أطواد الدهن: ماذا تقوله هذه التخثرات الشحيمة عن مجتمعنا وكيف نتعامل معها؟

لو كان لروح الزمالة الإنسانية شكلٌ مادي، لكان ربما شبَه اللوياثانات الدهنيّة التي اجتاحت مجارينا، يقول هاري كوكبرن.

التخثرات الشحيمة في احدى المجاري في لندن. (أ.ف.ب)

عندما كنتُ طالباً، توجّهتُ وصديقتي إلى باريس لتمضية عطلة نهاية أسبوعٍ شتوية. ارتدينا معاطف طويلة ونزلنا في فندقٍ موحش في أحد شوارع الباستي الضيّقة. أمضينا العطلة بطولها  في حاناتٍ غريبة شبه خالية، وكان "نشاطنا" الأوحد هو  التطواف في جولةٍ رومانسية عبر مجاري الصرف الصحي الباريسية.

ويمكن لكلّ قاصدٍ أن يبلغ هذه المجاري بواسطة سلالم حجريّة تصل الشارع المرصوف والمزدحم بالحركة بأنفاق باردة ومظلمة تحت الأرض؛ وهذه الأنفاق تعبق بأبخرة لا مفرّ من أن تلفّ تدريجياً كلّ من ينزل إليها. وفيها، يُمكن للزائر منّا أن يسمع صوت اندفاعٍ مائي ويشعر برطوبةٍ شديدة في الأجواء، وإلى الأمام، يمكنه رؤية نهرٍ عريض تتدفّق مياهه من القناة باتجاه دهيلزٍ مركزي مضاء جيداً.

كانت التجربة شبيهة إلى حدٍّ كبير باقتحام مشهدٍ من فيلم "تشارلي ومصنع الشوكولاتة" (Charlie and the Chocolate Factory). ولكن بدل أن نُمتّع ناظرينا بالأطايب، كنا نشتمّ روائح كريهة ونرصد بين الحين والآخر أشياء عائمة تعبر مجرى المياه على جناح السرعة. وتُعتبر قنوات الصرف الصحي الباريسية الغائرة إحدى أشدّ إنجازات مدينة الأضواء مدعاةً للفخر منذ بدء تشغليها بشكلها الحديث إبان خمسينيات القرن التاسع عشر. ومن السهل جداً أن نفهم السبب، فهي من دون منازع قوّة محرّكة معقولة للتخلّص من المخلّفات على نحو فعال.

تسحب صديقتي الوشاح من حول عنقها وتضعه على أنفها، ثم نجول معاً في الأنفاق لقراءة اللوحات التي تستعرض معلومات مختلفة عن تاريخ بنائها ودورها المهم في المجتمع الفرنسي ومدى تأثيرها في الأدب ومكانتها المحببة إلى قلوب الفرنسيين.

لكن ما هو أكثر إثارة من التعرّف على تاريخ هذه الأنابيب الضخمة تحت الأرض هو معاينة الزخم في تدفقه التام. فوق الأرض، باريس الساحرة والمتألقة في ذروة ألقها –رومانسية وفن ونحاس مصقول ومأكولات فاخرة وموضة – وتحت الأرض، مجرّد أنفاق تتقطّر فيها العصارة البنية التي تصدر عن المدينة.

فبالإضافة إلى مخلّفات السيارات، مكوّنات لا تحصى ولا تعد تتنقل بهدوء عبر ممرات المجاري المظلمة. هنا، واقيات ذكرية منتفخة تنساب في العتمة كقناديل البحر النافقة. وهناك، حفاظات وفوط صحية وسدادات قطنية وقطع ليغو وأوراق ملفوف وأغلفة بلاستيكية من مختلف الأنواع. وأنا، فوقها على ممرٍّ معدني، أتأمل سيلها الغزير اللامتناهي.

وفي الأخير، تجرّني صديقتي بعيداً عن الدرابزين وتعود بي إلى العالم الفوقي البرّاق والصاخب الأرض، شاكيةً من غثيانٍ لا يزول إلا بكميةٍ كبيرة من النبيذ.

لقد مضى على زيارتنا باريس 12 أو 13 عاماً. آنذاك، كانت المجاري كشفاً -  زلاقة سريعة الدفق من الدنس. أتخيل  مجاري مثل هذه تخترق طريقها أسفل كلّ مدينة من مدن العالم ساكبةً وهادا هادرة من المخلفات البشرية عبر متاهة أنفاقها الآجورية، كل واحد منها  يحمل سيلا جارفا من القاذورات والقمامة.

