Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البريطاني أوبري بيردسلي يلهب برسومه جدران متحف أورسيه

معرض باريسي إستعادي يتيح فرصة اكتشاف فنان كبير عاش 26 عاما

لوحة للرسام البريطاني أوبري بيردسلي تمثل حكاية تريستان وإيزولت (الخدمة الإعلامية في المعرض)

يحظى الرسام الإنجليزي الكبير أوبري بيردسلي (1872 ــ 1898) بمعرضٍ استعادي في فرنسا ينظّمه متحف "أورسيه" الباريسي بالتعاون مع متحف "تايت" البريطاني. ونقول "أخيراً" ليس فقط لأن هذا الرسام عاش جزءاً مهماً من حياته القصيرة في فرنسا، ومات فيها، بل لأنه كان من المفترض أن تنال عبقريته مثل هذا الاهتمام منذ فترة طويلة في موطن الحداثة الفنية.

فنان متأنق متبختر وعاشق للجمال الغريب، وأحد أبرز وجوه مرحلة "الانحلال" (décadence) المجيدة في نهاية القرن التاسع عشر، نجح بيردسلي في سنوات معدودة في تشييد صورة شاب معجزة لنفسه وغير امتثالي بكشفه خبث التزمّت الذي صبغ نهاية الحقبة الفيكتورية في وطنه، وبتمثيله بجرأة الرغبات والشخصيات الأدبية المرتبطة بموضوع التحرر في رسوم باهرة تعكس استيعابه وصهره أساليب تعود إلى مختلف مراحل تاريخ الفن.

 

من بين الأشخاص الذين عرفوا بيردسلي جيداً وكتبوا عن شخصيته وعمله، ثمّة من ربط تفتّح موهبته الفنية المبكر وقدرته الحيوية على الابتكار وافتتانه بالموضوعات الإروسية ورغبته الظاهرة في الشهرة، بمأساة حياته الكبرى، أي إصابته منذ طفولته بمرض السل وإدراكه بأن وقته كان معدوداً على هذه الأرض. وفي هذا السياق، كتب صديقه الشاعر أرثور سيمونس عنه: "كان يملك السرعة الخاطفة لأولئك الذين يتربّص الموت بهم باكراً جداً، ولكن أيضاً ذلك الكمال المبلبِل وسِعة المعرفة المدهشة وتلك القدرة على امتصاص حياة بكاملها في غضون ساعة". وهذا ما يفسّر بالتأكيد السهولة التي عبر فيها من أسلوب إلى آخر، من دون أن يفقد شيئاً من أصالته: "كان قادراً في يومٍ واحد أن يكون رساماً باروكياً، نيو كلاسيكياً، ما قبل رافائيلي ويابانياً، وأن يبقى دائماً بيردلسي"، لاحظ مؤرّخ الفن الألماني جوليوي ميير غرايفي. وإلى هذه اللائحة من الصفات، يمكننا أن نضيف: كان إغريقياً، نهضوياً، رمزياً، وحتى رسام "روكوكو (أسلوب زخرفي من القرن الثامن عشر). وحول هذه الانتقائية، كتب مؤرّخ الفن البريطاني جون روزنشتاين: "كانت موهبته الأكبر قدرته على استيعاب التأثيرات مع الاحتفاظ ببصمته الفريدة وتطويرها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مخيلة أدبية

مخيّلة بيردسلي تشكّلت وتغذّت باستمرار من قراءاته. فمنذ صغره، التهم ليس فقط الأعمال الأدبية الكلاسيكية الإنجليزية، بل أيضاً أعمال كتّاب فرنسيين كثر. ويجب انتظار لقائه بالناشر جوزيف مالابي دينت عام 1893، الذي كان يبحث عن رسام لتزيين طبعة جديدة من رواية توماس مالوري "موت الملك أرثور" (1469)، كي يفلت العنان لمخيّلته داخل رسوم فتنت الناقد المتخصّص بالرسم الغرافيكي، جوزيف بينيل، فرصد لها مقالاً مدح فيه بحماسة التعدد الأسلوبي لعمل صاحبها. بعد ذلك، أنجز سلسلة رسوم استخدم فيها بحرّية كبيرة نماذج زخرفية يابانية لخلق "عالم جديد خاص بي (...) مجنون تماماً وفاحش بعض الشيء". رسوم يحضر بعضها على شكل لفافات يابانية عمودية (kakémonos)، وتتضمن "المرأة غير المفهومة" الذي يعتبر الرسم الأجمل في هذه السلسلة ويظهر فيه تبنّي بيردسلي بسرعة التكلّف الغرافيكي لحركة "صور العالم العائم" الفنية اليابانية (ukiyo-e) والنماذج الزخرفية المنمَّقة التي تعلو الخزفيات اليابانية.

