Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حسن هند يحكي قصص مصر بين حدثين تاريخيين

رواية الأجيال المتعاقبة بقضاياها وما أحاط بها من تحولات بين يوليو 1952 ويناير 2011

ميدان التحرير في القاهرة الشاهد على تحولات عميقة في المجتمع المصري (غيتي)

يمكن وصف رواية "إنجيل مها" (دار ابن رشد- القاهرة 2020) للروائي المصري حسن هند، بأنها تقوم على بنيتين متوازيتين، تعكس الأولى أحداث حركة يوليو (تموز) 1952 والسنوات السابقة والممهدة لها، وترصد الثانية أحداث حراك يناير (كانون الثاني) 2011.

وعلى رغم توازي البنيتين، فإن الكاتب يسعى إلى تداخلهما من خلال البدء بالتاريخ القريب تحت عنوان "العهد الجديد"، ثم يعود إلى التاريخ البعيد نسبياً تحت عنوان "العهد القديم" بشكل متناوب على مدار الرواية. وهو ما يعنى أن شخصيات الرواية موزعة بين هذين العهدين، فنجد "حلمي السنهوتي" شاهداً على المرحلة الأولى، كما نجد حفيدته "مها" شاهدة ومشاركة في أحداث ثورة يناير. هذا الازدواج البنيوي استدعى ازدواج ضمير السارد ووضعيته، فنجد فصول "العهد القديم" مروية بضمير المتكلم حلمي السنهوتي، بوصفه شخصية داخلة في متن السرد. بينما نجد فصول "العهد الجديد" مروية بضمير الغائب من خلال وضعية السارد الخارجي العليم.

والحقيقة أن الرواية تقترب من طبيعة رواية الأجيال، جيل الأجداد ثم جيل الوسط – الآباء، المتمثل في "حسن السنهوتي" وشقيقته "ثريا"، وأخيراً جيل الأحفاد الذي تمثله "مها"، وهي شخصية ذات حضور واضح منذ العنوان وداخل المتن السردي.

احتفاء بالمرأة

 الرواية كذلك تحتفي بالمرأة على اختلاف نماذجها، فهناك "كاترين" الفرنسية المحبة للحضارة المصرية، وزوجة الجد "حلمي السنهوتي" التي تقول له أثناء زيارتهما لروما "أجدادك الفراعنة مثل هؤلاء، وقد أخذ الرومان منكم كل شيء حتى القانون". وكثيراً ما أبدت إعجابها بحتشبسوت "التي تشبهت في ملابسها بالرجال وبنت معبدها في الدير البحري"، ونفت عنها تلك الإشاعة التي تقول، إنها كانت تمارس الحب مع وزيرها الذي بنى لها هذا المعبد. وهناك "ثريا" المخدوعة التي استولى زوجها على أملاكها ومارس غزواته النسائية وكان (كما يصفه السارد)، أسطورة في عالم السياسة من خلال اتصالاته المتعددة وعلاقته الوطيدة بالإخوان المسلمين وعالم الاقتصاد والنساء. وعلى طرفي نقيض نجد "هدى" اليسارية و"رانيا بركات" الأصولية المتزمتة، في مقابل "نهى الأباصيري" سيدة الأعمال الشهوانية و"جيهان أبو العلا" زوجة أحد الباشوات وعاشقة السنهورى الفقيه الدستوري، وأخيراً "مها" التي كانت تمثل التيار المدني في ثورة يناير في مقابل دعاة الدولة الدينية.

وهناك من يمكن تسميتهم بالشخصيات الخارجة عن السرد، لكنها تظل مؤثرة فيه، ويصدق ذلك على شخصية "زينب" التي أحبها الهضيبي مرشد "الإخوان" بعد اغتيال مؤسس تلك الجماعة حسن البنا. ويبدو أنها زينب الغزالي القيادية الإخوانية الشهيرة. ويتساءل "حلمي السنهوتي" عن طبيعة هذه العلاقة الملتبسة فيقول "هل أحب الهضيبي هذا النموذج أم اصطنعه مثل أسطورة بغماليون، التي تحكي عن شخص صنع تمثالاً لسيدة جميلة ثم أحبها؟ وهل يريدها الذراع النسائية في جماعته"؟.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين البراغماتي والوجداني