هذا كلّه حدث قبل أن تغزو أطواد الدهون [المعروفة بالإنكليزية بـ"فاتبيرغ"] مخيّلتي. متى سمعنا عن هذه الكتل للمرة الأولى؟ قبل مدة ليست بعيدة. يبدو أنّها انزلقت من حيث لا ندري ووصلت إلى شبكات الصرف الصحي البريطانية إبداع مميّز للقرن الواحد والعشرين. أطواد من الدهون، لم نعرف بوجودها من قبل ولكنّها اليوم مشكلة كبيرة تُكلّفنا الملايين. إنها كوليسترول المجاري - كتل دهنيّة تنجرف في شرايين نظام الصرف الصحي حيث تتخثّر، متسببةً في نهاية المطاف بتضيّقها وانسدادها.

"أطواد الدهن" هي النقيض المقيت والجامد لكلّ ما ترمز إليه مجاري باريس عالية القدرة. إنها الديدان المعوية لبلد سقيم. إنها النسخة الخاصة بالمجاري عن رجالات "ميشلان" الذين توفوا الواحد تلو الآخر وتكدّست جثثهم المترهلة والشاحبة وانصهرت ببعضها البعض مكوّنةً كرة موتٍ مطاطية.

ولا يخفى عليكم أنّ حجم الكتل هذه كبير أيضاً. ولو تنظرون بإمعان إلى التقارير المعدّة عنها، ستجدون أنّها تُقاس دائماً نسبةً إلى الحافلات ذوات طابقين.

ظهور كتل الدهون يتزامن مع رزوح كوكبنا أكثر فأكثر تحت ثقل التلوّث الذي صنعته أيدينا، وهو لا يُبشّر بالخير.

والأرجح أنّ كتل الشحم هذه شنّت أولى هجماتها الخبيثة على الوعي العام أوائل العقد الثاني من الألفية الثانية. أول مثال ذي بال لوحظ فيما يبدو عام 2013 عندما أثار شيء ما ضخم  حيرة عمال في مجاري كينغستون أبون تايمز في لندن. "لو لم نكتشفها في الوقت المناسب لانبثقت مياه المجاري غير المعالجة من فتحات المجاري وأغرقت شوارع ’كينغستون‘كلّها"، وفق ما جاء بطرافة على لسان الناطق باسم شركة "تايمز ووتر".

هذه الزائدة الشحمية الهائلة كانت بحجم حافلةٍ ذات طابقين واحدة فقط. ومع ذلك، اعتُبرت أكبر تكدّس متجمّد لأطعمة معفّنة  يُعثر عليه في مجاري الصرف الصحي. فتصدّرت أخبارها عناوين الصحف والمجلات في مختلف أنحاء البلاد. وبسببها، تشكّلت كتيبة  طود الدهن لتايمز ووتر -  فريقُ اقتحام يضم خبراء محترفين في معالجة المجاري، تحوّلوا سريعاً إلى متخصصين في إزالة كتل الدهون.

ولكننا لم نرَ بعد شيئاً.

على الرغم من انكباب فريق عمّال تنظيف المجاري على تحطيم كتلة الدهون على مدار الأسبوع وتكبيدهم السلطات مليون جنيه استرليني في الشهر الواحد، فقد استغرقت عمليّة إزالة التحفة المخزية بالكامل زهاء الشهرين.

ففي العام 2014، عُثر على طود دهون يفوق طوله 70 متراً (أيّ ما يوازي سبع حافلات من طابقين) في شبردز بوش. كان العمال  ينوون نزول السلالم إلى أنفاق الصرف الصحي الكبيرة، لكنهم لم يستطيعوا ذلك، فقد اصطدموا بجدارٍ كريه فور رفعهم غطاء البالوعة – الكتلة الصلبة العملاقة كانت تملأ الفراغ بالكامل. وقد استغرق تفتيتها وتنظيف الأنابيب بمضخات ذات ضغطٍ عالٍ في هذا الجانب من غرب لندن قرابة الأسبوع.

وفي السنة التالية، عُثر في منطقةٍ قريبة على وحشٍ آخر (بطول أربع حافلات مزدوجة) يسدّ قنوات الصرف الصحي لضاحية تشيلسي. وقد كانت هذه الكتلة البالغ وزنها 10 أطنان، ضخمة لدرجة أنها حطّمت أنابيب المجاري وأجبرت العمال على حفرها وتجويفها بأيديهم.

