Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائية المجهولة إيلينا فيرانتي تواصل كشف أسرار نابولي

"حياة البالغين الكاذبة" رواية البطلة المراهقة جوفانا في صراعها مع محيطها

مدينة نابولي بطلة روايات الكاتبة الإيطالية المجهولة إيلينا فيرانتي (غيتي)

تعود الكاتبة الإيطالية إيلينا فيرانتي إلى قارئها العربي عبر رواية مترجمة أخيراً بعنوان "حياة البالغين الكاذبة" (دار الآداب، 2020، ترجمة معاوية عبد المجيد) وهي روايتها الثامنة والأحدث (صدرت بالإيطالية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019) إن اعتبرنا رباعية نابولي عملاً واحداً. وقد صدر في الإعلام منذ أشهر أن منصة "نتفليكس" للأفلام عزمت على إنتاج مسلسل يحمل عنوان الرواية نفسه ويكون مبنياً على أحداثها، من دون تحديد موعد لإطلاق الحلقات المصورة في إيطاليا والمعروضة بالإيطالية.

وتُعتبر فيرانتي، التي بدأت الكتابة الروائية عام 1992، أحد أبرز الأصوات الروائية الأنثوية الإيطالية المعاصرة، على الرغم من أنها ما زالت حتى اليوم كاتبة مجهولة الهوية قابعة خلف اسمها المستعار ولا صورة شحصية لها في الصحافة والإعلام. وتُعتبر فيرانتي كذلك، السبب الأول لتضاعف عدد الكاتبات الإيطاليات من النساء في العقدين الأخيرين، وذلك بحسب الباحثة والناشطة الاجتماعية الإيطالية تيزيانا تيرانوفا.

وفي جو من الصراعات النفسية والعائلية والاجتماعية، في بحث فوضوي عن الهوية والانتماء والبوصلة، في هوة الانتقال من عمر الطفولة إلى المراهقة، يتطور الفضاء السردي لهذه الرواية الجديدة "حياة البالغين الكاذبة"، ليجد القارئ نفسه متعاطفاً مع بطلة فيرانتي"جوفانا" البالغة من العمر اثني عشر سنة. بطلة تختار فيرانتي أن ترميها وسط دوامة هائلة من الضياع والتشتت وتتفرج عليها محاولةً القفز من عمر الطفولة الزهرية إلى نفاق النضج.

بين الطفولة والبلوغ

في رواية تمتد على حوالى ثلاثمئة وخمسين صفحة، تفاجئ البطلة الصغيرة قارئها بإلقاء العقدة الروائية بين يديه ومنذ السطر الأول: "قبل عامين من مغادرة والدي بيتنا، قال لوالدتي إنني قبيحة جداً". ولم يكتفِ الوالد بذلك بل أغمد سكينته أعمق بعد قائلاً عن فتاته الصغيرة جوفانا: "وجهها يصبح مثل وجه فيتوريا" (ص11). فلا يلبث القارئ أن يتساءل: من أين لفتاة صغيرة مدللة مطيعة مهذبة أن تتقبل أن والدها يراها قبيحة، بالأحرى يراها تشبه شقيقته فيتوريا: أقبح امرأة يعرفها وأكثر امرأة يكرهها في هذا العالم؟.

ومنذ هذه الصدمة الروائية الأولى، يتحول السرد إلى رحلة نحو النضج تمر بمراحل متعددة، وكلما تقدم السرد ازدادت الحقائق بشاعة. يتحول السرد منذ بدايته إلى مهمة التعرف إلى هذه الفيتوريا المجهولة البعيدة التي لا تعرفها جوفانا ومن الممنوع عليها لقاءها. يتحول السرد إلى مهمة اكتشاف الذات عبر صورة الآخر وبمساعدة أوإشراف العمة فيتوريا رمز الذئب الشرير والمسيح المخلص في الوقت نفسه.

ولفيتوريا هذه قصة أخرى. ففيتوريا هي العمة الفظة، القاسية، المخيفة، العصبية، الحدة الطباع، البذيئة اللسان، غير المتعلمة، غير المثقفة، البعيدة كل البعد عن اللياقات الاجتماعية والتهذيب والأناقة. فيتوريا هي العمة التي يجب أن تنزل جوفانا إلى نابولي "السفلى" لمقابلتها، فنابولي العمة هي نابولي رمادية فقيرة طافحة بالروائح الكريهة والأصوات العالية واللغة العامية البذيئة. فيتحول المكان الجغرافي بدوره إلى رحلة اكتشاف الذات، إلى قفزة من الطفولة إلى النضج، من الوعي إلى اللاوعي المحفوف بالألغاز والغرائز. يتحول المكان الجغرافي إلى رمز من رموز الانتقال من الطفولة الزهرية الفارغة إلى الواقع القاسي: واقع الكبار.

وفي كل مرة تزور فيها جوفانا عمتها يتحول هذا الانزلاق أو السقوط نحو نابولي السُفلى والعمة فيتوريا إلى معمودية، إلى طقس مرور، إلى اكتشاف للحقيقة المرة وللذات الخفية المشحونة بالغرائز والبذاءات. فتقول جوفانا من بعد زياراتها الأولى للعمة: "عرفتُ يقيناً أن كل شيء في بيتي سيتغير نحو الأسوأ، وفي وقت قريب" (ص117)، في محاولة منها لتحضير قارئها إلى أحداث قبيحة مزعزعة.

