Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين والانتخابات الأميركية من يناسب الكرملين أكثر؟

الرئيس الروسي يكشف عن خياره ومراقبون يعتقدون إدراكه خطورة خطة تدمير بلاده من الداخل

المخاوف تحيط من تدخل روسيا مجدداً في الانتخابات الأميركية المرتقبة  (أ ب)

يتواصل الجدل حول صحة وواقعية ما يتداوله المراقبون الأميركيون من اتهامات حول تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016، ومدى احتمالات نجاحها مجدداً في التدخل بنظيرتها المرتقبة مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وها هو الكرملين يعرب عن كثير قلقه ومخاوفه من احتمالات هزيمة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، على وقع الأنباء الواردة حول تقدم منافسه جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي في اختبارات قياس الرأي العام بنسبة تزيد على 10 في المئة.

وعلى الرغم من اعتراف موسكو بأن ترمب يظل الرئيس الأميركي الأكثر إقراراً للعقوبات الاقتصادية ضد روسيا، والأشد عداءً في التعامل معها، تحذر المصادر الروسية من خطورة الإغراق في العداء مع الولايات المتحدة، فيما تؤكد ضرورة وأهمية "التعاون على صعيد السياسة الدولية"، وتنسيق المواقف في مواجهة قضايا العصر، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب الدولي، والحد من التسلح النووي، والحيلولة دون انتشار "الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل". 

وعلى الرغم من إصرار موسكو على إنكار مسؤوليتها عن أي أعمال تخريبية، ثمة من يقول إن أجهزة روسية تقف وراء تدبيرها وتنفيذها، بما في ذلك "مزاعم" التدخل بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، يظل الديمقراطيون على قناعة بتعاظم دورها في دعم ترمب، ومصلحتها في فوزه بفترة رئاسية ثانية. وفي هذا الصدد تظل محاولات الكرملين الظهور بمواقف حيادية، غير ذات جدوى، على وقع ما يتسرب من معلومات وتصريحات عن الكرملين تقول إن فوز بايدن لن يخدم تطوير العلاقات الروسية - الأميركية، وهو الذي وصف منافسه ترمب بأنه "كلب بوتين". كما أن ما قاله بوتين في معرض تعليقه حول هذا الشأن لبرنامج "موسكو - الكرملين - بوتين" شبه الرسمي، يكشف عن بعض مما يكتنفه الغموض على هذا الصعيد.

 حياد روسي

وكان بافيل زاروبين، مقدم هذا البرنامج على شاشات القنوات الرسمية، ومنها "قناة "روسيا -1"، و"روسيا 24" الإخبارية الرسمية، حرص بدوره في برنامجه الحواري "موسكو - الكرملين - بوتين" الذي يقدمه تحت رعاية الكرملين، على توفير الفرصة المناسبة للرئيس بوتين للتعليق على اتهام بايدن لخصمه ترمب بأنه "كلب بوتين"، والإعلان عن موقفه رسمياً من هذه الانتخابات. ورد الأخير على الاتهامات التي سبق وصدرت عن الديمقراطيين الأميركيين طوال السنوات الأربع الماضية، ومنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 بشأن تدخل روسيا وأجهزتها الأمنية في تلك الانتخابات بقوله "إن بلاده لا تتدخل في الانتخابات، وتقف على الحياد من الطرفين. حرروا عقولكم من مثل هذه التفاهات". وأضاف "أن روسيا تقدر تصريحات دونالد ترمب حول تطوير العلاقات الروسية - الأميركية".

وإذ أشار بوتين إلى الكثير مما تحقق على صعيد العلاقات الثنائية بين البلدين خلال السنوات القليلة الماضية على الرغم من كل ما فرضته واشنطن من عقوبات اقتصادية وسياسية ضد روسيا، أعرب عن تقديره لما وصفها بالإنجازات، وإن أشار إلى تعثر المسيرة، وظهور ذوي المصلحة في خروج العلاقات عن مسارها الصحيح. وعزا ذلك إلى ظهور البعض من كبار رجال منظومة "الحلول الوسط" من ذوي التأثير في نشاط الحزبين تجاه ما وصفه بـ"ضرورة كبح جماح روسيا".

ولعل من الغريب أن تظل موسكو أقرب في تأييدها غير المعلن لدونالد ترمب، على الرغم من اعتراف بوتين بأن العلاقات الثنائية شهدت في ظل حكم إدارة ترمب اتخاذ 46 قراراً، تقضي إما بفرض عقوبات جديدة، أو توسيع دائرة ما سبق واتخذته الولايات المتحدة ضد روسيا من عقوبات، إضافة لما أعلنته الإدارة الأميركية الحالية عن خروجها من معاهدة الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وما تعلنه إدارة ترمب حول بدء الإجراءات الخاصة بالخروج من معاهدة "السماوات المفتوحة"، وتلك خطوة بالغة الخطورة لا بد أن تثير القلق. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، حيث ظهر على الساحة السياسية كثيرون من المحافظين الجُدد ممن يقفون وراء عدم تنفيذ عدد من المشروعات المشتركة.

