Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حلف العاصمة الليبية روابط هشة وتصدع محتمل

أظهرت التطورات المتسارعة في الأسابيع الماضية تصدعات كبيرة وانقسامات حادة

يضم الحلف الحالي في العاصمة الليبية مجموعات مسلحة بنزعة جهوية (رويترز)

أظهرت التطورات المتسارعة، في الأسابيع الماضية، في المشهد الليبي، تصدعات كبيرة وانقسامات حادة في حلف العاصمة طرابلس، على المستويين السياسي والعسكري. وقد تركت تلك التصدعات والانقسامات أسئلة كثيرة في شأن تداعياتها في مستقبل الأزمة الليبية، خصوصاً في المسار السياسي الذي اندفع بقوة أخيراً بعد انسداد طويل.

وبرزت هذه الانقسامات إلى السطح، على خلفية عدد من الأحداث والقضايا التي كشفت تبايناً حاداً في الرؤى والتوجهات، وتعارض طموحات قادة المشهد العاصمي. والبداية كانت مع انقسام تسببت به خلافات رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج مع وزير داخليته فتحي باشا آغا، التي اندلعت بعد التظاهرات الاحتجاجية في طرابلس، في يوليو (تموز) الماضي. ما أنتج حالة احتقان واصطفاف، على مشارف صدام عسكري بين أنصار الطرفين.

وما كاد هذا الملف أن يغلق، بإعلان السراج استقالته القريبة وانسحابه من المشهد، تحت ضغط خصومه، حتى ثارت الخلافات من جديد، بين كل الأطراف غرب البلاد، في شأن الاتفاق المفاجئ على ملف النفط الليبي، الذي عقده أحمد معيتيق مع القائد العام للجيش الوطني، المشير خليفة حفتر، الذي ما زالت تداعياته متواصلة في طرابلس ومصراتة، حيث رفضته الأغلبية، وأثار خلافات جديدة في ما بينها.

خريطة الأحلاف العاصمية

ينقسم الحلف السياسي والعسكري في العاصمة طرابلس، الذي توحد مع هجوم الجيش الوطني الليبي على طرابلس، في أبريل (نيسان) 2020، بين أسماء وكيانات وتيارات سياسية وجهوية عدة، تجمعها شبكة من المصالح المعقدة، والتحالفات الهشة في الغالب، إذ كانت تلك الجهات تتصارع لسنوات في العاصمة، على السلطة والنفوذ والثروات، ونشبت في ما بينها معارك عسكرية، بين العامين 2012 و2014، وكان أبرزها الحرب الضروس بين كتائب مصراتة والزنتان، التي هزمت فيها الأخيرة عام 2013، قبل أن تعود للمهادنة مؤقتاً، لصد محاولة الجيش الوطني اقتحام العاصمة.

ويضم الحلف الحالي مجموعات مسلحة بنزعة جهوية، تابعة لمصراتة والزنتان والزاوية وصبراتة وزليتن، تختلف في القوة العسكرية والتأثير، اللذين لا يستطيع أحد أن ينافس سلاح مصراتة الوفير عليهما، بدليل ما حدث بعد خلاف السراج وباشا آغا، ودور هذا السلاح في حسمه لمصلحة الأخير، وكان واحداً من أهم الأسباب، التي دفعت رئيس الحكومة إلى الاستقالة في الأيام الماضية.

يقود هذه المجموعات المسلحة المصراتية ويحركها عدد من الأسماء البارزة، مثل صلاح بادي وفتحي باشا آغا. الأول أعلن أكثر من مرة ولاءه للمفتي المعزول الصادق الغرياني وتيار الإسلام السياسي، بينما الثاني صاحب طموح سياسي لا يُخفى، ويستخدم المجموعات العسكرية التي تتبع له لتحقيق مآربه السياسية متى دعت الحاجة.

وتبرز من مصراتة وجوه عدة على الساحة السياسية الليبية عموماً، وفي طرابلس خصوصاً، وقد لعبت أدواراً مهمة فيها خلال العقد الماضي. ومن هؤلاء نائب رئيس المجلس الرئاسي الحالي أحمد معيتيق، ورئيس مجلس الدولة السابق عبد الرحمن السويحلي. ودور كل منهما مرشح للتراجع، لعدم امتلاكهما أذرعاً عسكرية قوية في المدينة. إذ إن القاعدة هي أن تحسم القوى العسكرية الأمور وتفرض إرادتها، في القضايا السياسية غرب البلاد. وتُوجه إلى معيتيق والسويحلي انتقادات بتغليب المصلحة الخاصة على مصالح المدينة. علماً أن معيتيق يميل إلى المهادنة السياسية والمناورة مع معسكر الشرق وقائده العسكري خليفة حفتر، اللذين يفضلان المواجهة العسكرية ويرفضان أي حوار معه.