أما عام 2016، فلم يُعثر على أيّ طود دهون في المملكة المتحدة. والعكس صحيح بالنسبة إلى أستراليا، حيث سجّل عمّال تنظيف المجاري أول ظهور من نوعه لهذه القروش البيضاء: كتلة دهنية تزن طناً (وتوازي بحجمها 0.83 حافلة ذات طابقين) تصدّرت عنواين الأخبار المحلية وكانت صدمةً كبيرة للأمّة جمعاء.

وإبان العام 2017، حققنا رقماً قياسياً بالعثور على أكبر طود دهون مكتشف حتى اليوم في وايت تشابل شرقي لندن. وقد بلغ طول الكتلة العملاقة آنذاك 250 متراً (أي ما يُوازي طول خمس وعشرين حافلةً ذات طابقين) فيما عادل وزنها وزن إحدى عشرة حافلةً ذات طابقين. كانت الجرذان تعيش فيها. وعلى الرغم من انكباب فريق عمّال تنظيف المجاري على تحطيمها على مدار الأسبوع وتكبيدهم السلطات مليون جنيه استرليني في الشهر الواحد، فقد استغرقت عمليّة إزالة التحفة المخزية بالكامل زهاء الشهرين.

واحتفاءً بالإنجاز، تمّ عرض قطعتين متبقيتين من الكتلة الدهنية المتصلّبة في متحف لندن. وفي العام نفسه، عُثر في الولايات المتحدة الأميركية على أول كتلة دهنية. ولسوء الحظ، جاء اكتشافها متأخراً وكانت النتيجة أن فاضت مياه المجاري غير المعالجة في بالتيمور وسط أمطار غزيرة، الأمر الذي أدّى إلى انجرافها نحو مجرى النهر القريب.

وفي منتصف العام 2018،  اكتُشف طود دهون جديد في مجاري ساوث بانك، لندن. وكان ضخما لدرجة أنه لا يزال مدى هذه الضخامة غير معروف إلى اليوم. يقول البعض إنها تدور دورةً كاملة حول الأرض، فيما يقول البعض الآخر إنها أكبر من ذلك بكثير وتبلغ أبعاداً مختلفة، مخلّفةً وراءها ترسّبات زيتية. وإبان العام الحالي، عُثر على طود دهون جديد مثير للاشمئزاز في مجاري بلدة "سيدموث" الصغيرة على ساحل القناة الإنكليزية في ديفون، وكان توازي بحجمها ست قافلات مزدوجة.

لقد وصلت إلينا بينما نحن بأمس الحاجة إليها؛ هي عبارة عن رسل مهمّتها أن تعكس صورة مجتمعنا وتُبيّن لنا الخطورة التي أمست عليه أفعالنا بحق العالم.

وحينها، كتبتُ خبراً لصحيفة "الاندبندنت" عنها. "هذا ليس فكرة سيدموث عن التسلية"، قالت لي إحدى السيدات بغضب عندما سألتها عمّا إذا كانوا سيعرضون بقايا من الكتلة في متحف البلدة كما فعلوا في لندن. ويتزامن ظهور كتل الدهون مع رزوح كوكبنا أكثر فأكثر تحت ثقل التلوّث الذي صنعته أيدينا، وهو لا يُبشّر بالخير.

من الممكن أن يكون ظهور "أطواد الدهن" نذير كارثة وشيكة. فإلى جانب كونها طاغوت قذارة مقزز، تراها توفر مرتعاً خصباً ومثالياً لتكاثر أنواع الجراثيم المسببة لالتهابات وأمراض مميتة، على غرار الليسترية والعطيفة والإشريكية القولونية والتي اجتمعت كلّها في طود وايت تشابل، حسبما يؤكد العلماء الذين "شرحوه".

ألن يكون محرجاً – ومناسباً بطريقةٍ أو بأخرى – لو كانت هذه هي بالفعل ختام حضارتنا؟

ففي النهاية، كتل الدهون هي النتاج المباشر للنزعة الاستهلاكية غير المستدامة وانتهاكنا المتعمّد للبيئة. وفي مرحلة من المراحل، قد نكون مستحقّين لاستنشاق الأبواغ السامة المنبعثة من أعمالنا.