 وعلى الرغم من كل ذلك، قال بوتين، إن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع "بشكل ملموس"، فضلاً عما تحقق من استقرار على صعيد أسواق الطاقة. وفي إطار تقديره لمواقف مرشح الحزب الديمقراطي بايدن قال، إنها تتسم بالكثير من العداء لروسيا، وإن أشار إلى "أنها تقترب من مبادئ الاشتراكية الديمقراطية التي تتقارب معها أيديولوجية الحزب الشيوعي بكل ما تتضمنه من قيم يسارية الطابع التي اعترف بأنه لا يزال معجباً بها، ومنها التكافؤ والعدالة، القريبة من المثل المسيحية. لذا، فإن هناك أيضاً ما يجمع روسيا مع ممثلي الحزب الديمقراطي". 

وأضاف في معرض تعداده لما يمكن أن يجمع روسيا مع الحزب الديمقراطي، وما يطرحه بايدن حول إمكانية مد فترة معاهدة حول الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، أو التوقيع على أخرى جديدة، إنه "يمكن اعتباره عنصراً جاداً لاحتمالات التنسيق المتبادل بين الجانبين في المستقبل".

ولعل ذلك ما دفع الرئيس الأميركي ترمب إلى المسارعة بالعودة عن رفض اقتراح موسكو حول تمديد فترة معاهدة "الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية" لمدة عام، استعداداً لتوفير الفرصة لمباحثات مستفيضة خلال العام المقبل لمد المعاهدة لفترة جديدة، غير أن ثمة شواهد تقول إن ترمب عاد إلى ما يقترحه بوتين، ليقول باحتمالات إعادة النظر في هذه المسألة. وكان الأخير قد أكد في أكثر من مناسبة أن بلاده على يقين من شعب هذا البلد أو ذاك، والولايات المتحدة ليست استثناءً، هو المخول لاختيار حكامه "أما نحن فمراقبون خارجيون ولا نتدخل في مثل هذه الأمور". وأضاف أن "موسكو ستعمل مع أي رئيس مستقبلي للولايات المتحدة، مع الشخص الذي سيثق به الشعب الأميركي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضمانات متبادلة

وللمزيد من محاولات طمأنة الدوائر الأميركية تجاه عدم تدخل روسيا في الانتخابات طرح الرئيس الروسي فكرة تقديم كل من البلدين روسيا والولايات المتحدة ضمانات متبادلة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض.

وفي بيان أصدره حول التعاون بين البلدين في مجال أمن المعلومات، دعا إلى "تبادل ضمانات بشكل مقبول للطرفين، بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يشمل العمليات الانتخابية، بما في ذلك عبر استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووسائل التقنية العالية". ونقلت عنه الوكالات الروسية والعالمية ما قاله حول اقتراحه على الولايات المتحدة "الموافقة على برنامج شامل للتدابير العملية لإعادة إطلاق العلاقات بين البلدين في مجال استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يتضمن استعادة حوار ثنائي منتظم واسع النطاق بين الوكالات المعنية، والحفاظ على الأداء الفعال والمستمر لقنوات الاتصال بين الإدارات المختصة في البلدين." 

ودعا بوتين إلى "العمل المشترك على تطوير وإبرام اتفاق حكومي ثنائي بشأن منع الحوادث في مجال المعلومات على غرار الاتفاقية السوفياتية الأميركية السارية بشأن منع الحوادث في مياه البحار والمجال الجوي فوقها من عام 1972"، إلى جانب مناشدته كل الدول، بما فيها الولايات المتحدة، التحرك صوب "إبرام اتفاق عالمي تلتزم بموجبه بعدم المبادرة في توجيه ضربة ضد بعضها البعض باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات". ومن اللافت في هذا الصدد أن الرئيس بوتين حرص على العودة إلى هذه المسائل في معرض لقائه عبر "الفيديو كونفرانس" مع "منتدى فالداي"، الذي عقد دورته السنوية هذا العام في موسكو.

وتعليقاً على ما يطرحه ترمب بشأن ضرورة انخراط الصين في مباحثات الحد من التسلح التي توقفت بين الولايات المتحدة وروسيا، قال بوتين، إنه لا يمانع، لكنه تساءل عن إغفال دول نووية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا، قال بضرورة استمالتها أيضاً إلى هذه المباحثات، فيما أشار إلى وجود دول لا تعترف رسمياً بأنها تملك أسلحة نووية، في الوقت الذي يعرف فيه العالم كله أنها تمتلك هذه الأسلحة، مؤكداً ضرورة دعوتها إلى المشاركة في هذه المباحثات. 

