Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مغامرة أندريه بروتون ورفاقه الشعراء والرسامين بالنصوص والصور

ابتكارات السوريالية الأدبية في معرض باريسي في ذكرى صدور الكتاب الأول

صورة نادرة للشعراء السورياليين في شبابهم ويبدو بروتون إلى يمين الصورة (الخدمة الإعلامية في المعرض)

قرن مر على إصدار أندريه بروتون وفيليب سوبو كتابهما الشهير "الحقول المغناطيسية" (1920) الذي اعتبره رائد السوريالية لاحقاً "الكتاب السوريالي الأول". مناسبة تغتنمها اليوم "مكتبة فرنسا الوطنية" في باريس لاقتراح معرض ضخم على زوارها بعنوان "ابتكار السوريالية ــ من الحقول المغناطيسية إلى نادجا" مكرّساً للسوريالية الأدبية، يتوق بمحتوياته وطريقة ترتيبه إلى إعادة خط مسيرة بروتون ورفاقه من 1918 إلى 1928، أي خلال الفترة التي تمكنوا فيها من فتح فضاءات ابتكار جديدة. في هذا السياق، تحضر في صالات المعرض الأربع مخطوطات أبرز كتبهم، مجلات، لوحات، رسوم، ملصقات، صور فوتوغرافية، أفلام، "جثث لذيذة"... لا تشهد فقط على الغليان الإبداعي لتلك السنوات المجيدة، بل تكشف أيضاً الظروف والتأثيرات التي آلت إلى نهوض جيل من الشعراء الشبان في باريس، على أنقاض حرب عالمية بربرية، للقول بصوت صارخ سأمهم من العالم الذي كانوا يعيشون فيه، وكراهيتهم لقيم المجتمع البورجوازي الأوروبي، المسؤول في نظرهم عن اندلاع هذه الحرب وأهوالها.

الصالة الأولى من المعرض مرصودة للتأثيرات، ويتبيّن فيها كيف حظيَ الشعر مطلع القرن الماضي بنفَس وروح جديدين بفضل الشاعر العملاق غييوم أبولينر الذي هو مَن اشتق كلمة "سوريالية" ومَن عرّف بروتون إلى سوبو عام 1917، قبل أن يلتحق لويس أراغون بسرعة بهما. شبان ثلاثة كانوا يدرسون الطب حين جُنّدوا، وما لبثوا أن وجدوا في قراءتهم ألفرد جاري ورامبو ولوتريامون صدى للثورة الكامنة داخلهم، وفي معاصرهم العدمي جاك فاشيه مثالاً في رفض أي تسوية. وأمام المجازر المروعة للحرب، التي مزّقت كل القيم السابقة وأفضت إلى حالة عدم ثقة بالكلمات، بحثوا كشعراء عن لغة جديدة لقول اضطرابهم العميق وإحباط فتنة الصمت التي كانت تتهددهم.

حركة عالمية

نتوقف في هذه الصالة أيضاً عند الراديكاليات الأخرى التي انبثقت في الفترة نفسها في مناطق مختلفة من العالم وزعزعت الأعراف الثقافية. ففي نيويورك مثلاً، نشط مارسيل دوشان في تدمير أسس الفن البورجوازي، إلى جانب صديقه فرانسيس بيكابيا الذي وقّع لوحات وقصائد ذات حرية لا سابق لها، قبل أن يتوجه إلى برشلونة ويطلق مجلة 391 الطلائعية. وفي زيوريخ، أسس هوغو بال "كباريه فولتير" الشهير، ممهداً للحركة الدادائية التي جمعت فنانين وشعراء ثوّاراً، مثل الألماني هانز آرب والرومانيين تريستان تزار ومارسيل جانكو، وقد سجّلوا قطيعة مع الأعراف الماضية وابتكروا نماذج جديدة للفن تنتهك الأجناس وتستثمر الطاقات المادّية للغة وسائر الوسائل التعبيرية، ودعوا في "البيان الدادائي" إلى العصيان والرفض المنهجي. راديكاليات ما لبثت أن تقاطرت عام 1919 إلى باريس بدعوة من بروتون ورفاقه الذين أسسوا مجلة "أدب" لهذه الغاية وحوّلوها إلى بوتقة لأكثر الاختبارات الطلائعية جرأة، وركيزة رئيسية للتعبير عن التوجهات الجديدة والبحث عن تعريف جديد للأدب.

الصالة الثانية من المعرض تحمل عنوان "آلية وحلم" وتحط بنا في ربيع 1919 الذي كتب بروتون وسوبو خلاله نصوصهما الآلية الأولى التي يتشكل منها كتاب "الحقول المغناطيسية". كتاب لا يشكل مخطوطه شهادة على لحظة انخطاف أدبي فريدة فحسب، وعلى أسبوع من الكتابة بلا قيد، بل يُظهِر أيضاً العمل الدقيق الذي خضعت مادته له قبل نشره. وفي ضوء ذلك، هل يتعلق الأمر بآلية حقيقية فيه؟ نعم، لكن آلية خاضعة لغاية كاتبَيه منه، أي كشف مصدر عمل شعري صاف ينبثق من يد شاعر بلا جهد. ويقف خلف هذه الغاية وعي بروتون المبكر لنظريات التحليل النفسي، بحكم دراسته الطب، واقتناعه بوجود قوة خلاقة ومحرّرة مرسخة في اللاوعي.