سقوط الأقنعة

في مجتمع نابولي المتوسطي الجنوبي الذي يشبه مجتمعاتنا العربية، يحرص الأهل عموماً على حماية أبنائهم من الحقيقة المرة ومن الواقع القاسي، فيروحون ينسجون الأكاذيب بقدر المستطاع، ويروح الأولاد يصدقون هذه الحكايا، كحال جوفانا التي تقول قبل بدء الإعصار: "كنتُ أراقب والدي أيضاً. كم أنا محظوظة بهما، لم يكن بوسعي إيجاد أفضل منهما. كانا في منتهى الجمال، وقد تحابا منذ أن كانا شابين" (ص22).

إلا أن العمة فيتوريا تثقب فقاعة جوفانا الزهرية وتروح تدعوها إلى التمرد، إلى التحرر، إلى النظر. العمة هي المرشد والمعلم على الرغم من صلافتها وفظاظتها وسوقيتها، فهي طالما حثت جوفانا على رؤية الأمور، على النظر والمراقبة بدقة ووعي: "أصرت مراراً على مسألة النظر تلك... أنظري، أنظري، أنظري، كانت تلح علي." (ص94)؛ "رددت في أذني للمرة الألف: أنظري إليهما جيداً، أبويك، وإلا لن تُكتب لكِ النجاة" (ص104).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن فعل الرؤية في هذه الرواية هو فعل محوري، فجوفانا ترى والديها في البداية كائنين مثاليين، ثم تروح تنظر إليهما من منحى آخر. ترى جوفانا صديق والدها يغازل أمها تحت الطاولة، ترى حقيقة والدها المبتذلة وواقع مجتمعها المتصنع ومحيطها المنافق، ترى كل شيء بوضوح قاسٍ هي التي كانت غارقة في تصرفاتها اللائقة والمهذبة. تنفتح عينا جوفانا على الحقيقة وعلى الواقع في اللحظة التي تقابل فيها عمتها: المنقذة والجلادة في الوقت نفسه. ومهما حاولت جوفانا الهرب من عمتها ونصائحها، كانت في كل مرة تجد نفسها "واقعة" في شباكها وحبائلها وحقائقها البشعة.

دوامة التكرار السردي

على الرغم من موهبة فيرانتي هذه الكاتبة المجهولة الوجه والاسم والمعلومات، على الرغم من النجاح المزلزل الذي حظيت به، فإن إيلينا فيرانتي وقعت في فخ التكرار الروائي الذي يلحظه متتبع أعمالها، وبخاصة عند المقارنة بين الرباعية وهذا العمل الأخير "حياة البالغين الكاذبة". فيؤخذ على فيرانتي أن نصها وشخصياتها وفضاءها الروائي باتت خالية من المفاجآت. فنماذج الشخصيات الموجودة في هذه الرواية تتطابق إلى حد كبير مع شخصيات الرباعية، إضافة إلى عناصر كثيرة أخرى. فالبطلة في العملين، الرباعية وهذه الرواية، مرتبطة نفسياً وفكرياً ومتأثرة إلى حد كبير بنموذج امرأة قاسية حدة فظة وغير متعلمة.

البطلة في العملين منجذبة إلى شاب مثقف متعلم آتٍ من وسط متواضع ونراها تحاول دوماً أن تبدو ذكية أمامه، وهذا الشاب هو نفسه في مختلف النصوص ويتمتع بخصال متشابهة إلى حد كبير. البطلة في العملين ترى نفسها قبيحة وأقل منزلة من جميع المحيطين بها وتدأب على الاختباء من الضوء والاهتمام. البطلة في العملين تتميز عن المحيطين بها بعلمها ورزانتها وحكمتها، أقنعة ترتديها لتخفي تزعزع ثقتها بنفسها وبشكلها الخارجي.

عناصر كثيرة باتت تميز أدب فيرانتي وتتكرر في نصوصها، العناصر الجغرافية واللغوية والاجتماعية نفسها باتت مشتركة بين الأعمال كلها. فغالباً ما تستعين فيرانتي باللغة لتحدد مستوى شخصيتها الثقافي والاجتماعي، فالمثقفون والأغنياء يتحدثون بالإيطالية والآخرون يتحدثون بالعامية البذيئة وهو موضوع محوري في النصوص كلها ويتكرر بشكل كبير، كما أن الغوص في جنوب نابولي طالما عنى في أعمال فيرانتي سقوطاً نحو طبقات فقيرة معدمة غير متعلمة. وعلى الرغم من أن هذه الأمور قد تكون منبثقة من واقع نابولي إلا أن فيرانتي لم تتلاعب بها ولم تضف إليها أي عنصر تخييل جديد. فيبدو لقارئ "حياة البالغين الكاذبة" أنها استمرارية للرباعية إنما في حي آخر وضمن عائلة يملك أفرادها أسماء مختلفة.

ومن الجدير ذكره أن ترجمة معاوية عبد المجيد إنما هي ترجمة سلسة مُرسلة، تمنح السرد عذوبة وبساطة وتوهجاً هادئاً. وعلى الرغم من المجهود الجبار الذي قام به عبد المجيد، وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهها، هو الذي قال في إحدى مقابلاته "إن صعوبة ترجمة رواية نجهل هوية كاتبها تضارع دخول غابة شرسة"، على الرغم من كل ذلك يلاحظ القارئ أن اللغة لم تتلبد ولم تتسبب بأي نوع من الملل أو التعب في أي موضع من السرد. لتكون بذلك قراءةُ هذه الرواية من القراءات الجميلة المستحسنة التي تحمل قارئها إلى شوارع نابولي مدينة إيلينا فيرانتي وبطلتها الصغيرة الضائعة التي تكبر على حين غرة وتكتشف أن البالغين جميعهم كاذبون.

المزيد من ثقافة