هكذا يختلط السياسي البراغماتي والعقائدي والوجداني، وتظل افتتاحات الفصول أشبه بالاستهلالات الشعرية، التي تحدد توجه الأحداث، التي تبدأ من ميدان الثورة مصورة الحشود المتلاطمة التي اخترقتها "مها" حتى وصلت إلى كتلة بشرية وسط الميدان، وشعرت بالإعياء وهنا تتعرف على "أحمد عطية السلفي" الذي أنقذها من التحرش، محاولاً إقناعها بالسلفيين بعد أن قذفها أحدهم بالبيض اعتراضاً على سفورها. وحين تذكر أنهم "ضد الخروج على الحاكم" يوضح لها أن "قواعد السلفيين مختلفون مع قياداتهم". وهكذا يظل اختلاف الشخصيات محفزاً للسرد، ورصد اختلافات الرؤى. ومن ثم تمتاز هذه الرواية بما يمكن أن نسميه تأمل الدلالات واستبصار أعماقها. فدلالة مثل السفينة التى كانت "كاترين" تجلس على سطحها بفستانها الأبيض، يتوقف الكاتب أمامها على هذا النحو، "سفينة نوح التي تنقلك من عالم الموت والنوم إلى عالم الأحياء"، أو هي "الإبحار في الذات، في القلب، في الشرايين، في الكبد كما يقول الصوفية".

وفي بدء علاقة "حلمي السنهوتي" بـ"كاترين"، يتذكر نساء قريته اللاتي تعاملن مع الجسد كأنه محرم حتى على قاطنيه، "فيتشحن بالسواد وإذا ارتدت أي منهن ملابس حديثة تلبس فوقها بالطو وتجلس منكمشة حتى في حضور الأطفال".

وحين يتحدث أستاذ فرنسي عن أن الدولة غير الأمة، وأنه لا يوجد شكل ثابت للحكم يستدعي ذلك في ذهن "السنهوتي" ما فعله نابليون مع شيوخ الأزهر، "حين أوقفهم ممسكين بعضهم بأيدي بعض، ثم أسرى تياراً كهربائياً 12 فولت لتسري رعشة فيهم جميعاً ويرتعدوا صارخين: جِن".

التداعي المعرفي

هكذا تقوم الرواية على التداعي المعرفي، فكل شىء مسخر لهذا البعد المعرفي، فمسرحية "طرطوف" (رجل الدين الذي يسيطر على رب العائلة)  تجعل الخادمة تقول: "يالها من مهزلة، تخلصنا من طغيان الملوك ووقعنا في قبضة رجال الدولة والكنيسة".

وهناك أيضاً والد "كاترين" الماركسي الذي يقول بعد قراءة "رأس المال"، "يا سلام لو طُبقت المساواة في المأكل والملبس والإقامة، إنها جنة الأرض". ووجود "السنهوتي" دارساً للقانون في فرنسا، جعله دائم المقارنة بين الفرنسيين في المناقشة والاختلاف والشرقيين الذين تربوا على السمع والطاعة. وتقارن "كاترين" بين الشرقي الذي يلصق بالحبيب كل ما هو جميل ومطلق والغربي الذي يؤمن بالجسد ويرى في الحبيب كل ما هو واقعي.

وأسلوب الرواية (بصورة عامة) أسلوب شاعري، ولنقرأ استهلال الفصل التاسع والعشرين مثلاً على ذلك، "هل تحمل السماء زرقة البحر؟ بحر أزرق. أمواج تتلاطم وتنكسر على الشاطىء إلى موج أبيض تطير النوارس وترتفع إلى أعلى ثم تعود وتنخفض". وتكمن الشاعرية في ذلك التناوب بين الأسلوبين الإنشائي والخبري وآلية التضاد. وفي مواضع أخرى يوظف التشبيه التمثيلي مثل قوله إن "الحرية تحكمها التقاليد الراسخة مثل طائر يطير وفي أقدامه أثقال من حديد".

وهناك آلية تضمين الرسائل والمذكرات، وهكذا ينوع السارد من أساليبه بغرض استيعاب هذا العالم الزاخر بأحداث ثورتين كان لهما أثر بالغ في تاريخ مصر المعاصر.

المزيد من ثقافة