وفي العام نفسه، وإثر صدور نصّ مسرحية أوسكار وايلد، "سالومي"، بالفرنسية، استوحى بيدرسلي من مشهدها الأهم رسمه التحريضي "لقد قبّلتُ فمك يا يوكانان" الذي سجّل فيه نقلة نوعية في عمله عبر استخدامه بعبقرية ذلك الخط المتعرّج الذي يميّز أسلوب "الفن الجديد" ويحضر كـ "ضربة سوط" تلطّفه فضاءات من الأسوَد موزّعة بعناية. لكن أبعد من هذه الاعتبارات الزخرفية، تعكس الطريقة الفريدة لرسمه شخصية سالومي في دور المرأة القدرية (femme fatale) تنمّي وعيه واهتمامه بالميول "الانحلالية" والرمزية للطلائع الأوروبية. ولا شك في أن افتتان الكثيرين بهذا الرسم فور صدوره في مجلة "ستوديو" هو الذي دفع وايلد وناشره إلى اختيار بيردسلي لتزيين الطبعة الإنجليزية من "سالومي". خيار صائب لأن هذا الكتاب لا يلبث أن يصبح الأكثر أهمية وشهرة في حقبته، بفضل نصّه طبعاً، ولكن أيضاً بفضل الرسوم التي تزيّنه. رسوم بعضها ذات طابع كاريكاتيري، وبعضٌ آخر يتضمن تفاصيل تخدش الحياء، وبعضٌ أخير لا علاقة له بموضوع الكتاب ويعكس احتقار الرسام للتقليد الذي يقتضي بأن تحترم الرسوم التزيينية لنصّ الكتاب.

رسوم ووثائق

في معرض بيردسلي الحالي، نشاهد نماذج من جميع الرسوم التي سبق ذكرها إلى جانب رسوم ووثائق تبيّن مدى ولعه بالثقافة الفرنسية الذي دفعه إلى الإقامة مراراً في فرنسا. ثقافة غذّت وحيه وشكّلت مكوّناً رئيسياً لهويته كفنان متأنق ومتبختر، وتتجلى تأثيراتها في موضوعات رسومه المستقاة من أعمال أدبية فرنسية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خصوصاً من المرحلة "الانحلالية"، كما تتجلى في جماليته الفريدة التي تعكس سعياً حثيثاً إلى خلق عالمٍ ذهني شخصي وملغَّز ينتفي فيه أي بُعد سردي، وهو ما يفسّر افتتان الرسامين الرمزيين الفرنسيين بعمله.

تحضر في المعرض أيضاً أعداد من مجلة "الكتاب الأصفر" الطلائعية التي عُيّن بيردسلي مديراً فنياً لها عام 1894 وحوّلها بسرعة إلى مجلة أيقونية لزمنها بفضل تزيينه أغلفتها ومحتواها برسومه الجريئة. مجلّة وسّعت نطاق شهرته، قبل أن يتم إبعاده عن فريقها عام 1895 بسبب ارتباط اسمه بأوسكار وايلد وإدانة هذا الأخير بتهمة خدش الحياء العام. نشاهد أيضاً سلسلتين من الرسوم بدأهما بيردسلي في صيف 1896 واستوحى مضمونهما الإروسي من نصّين كلاسيكيين: نصّ أريستوفان الكوميدي الساخر "ليسستراتي" الذي يروي فيه قصة تلك النساء الإغريقيات اللواتي دخلن في إضراب عن الجنس لحمل رجالهنّ على إيقاف القتال والتخلّي نهائياً عن مهنة الجندية؛ ونصّ "الأهجوّة السادسة" الذي يهاجم الكاتب الروماني جوفينال فيه أخلاق نساء روما القديمة وسلوكهنّ. وفي السلسلتين على حد سواء، نستشف فكاهة بيردسلي القارصة وغياب أي محظور في مقاربته مختلف جوانب الموضوع الجنسي، ونُفتن بأسلوبه الخطوطي الجديد المستوحى من المحفورات الإروسية اليابانية ومن الخزفيات الإغريقية.

وتختم المعرض الرسوم المائية التي أنجزها الفنان عام 1897 بتدرّجات رماديّة مرهفة من أجل تزيين طبعة جديدة من رواية "الآنسة دو موبان" (1835) التي يسرد الكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه فيها مغامرات شابة تشعر بأنها تنتمي إلى الجنسين (androgyne) وتتنكّر أحياناً في هيئة رجل للإفلات من اعتباطية الهوية الجنسية. رواية لا تكمن قيمتها في موضوعها الجريء فحسب، بل أيضاً وخصوصاً في مقدّمتها التي هي عبارة عن بيان حول الفن من أجل الفن، وضدّ النظرة النفعية والأخلاقية للجمال.

لم يعيش بيردسلي أكثر من 26 عاماً، ولم ينشط فنياً أكثر من ست سنوات، لكن هذا العبور الخاطف كان كافياً كي يتحوّل إلى ظاهرة أثناء حياته، وإلى أسطورة بعد وفاته، كما تشهد على ذلك موجة الرسامين الذين أتوا مباشرةً بعده وقلّدوا بشكلٍ مكشوف أسلوبه من دون أي يتمكّنوا من مضارعته، والفتنة التي ما زالت رسومه تمارسها إلى حد اليوم ما يجعلها تحظى بفرصة التأمّل فيها.

المزيد من ثقافة