ولعلّ عدم الاكتراث لرمي المحارم المبللة في المراحيض إلى جانب الحفاظات والواقيات الذكرية وسواها من المنتجات البلاستيكية هو أحد أكبر العوامل المساهمة في تكوّن "أطواد الدهن". فهذه المنتجات غير القابلة للتحلل تُعرقل تدفّق المياه المبتذلة، متسببةً بإحتباس الزيوت والدهون فتخثّرها وتضخّمها على شكل كراتٍ من الأوساخ.

يبدو أنّ تزايد شعبيّة المحارم المبللة، باعتبارها تكملة لأوراق الحمام الجافة التقليدية، مهّد لظهور كتل الدهون العملاقة. فلرغبتنا الجامحة في تلبية مصالحنا والقيام بما يلائمنا بأي ثمن وقعٌ حقيقي فعلاً. وبحسب شركة "تايمز ووتر"، فإنّ العديد من العلامات التجارية المعروفة تُصنّف محارمها المبللة على أنها قابلة للذوبان في المراحيض، فيما هي في الحقيقة عكس ذلك تماماً وتُسبّب انسدادات في المجاري. وعليه، يمكن الجزم بأنّ المحارم المبللة هي المسؤولة عن 93% من مجمل عمليات انسداد مجاري الصرف الصحي، وفقاً لمصلحة المياه البريطانية.

وفي الآونة الأخيرة، قيل بوجود رابطٍ محتمل بين الثراء وأطواد الدهون، على أساس أنّ أنواع المحارم الورقية الفاخرة تأخذ وقتاً أطول للتحلل. وفي المملكة المتحدة، تكلّفت الدولة ما يقارب 19 مليون جنيه استرليني للتخلّص من أطواد الدهون العملاقة، وقد سدد هذا المبلغ لشركات المرافق من فواتيرنا. وعلى الرغم من الظهور المنتظم لوحوش جديرة بتغطية أنبائها، من الضروري لفت الانتباه إلى أنّ شبكات الصرف الصحي في بلادنا ككلّ تزدحم بالدهون والزيوت والشحوم، والمشكلة إلى تفاقم.

وفي لندن حيث اكتشف أكثر أطواد الدهون إثارةً وأهمية، قدّرت شركة "تايمز ووتر" عام 2017 أنّ 90% من المطاعم ومزوّدي الوجبات السريعة تُساهم في استفحال المشكلة، من خلال إلقاء فضلاتها من الدهون والزيوت والشحوم وفتات الطعام في فتحات التصريف بدلاً من تركيب مصافي للشحوم.

ولكن حتى لو تعمّمت المصافي على مطاعم البلاد، ستبقى المشكلة قائمة ولن تختفي، لاسيما أنّ المنازل العادية تُساهم في وجودها مساهمةً رئيسية. وأمام هذه الكارثة المهلكة، هناك بصيص أملٍ يلوح في الأفق: وايت تشابل تُحوّل كتلة الدهون إلى نحو 10 آلاف ليتر من الديزل الحيوي – ما يكفي لمدّ 350 حافلةً ذات طابقين بالوقود يوماً كاملاً. وعلى خطاها يسير أعضاء المجلس البلدي لسيدموث الذين يبحثون في إمكانية التخلّص من الكتل الرابضة في منطقتهم بالطريقة نفسها.

إلى ذلك وعلى الرغم من أنّ كتل الدهون تُحيط بنا كالأشباح المعفّنة، ثمة ما أُحبّه فيها أو على الأقل ثمة ما يُذهلني فيها. لو أمكن لروح حضارتنا أن تتخذ شكلاً مادياً، لاختارت شكلاً يُشبه الوحوش الدهنيّة التي اجتاحت مجارينا. فهذه الأخيرة وصلت إلينا بينما نحن بأمس الحاجة إليها؛ وهي عبارة عن رسل مهمّتها أن تعكس صورة مجتمعنا وتُبيّن لنا الخطورة التي أمست عليه أفعالنا بحق العالم.

إنها صور دوريان غراي التي تُخزن اخفاقاتنا الجماعية المعنوية والمادية. وبدل أن تكون داخل لوحات في أطرٍ مذهّبة ومنسيّة في زاوية إحدى العليّات، نجدها مستلقية ومتعفّنة في مجارينا. وعلى الرغم من خوفنا منها، لا يمكننا إلا أن نسترق النظر إليها من حينٍ لآخر.

© The Independent

المزيد من