Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نصوص مصرية غير منشورة لمحمود درويش ووثائق يكشفها سيد محمود

الاحتفاء الرسمي به أثار غيرة الشعراء ولم يخف نفوره من اختزال تجربته في الشعر النضالي

محمود درويش في أول لقاء صحافي له بعد وصوله إلى القاهرة (من الكتاب - منشورات المتوسط) ) 

في دورته الأولى التي عُقِدت في شباط (فبراير) 2007، منح ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي جائزته للشاعر الفلسطيني محمود درويش، وحمل ذلك الحدث دلالات كثيرة، لعل من أهمها التعبير عن مكانة خاصة لهذا الشاعر لدى مصر الرسمية والشعبية، فضلاً عن التقدير الكبير الذي كان يحظى به في عموم البلدان العربية. علماً أن المنافسة على تلك الجائزة يفترض أنها شملت في حينه قامات شعرية كبيرة في مقدمها أدونيس وسعدي يوسف وأحمد عبد المعطي حجازي. ودرويش نفسه قال في كلمة مرتجلة ذات طابع دبلوماسي خلال تسلمه تلك الجائزة: "لا تنقصني النباهة بأن المصادفة السعيدة هي التي اختارتني... هناك الكثيرون من الشعراء يستحقون الحصول عليها وإذا قبلتها فأنا أقبلها نيابة عنهم".

لا شك في أن تلك المكانة الخاصة ارتبطت إلى حد كبير بإقامة محمود درويش في مصر بداية سبعينيات القرن الماضي، فترة زمنية وجيزة، لكنها مع ذلك تركت أثراً في مسيرته الشعرية والنضالية، كما تركت أثراً في نفوس مَن اقتربوا منه خصوصاً من شعراء تأثروا به وباتوا من مريديه، فضلاً عن آخرين لم يخفوا غيرتهم من موهبته وشهرته.

عشية وصوله إلى مصر، ليقيم فيها، كان محمود درويش قد أصبح معروفاً في أوساط النخبة الثقافية المصرية، خصوصاً بعد الضجة التي أثارتها مشاركته في مؤتمر في صوفيا في صيف العام 1968، والتي قيل إنها كانت ضمن وفد إسرائيلي شعبي، فيما قال هو إنه شارك بناء على دعوة شخصية من رئيسه، بالتالي فإنه لم يمثل إسرائيل ولا رفع علمها كما أشيع.

في كتابه "محمود درويش في مصر: المتن المجهول، نصوص ووثائق تنشر للمرة الأولى" (منشورات المتوسط) يذهب الكاتب والصحافي المصري سيد محمود، إلى أن الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني تولى التبشير بمحمود درويش، وقدَّمه في مصر للمرة الأولى، هو وغيره من "شعراء الأرض المحتلة"؛ مثل توفيق زياد وسميح القاسم وسالم جبران، مشيراً إلى أن عدد مجلة "المصور" القاهرية بتاريخ 2/ 5/ 1967، تضمن مقالاً تحت عنوان "محمود سليم درويش شاعر المقاومة الفلسطينية"، وهو أول مقال يؤرخ لاسم الشاعر الكبير في مصر.

 

احتفاء نقدي

في ذلك الوقت، كما تقول الكاتبة المصرية صافيناز كاظم "لم تكن المسألة شعراً فحسب، وإن أطربَنا وإن أذهلنا (تقصد محمود درويش) بجماله وقوته ونبضه. لم نفكر لحظة في محاكمته بميزان النقد البارد. كان الأمر بالتحديد يتماثل مع فرحة من عثر على بقية أهله أحياءً تحت الأنقاض" (الكتاب صـ 37). أما الكاتب رجاء النقاش فقدم قصائد لمحمود درويش في عدد كانون الثاني (يناير) 1968 من مجلة "الهلال" تحت عنوان "الأيام أيضاً تقاوم". ونشر محمد إبراهيم أبو سنة قصيدة في عدد من مجلة "الكواكب"؛ صدر خلال الشهر نفسه وأهداها إلى محمود درويش، عنوانها "أيها البرق السجين".