وذلك ما كان محور اهتمام البرنامج التلفزيوني "أمسية مع سولوفيوف"، المعروف بعلاقة مقدمه فلاديمير سولوفيوف الوثيقة مع الكرملين. في هذا البرنامج الذي يحرص فيه سولوفيوف اليهودي الروسي، على استضافة جنرال الموساد ياكوف كيدمي (ياكوف كازاكوف) وهو منشق سوفياتي سابق رحل عن موسكو عام 1967، ليعود ثانية إليها كضيف دائم على برنامج وثيق الصلة بالكرملين. قال كيدمي، إن هناك ما لم يقله الرئيس بوتين ويتمثل في إدراكه حقيقة نوايا الولايات المتحدة تجاه كل من روسيا والصين.

وأوضح أن بوتين وبحكم منصبه وبما يتمتع به من حنكة دبلوماسية، لم يكشف عن يقينه من أن الإدارة الأميركية وبغض النظر عن انتماء ساكن البيت الأبيض، ديمقراطياً كان أو جمهورياً، تضمر لروسيا وللصين الكثير من الخطط الاستراتيجية التي تستهدف "إنهاء وجودهما على النحو الذي هما عليه الآن". 

وأكد جنرال الموساد، أن ذلك هو ما لم يقله بوتين. أما عن الدليل، وعلى حد قول كيدمي، فهو ما تمارسه الإدارة الأميركية إلى جانب ضغوطها العسكرية والاقتصادية، من محاولات لطمس هوية السلطة في هذين البلدين. وعلى الرغم اعتراض مقدم البرنامج على تعليق كيدمي حول أن الرئيس بوتين يبالغ في إعرابه عن ارتياحه للتعاون الاقتصادي بين البلدين، قال جنرال الموساد إن ما تمارسه الولايات المتحدة من ضغوط وعقوبات اقتصادية تستهدف في حقيقة الأمر عرقلة التنمية والتطور الاقتصادي في روسيا، الأمر نفسه تفعله في الصين.

 وعلى النحو ذاته، علَّق كيدمي على التأكيد المستمر للرئيس بوتين أن روسيا تؤكد احترامها لسيادة بلدان الفضاء السوفياتي السابق، وأنها لا تضمر أي خطط تستهدف إحياء الاتحاد السوفياتي السابق أو الاتحاد مع أي من بلدانه. وقال جنرال الموساد، إنه ليس على يقين من تمسك بوتين بمثل هذا الموقف، حين يواجه بتحول أي من هذا البلدان إلى الاتجاه المعاكس، وفتح أبوابها لتكون منصة عسكرية لخصوم روسيا، وذلك صحيح إلى حد كبير، ويؤكده ما تتخذه موسكو من مواقف اليوم تجاه كل من بيلاروس، وأوكرانيا، وجورجيا، وغيرها من مناطق الفضاء السوفياتي السابق، وهو ما يدركه بوتين نفسه ويتمسك به إلى أبعد الحدود، مؤكداً في الشأن ذاته حرصه على توطيد علاقات بلاده مع الصين، وقال إنه لا يستبعد التحالف العسكري معها.

أما عن محاولات "الغزل" غير المباشر من جانب الرئيس الأميركي الحالي ترمب، بشأن رغبته في عودة روسيا إلى مجموعة "السبعة الكبار"، التي سبق وأسقطت عضوية روسيا فيها عام 2014 أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانية وتداعياتها من اشتعال المعارك وإعلان جنوب شرقي أوكرانيا الانفصال وانضمام القرم إلى روسيا، قال بوتين، إنه لا يرى ضرورة قصوى لذلك، مؤكداً أن بلاده تكتفي أكثر بنشاطها في منظمة الأمم المتحدة، وفي "مجموعة العشرين".

أما عن التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للغير، فيعيد الكثيرون في روسيا وخارج روسيا ما فعلته وتفعله الولايات المتحدة بتمويلها منظمات المجتمع المدني في عديد من البلدان، إلى جانب ما قامت وتقوم به في إطار تنفيذ فكرة "الثورات الملونة" في بلدان الفضاء السوفياتي السابق منذ مطلع القرن الحالي.

وليس بعيداً عن الأذهان ما قامت به المخابرات المركزية الأميركية في صيف 1996 قبيل وأثناء انتخابات الرئاسة الروسية، من خلال وفدها الذي أقام في فندق "بريزدنت" التابع لإدارة الكرملين في قلب موسكو بدعوة من تاتيانا؛ ابنة الرئيس بوريس يلتسين، فضلاً عن نشاطها الذي يتزايد يوماً بعد يوم داخل صفوف منظمات المجتمع المدني، وهو ما ليس بخافٍ عن أنظار ومتابعة الأجهزة الأمنية الروسية.

المزيد من تقارير