في جو حماسة هذا الاكتشاف الجديد، سوّد السورياليون أوراقاً ودفاتر كثيرة، نرى بعضها في هذه الصالة، قبل أن تكتسب الآلية أسلحة جديدة بفضل استكشافهم طبيعة الحلم، واختباراتهم الشعرية خلال جلسات التنويم المغناطيسي التي لمع فيها روبير ديسنوس ورونيه كروفيل. اختبارات كانت تتداعى كلمات النائم فيها بحرية وابتكار، كما في الحلم، وساهمت في تعريف بروتون السوريالية كـ "نوع من الآلية النفسية الذي يتطابق جيداً مع حالة الحلم". هكذا، أقامت الكلمات، بإخضاعها إلى فضائل المصادفة وتحريرها من معناها الأول النفعي، علاقات غريبة ومدهشة في ما بينها كشفت عالماً آخر على مسافة كبيرة من الواقع، وغذّت الطاقات اللامتناهية للآلية مجموع وسائل التعبير: الرسم والنحت مع هانز آرب وأندريه ماسون، التصوير الفوتوغرافي مع مان راي، السينما مع لويس بونويل، الملصق مع ماكس أرنست، ضمن سعي محموم خلف ذلك "الجمال المتشنج" الذي بات يتعذر فصله عن السوريالية.

بيانات أساسية

الصالة الثالثة من المعرض تحمل عنوان "بيانات وتحريض" وتقودنا إلى عام 1924 الذي كتب بروتون خلاله "البيان السوريالي" انطلاقاً من الاختبارات التي قادها مع رفاقه منذ 1919 داخل أصقاع اللاوعي. وإذ يشكل هذا الإصدار الولادة الرسمية للحركة السوريالية وتكريساً لنظريات رائدها، فإنه يدين في نبرة خطابه ومضمونه لما سبقه من بيانات ومواقف ونشاطات دادائية. فعلاً، حين وصل تزارا إلى باريس مطلع 1920، بدعوة ملحة من بروتون، أشعل فوراً الساحة الباريسية بفن التحريض والإخراج الذي كان يملكه، من خلال حفلات وعروض عبثية وبيانات وتصريحات مشحونة بثوران سلبي، استعان الدادائيون فيها بأدوات الفضيحة والسخرية للهزء من ذوق جمهورهم الغاضب وقيمه.

ولكن بعد عام من المشاركة الفعالة والحماسية لمجموعة بروتون في هذا المشروع الانقلابي، شعر هذا الأخير بضرورة تجاوز العدمية الدادائية بعدما استهلكت، في نظره، جميع رصاصاتها، فتواجه مع تزارا حول المعنى الذي يتوجب منحه لثورتهم. مواجهة ما لبثت أن أفضت إلى قطيعة في ربيع 1921، حين نقل بروتون النقاش في حفلة "محاكمة موريس بارِس" إلى أرضية أخلاقية، متخلياً نهائياً عن عدمية تزارا، قبل أن يفتح بيانه الشهير "اتركوا كل شيء" (1922) بدعوة صريحة إلى مغادرة الدادائية. ومهما يكن، فقد ساهمت هذه المرحلة الصاخبة والخصبة في إدراك السوريالية الوليدة فرادتها وغايتها على النحو الذي عبر عنه "البيان السوريالي": تحرير الذهن من أجل إعادة نظر شاملة في حضور الإنسان في العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الصالة الرابعة والأخيرة من المعرض، التي تحمل عنوان "حب وجنون"، فرُصِدت لظروف ولادة رواية "نادجا" التي أصدرها بروتون عام 1928 وتُعتبَر نصّه الأهم وأحد أبرز الأعمال الأدبية السوريالية. كتاب سرد صاحبه فيه لقاءه بالشابة نادجا مصادفةً في أحد شوارع باريس والأيام العشرة التي أمضاها معها، وتحوّل بسرعة إلى رمز للجانب المدهش والغرائبي في السوريالية، للانتظار بلا غاية والذي ينبثق منه الشعر، وللحب الجنوني ونتائجه الخطيرة. بخلاف بروتون الذي عشق فوراً شخصية نادجا الساحرة لتجسيدها الأخلاقية السوريالية في نظره، كان مآل هذا اللقاء مأسوياً على هذه الشابة التي انتهت، إثر هذا الافتتان المتبادل، في مصح للأمراض العقلية لم تغادره حتى وفاتها. مأساة لعبت دوراً رئيساً في قرار بروتون كتابة هذه الرواية، كما شكلت التجربة التي قادته، أكثر من أي تجربة أخرى، إلى مساءلة نفسه، واللحظة التي شعر فيها بالخطر أكثر من أي لحظة أخرى من حياته. ومَن يقرأ هذه الرواية يستشف ذلك بنفسه ويتبين له أن نادجا لم تكن الوحيدة التي انحرفت تدريجاً نحو الجنون الحقيقي. فأبعد من الاستكشافات المثيرة والمبهجة للآلية، يعكس هذا النص الجوانب الأكثر عتمة للسوريالية، بذهابه بتجاربها الأولى إلى حدود المجازفة بفقدان الذات. نص لا تعود كلمات المجانين فيه مجرد مادة شعرية فاتنة، بل تهديداً حقيقياً وحميمياً.

يبقى أن نشير إلى أن مخطوط "نادجا" الذي كان مفقوداً على مدى عقود عُثِر عليه عام 2015، أثناء بيع محتويات مكتبة بيار بيرجيه الخاصة. وهو يحضر في هذه الصالة إلى جانب وثائق أخرى تتعلق به ظهرت بدورها في السنوات الخمس الأخيرة وتتقاطر جميعاً لمنح هذه الرائعة الأدبية معنى جديداً، معنى بحث فريد عن أصالة مطلقة.

المزيد من ثقافة