صنعت مجلة "الهلال" الحدث الأهم في حياة صاحب "سجّل أنا عربي" في تلك المرحلة، علماً أنه كان يعاني وقتها من السجن والحصار، فقد نشرت في عدد أيار (مايو) 1968 ديوانه "آخر الليل"، لإحياء ذكرى نكبة فلسطين. ورأى درويش أن هذا الحدث قدمه للقارئ أكثر مما فعلت مجلة "شعر" البيروتية التي احتفت بقصائده ضمن ملف "شعراء الأرض المحتلة"؛ "لكن تأثيرها كان نخبوياً بحكم طبيعة جمهورها في لبنان"، بحسب حديث أدلى به للشاعر عبده وازن في جريدة "الحياة". وكتب صلاح عبد الصبور في 24 مايو 1968 في مجلة "المصور" مقالاً عن درويش عنوانه "القديس المقاتل". وهكذا - كما يقول سيد محمود - قدمت الصحافة الأدبية محمود درويش كـ "نجم ساطع" قبل أن يصل إلى القاهرة بالفعل.

لكن؛ كما يؤكد الكتاب الذي بين أيدينا، لم تستمر نشوة الشاعر فترة طويلة، ووجد نفسه أكثر من مرة محاطاً بظلال البطل الرومانسي المتورط في مشاهد واقعية جداً، من مسؤوليته تجاه القضية، والقاهرة "الجريحة" بفعل هزيمة 1967، وبالتدليل الذي أفرطت في إظهاره، أرادت أن تذكره كل يوم بدوره المنتظر. وبخلاف ما هو سياسي، يبرز الكتاب الطريقة التي يتشكل بها الشعر والنثر عند محمود درويش، عبر النماذج الأولى من كتاباته التي تطورت بعد ذلك، ودفعت نقاداً لتناول ما يسمى شعرية النثر عنده.

تفادي الحب القاتل

تتيح مقالات محمود درويش الأدبية خلال وجوده في مصر (بين عامي 1971 و1972) والتي يضمها الكتاب، فرصة للتعرف على مجمل تصوراته الفنية في تلك الفترة، فهو طوّر فكرته الشهيرة عن ضرورة تفادي الحب القاتل، كما تظهر نفوره من اختزال تجربته في الشعر النضالي، وتبرز تصوراته عن سلبيات وإيجابيات المهرجانات الشعرية، التي تنامت بغرض تأكيد الدور المقاوم للشعر، كما تظهر معظم تلك المقالات سخريته المريرة من حال الشعر في العالم العربي.

ومجمل ما نشره محمود درويش في "الأهرام" (بعضه نُشِر بعدما غادر القاهرة إلى بيروت) في الفترة تلك هو بحسب موضوعاته، مقالات في التحليل السياسي، وحول الشخصية الإسرائيلية، وتغطيات مؤتمرات ومشاركات أدبية حول الشعر، وقد جمعه سيد محمود ووضعه ضمن ملف الوثائق في هذا الكتاب، علماً أنه لم يسبق نشره. 

في ملحق الوثائق أيضاً مقال لأحمد بهاء الدين، عنوانه "التجارة بشعراء الأرض المحتلة" نُشِر في مجلة "المصور" بتاريخ 24/ 8 / 1968، ومقال لأحمد عبد المعطي حجازي في "روز اليوسف" بتاريخ 22 / 2 / 1971، بعنوان "أنت تعلم يا صديقي"، وفيه يدعو درويش إلى ترجمة الأدب العبري الحديث إلى اللغة العربية... "نحن نريد أن تترجم لنا شعر ناتال والترمان وإسكندر بن، وشلونسكي، ويهودا عميحاي. نريد أن نعرف كيف يستطيع الشاعر أن يغير لغته في عشرين عاماً، ومع ذلك يظل يكتب الشعر. نريد أن نقرأ آراء مفكريهم في مشكلة إسرائيل، كما يعانون منها ويتصورون لها الحلول".

وذكر حجازي في موضع آخر من المقال نفسه أن "أعداءنا يعرفوننا عن طريق كاتب مثل نجيب محفوظ أضعاف ما يستطيعون أن يعرفونا عن طريق أجهزة أمنهم وجواسيسهم. إن الكاتب جاسوس خطير، يقدم معلومات عن النفس التي تفكر وتعمل وتخطط وتتقدم وتحارب، ونحن في أشد الحاجة إلى جواسيس من هذا النوع". فهل لا يزال حجازي على قناعته تلك؟ وهل يمكن أن يعبّر عنها الآن في مقال من دون أن يخشى فزّاعة التطبيع؟   

يستهل سيد محمود الكتاب بكلام لمحمود درويش: "في مصر لا تتشابه الساعات... كل دقيقة ذكرى، تجددها طيور النيل. كنت هناك. كان الكائن البشري يبتكر الإله/ الشمس. لا أحد يسمِّي نفسه أحداً. (أنا ابن النيل- هذا الاسم يكفيني). ومنذ اللحظة الأولى تسمِّي نفسك "ابن النيل" كي تتجنّب العدم الثقيل".

