إقليم كردستان باختيار فؤاد حسين، القيادي في "الحزب الديمقراطي الكردستاني".

وبالتزامن مع هذه التطورات، لم تقرأ حكومة الإقليم الواقع بشكل دقيق لتبدأ بعملية إصلاح حقيقية، تتضمن خفض نفقاتها والكشف عن التعيينات في مؤسساتها ودعم القطاع الخاص بمختلف مجالاته والتوقف عن جعل الإقليم مجرد سوق للسلع الإيرانية والتركية التي تهرّب إلى باقي العراق من دون رسوم تذكر، ما أثّر في قطاعي الزراعة والصناعة في الإقليم وغيّبه بقوة عن التأثير الاقتصادي.

كل هذه العوامل، جعلت من تظاهرات السليمانية ومناطق قرميان مثل كفري وكلار وغيرها تبدو أكثر عنفاً ورفضاً لسياسات الأحزاب الكردية، وتأتي في سياق هو الأول من نوعه الذي يهز الثقة بكيان الإقليم، خصوصاً مع رفع بعض المتظاهرين الأعلام العراقية في إجراء استفزازي لهذه الأحزاب، الهدف منه تحفيز بغداد على التدخل لحل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الإقليم.

لا حلول سريعة

المتابعون للتطورات في الإقليم يرون أن هذا الحراك الاحتجاجي سيستمر إذا لم تجد حكومة كردستان حلولاً سريعة ومقنعة، تضمن التخفيف من وتيرته المتصاعدة بعد فشل أربيل في إقناع بغداد بتمويل رواتب موظفيها.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية خالد عبد الإله أن الاحتجاجات التي تجري في السليمانية ومناطق أخرى من الإقليم، تمثل حراكاً شعبياً للشرائح كافة لتغيير واقعها المعيشي والإدخار الإجباري الذي فرضته حكومة الإقليم، متوقعاً استمرار التظاهرات التي قد تعصف بالحزبين الكرديين الكبيرين إذا لم تجد حكومة الإقليم حلولاً سريعة.

ويضيف أن المشكلة بين الحكومة الاتحادية والإقليم بشأن الخلاف النفطي وعدم إيجاد حلول لها والاتهامات المتبادلة انعكست سلباً على داخل الإقليم، بالتالي بات الحراك الذي يحدث حالياً أمراً طبيعياً بسبب عملية التقشف وعدم الإيفاء بالالتزامات المالية من حكومة الإقليم تجاه مواطنيها، ما أدى إلى خروج هذه التظاهرات".

ويتحدث عبد الإله عن قيادة الطبقة الوسطى، وهي من الموظفين الذين تضرروا في هذا الجانب، إضافة إلى الطبقات العمّالية التي تأثرت أعمالها نتيجة السياسات التقشفية وما تبعها من خلل اقتصادي.

وإذا لم تكن هناك سياسات واضحة وفتح كل الملفات بشكل شفاف أمام المواطنين كما حدث في الحراك عام 2019، فإن الأمور ستتأزم بحسب عبد الإله، الذي لفت إلى أن الإصلاحات التي يجب أن يقوم بها إقليم كردستان تحتاج إلى خطط واضحة، وأن لا تتعكز على المشكلات بينها والحكومة الاتحادية.

الضغوط كبيرة

ويبدو أن تأثيرات ضغوط الدول المجاورة وحكومة بغداد السلبية في الإقليم واضحة على مجرى الحياة السياسية، خصوصاً في السليمانية. وفي هذا الخصوص، يرى المتخصص في الشأن السياسي عصام الفيلي أن فرص العمل في المدينة أكثر شحة مما هي عليه في أربيل وجوارها، ما أدى إلى تذمر المواطن الكردي، لافتاً إلى أن المنطقة تعتبر محوراً لصراع أحزاب كردية.

ويضيف "السليمانية فيها امتدادات لتيارات إسلامية متعددة، وفي يوم من الأيام كانت تضم أكبر معسكرات أنصار الإسلام، فضلاً عن أن القضية الكردية عليها ضغوط من أربع دول هي إيران وتركيا وسوريا والعراق، ولذلك فإن تشابك الخنادق في ظل الجوع والفقر وغياب أفق الحل، أدى إلى انفجار الأوضاع".

ويتابع أن المواطن الكردي يريد أن يأخذ استحقاقاته وأن يعيش حياة كريمة، مبيّناً أن الإقليم حتى إن تهيّأت له السبل كدولة، إلا أنه سيكون دولة حبيسة، إذ ليس لديه منفذ على البحر، لذا هو مرهون بدول الجوار، ما ينعكس على واقعه السياسي.

ويرى الفيلي أنه على الإقليم أن يتطلّع من منظور كونه إقليماً فيدرالياً وليس كونفيدرالياً، وبعكسه فإن الأزمة ستستمر كل يوم، والسبب وجود إيران وتركيا اللتين تتقاطعان مع أي مفهوم للدولة الكردية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الإقليم سيرضخ

وستكون نتائج الاحتجاجات على حكومة إدارة كردستان واضحة في التراجع عن تنفيذ بعض مطالب الحكومة المركزية، خصوصاً في ما يتعلق بالمنافذ الحدودية وملف النفط.

ويتوقع الكاتب والصحافي رحيم الشمري أن تتوسع التظاهرات إذا لم يتم إيجاد حلول خلال مدة بسيطة، كاشفاً عن أن موظفي السليمانية لم يستلموا رواتبهم منذ خمسة أشهر.

ويعتبر أن الحل الوحيد لدفع رواتب الموظفين، هو ربط رواتبهم بحكومة بغداد ودمج حرس الإقليم في المنظومة الأمنية العراقية، بحيث يأتمرون بأمر وزارة الدفاع.

ويرى الشمري أن الإقليم سيرضخ لبعض المطالب، وبعكسه فإن النقمة الشعبية ستتصاعد خصوصاً في السليمانية، لا سيما أن ما يحدث هو قرع جرس إنذار لزيادة حدة التظاهرات وتوسعها، وبذلك أي حلول ترقيعية لن ترضي المتظاهرين الغاضبين.

 وكان وزير المالية في حكومة كردستان أوات الشيخ جناب أعلن خلال مؤتمر صحافي، موافقة الإقليم على تنفيذ قانون عجز الموازنة على الرغم من ملاحظات الإدارة على طريقة تصويته، في خطوة تهدف إلى التخفيف من زخم الاحتجاجات والحصول على سيولة مالية من بغداد لعبور الأزمة الحالية.

وكانت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) دانت أعمال العنف التي رافقت احتجاجات عامة في محافظة السليمانية خلال الأيام الماضية، والتي أسفرت عن وقوع خسائر في الأرواح وإصابات وتدمير للممتلكات، ودعت إلى احترام حق التعبير والسماح لوسائل الإعلام بتغطية الأحداث من دون ترهيب.

وأدى عجز حكومة الإقليم عن مواجهة التظاهرات إلى فرض حظر التجوال بشكل دائم في مناطق السليمانية وكفري وكلار، وقطع خدمة الإنترنت في بعض المناطق، ونشر قوات كبيرة من البيشمركة في محيطها، تمهيداً لاقتحام هذه المناطق وتفريق الاحتجاجات.

المزيد من تقارير