في المقدمة، يؤكد سيد محمود أن قصة هذا الكتاب الذي يتألف من 335 صفحة، بدأت في الإسكندرية صيف 2003، بعدما أحيا محمود درويش أمسية شعرية في مكتبتها، وقبلها مباشرة كان قد شارك في احتفال نظّمه المجلس الأعلى المصري للثقافة في القاهرة لمناسبة مرور عشرين عاماً على وفاة الشاعر أمل دنقل. في الإسكندرية حرص سيد محمود على الاقتراب من درويش واصطحبه إلى بيت الشاعر السكندري اليوناني قسطنطين كفافيس، وكان معهما صبحي حديدي وأحمد الشهاوي والمطرب علي الحجار. ومن ثم جاء خيط بداية هذا الكتاب عندما حكى درويش عن الأيام التي عاشها في مصر؛ "وكانت المرة الأولى التي تتجلى أمامي هذه السردية" صـ 9.

متن الحكاية

يقول سيد محمود: "بلُغةِ المؤرخين؛ كان ما يُكتَب عن أيام درويش في مصر، في حدود المرويّات غير الموثّقة، التي بالغت أحياناً في تقييم الأدوار وتقديرها، بينما لم يقترب أحد من متن الحكاية ويجمع خيوطها. ولم يتم الرجوع إلى النصوص التي كتبها درويش في مصر أو التي كتبت عنه، ليفهم السياق، ويرتب مشاهد الحكاية، قبل التورط في التأويل وإصدار الأحكام".

عموماً، يرى سيد محمود، أن التحوّلات التي أحدثتها مصر كمكان جديد في نصوص درويش الشعرية، كانت مفصلية، إذ صنعت القفزة الرئيسة في تجربته، ولم تجعلها إلى المجهول، فقد تأسّست شعريته في مصر على قاعدة صلبة. وأتيح له المجال واسعاً لاختبارها أمام مجايليه من شعراء الموجة الثانية لقصيدة التفعيلة، أمثال أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ومحمد إبراهيم أبو سنة، والأسماء الكبيرة في جيل الرواد أمثال صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي التي قدمت له الكثير من الدعم، فضلاً عن الإنصاف النقدي من أسماء مثل لويس عوض أو رجاء النقاش وغالي شكري وعبد القادر القط، ما ساعده على مساءلة نصوصه، والدفع بها إلى فضاءات أعمق، ثم تحريرها من طابعها المباشر وأفقها الرومانسي، وقت أن كان المناخ الثقافي للقاهرة القلقة حافلاً بكل أشكال الغضب ونزعات التمرّد الطامحة إلى ميلاد أدب جديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع ذلك، تنبغي ملاحظة أن درويش – كما ورد في الكتاب - تجنّب الفضاءات الثقافية الشعبوية، ليتفادى الاحتكاكات مع المثقفين الذين لم يقبلوا برعاية الدولة موهبته. لكنه في المطلق لم يحرم نفسه من بناء صداقات مع بعض وجوه الحركة الطالبية والشباب المبدعين الذين كانوا في مثل عمره. إلا أنه تعرّض كذلك لبعض ردود الأفعال التي تكشف عن توترات تلك السنوات، فقد كان نجيب سرور مثلاً يهتف كلما رآه: "إحنا كمان شعراء الأرض المحتلة، عايزين نسكن في شبرد". كما راجت أغنية الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، في أوساط المثقفين، يزعم البعض أنها كانت تسخر من درويش ومن الإمعان في تدليله.       

الكتاب الذي يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية، لإحاطته بمتن مجهول لأحد أهم الشعراء العرب في العصر الحديث، ينطوي على جهد بحثي جدير بالتقدير، وهو أمر ليس غريباً على سيد محمود (1969) الذي تخصّص في التاريخ في مرحلة دراسته الجامعية، فضلاً عن تميّزه كمحرر وناقد ثقافي نحو ثلاثة عقود، وقد أفاده ذلك في إنجاز هذا العمل المهم، فتوّج به اهتماماً خاصاً بتجربة درويش عموماً، ومرحلة وجوده في مصر على وجه الخصوص. ناهيك عن عطائه كشاعر، والذي تجلى خصوصاً في ديوانه "تلاوة الظل"، الذي جاء بعد ديوان بالعامية أصدره في العام 2001 بعنوان "تاريخ تاني".        

المزيد من ثقافة