الزنتان

في الزنتان، على خلاف مصراتة، يقود المشهد حالياً رجل واحد لا منافس له، وهو آمر المنطقة العسكرية الغربية، أسامة جويلي. وقد لعب دوراً حاسماً في تغيير موقف مدينته، من مناصرة الجيش الوطني إلى موالاة حكومة الوفاق. ما أثر بشكل كبير في النتيجة العسكرية لمعركة غرب البلاد.

وسبق أن تصادمت قوات الزنتان العسكرية وكتائب مصراتة، أكثر من مرة، في معارك شهيرة خلال السنوات الماضية، ضمن صراعها على النفوذ في طرابلس. وهو أمر مرشح للتكرار، بعدما حسمت معركة طرابلس ضد الجيش الوطني. ما يعني أن مرحلة تقاسم النفوذ في العاصمة ستتجدد، وفق العديد من مراقبي المشهد الطرابلسي.

الزاوية والإسلام الجهادي والحلقة الأضعف

تسيطر على مدينة الزاوية مجموعات خطرة تتحرك بحذر، وفي الغالب لا يظهر دورها واضحاً في مسار الأحداث. ويتقدم تلك المجموعات تنظيم القاعدة، الذي يقود المجموعات المسلحة الموالية له في المدينة، بقيادة الملاحق دولياً، شعبان هدية، المكنى بأبي عبيدة الزاوي. وتتحالف هذه المجموعات الجهادية، مع المفتي الصادق الغرياني والجماعة الليبية المقاتلة، ولها قيادات في السلطة في طرابلس، يتقدمهم محمد زايد العماري، النائب في المجلس الرئاسي، السجين السياسي السابق في عهد القذافي بتهم الإرهاب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توجد في طرابلس، أكبر مجموعة من الكتائب المسلحة، من حيث العدد، ولكنها الأضعف تأثيراً في المشهد، غرب البلاد، لتفرقها وتنافسها وانقسامها بين عدد من القيادات السياسية والتيارات الدينية. وأبرزها كتيبة ثوار طرابلس بقيادة غنيوة الككلي، وهيثم التاجوري، المواليين للسراج. وكشفت أحداث قضية وزير الداخلية، فتحي باشا آغا، في الفترة الماضية، ضعفها أمام الكتائب التابعة لمصراتة، التي استعرضت قوتها في وسط العاصمة، رغبة في استفزاز كتائبها العسكرية، من دون أن تُقدم الأخيرة على منعها. ما أدى إلى فرض إرادتها على السراج وإجباره على إعادة باشا آغا إلى منصبه.

المشهد السياسي العاصمي

تفتقر طرابلس إلى تيارات سياسية قوية ومنظمة، تستطيع منافسة تيار الإسلام السياسي، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، منذ انسحاب حزب الراحل محمود جبريل، ذي التوجهات العلمانية من المشهد، عقب أحداث عام 2013، والمعارك العسكرية بين كتائب مصراتة والزنتان. والوجوه السياسية التي لا تنتمي لتيار الإسلام السياسي حالياً في طرابلس، لا تحمل خلفية أيدولوجية أو حزبية، بل هي إما دخلت المشهد في إطار محاصصة، اتفق عليها إرضاء لمصراتة تحديداً، أو طامحة للسلطة من طريق الثروة، مثل فايز السراج وبعض أثرياء طرابلس، بشكل خاص.

ويعتمد التيار الإسلامي، غرب ليبيا، في حماية أهدافه السياسية، على مجموعة لا يستهان بها من الأذرع العسكرية الموالية له، التي تتمركز قاعدتها الأكبر في مصراتة وطرابلس والزاوية وصبراتة. ولعبت دوراً مؤثراً في القضايا السياسية الليبية، مثل العزل السياسي ورفض نتائج الانتخابات البرلمانية عام 2014.

أحلاف متشظية

يصف الناشط السياسي الطرابلسي الناطق باسم حراك العاصمة الشعبي، أحمد بوعرقوب، الوضع في الغرب الليبي بأنه "معقد للغاية، لعدم سيطرة حكومة الوفاق على المليشيات والاختلاف الأيديولوجي بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة والجماعة السلفية وجماعات متطرفة ورجال أعمال. وعلى الرغم من هذه الخلافات وتقاطع المصالح والطموحات، بين هذه اللوبيات، إلا أن ما يجمعهم هو الولاء لتركيا".

ويضيف بوعرقوب، "نجحت جماعة الإخوان المسلمين في فرض نفسها والصمود في المشهد، على مدار السنوات الماضية، كونها الأكثر تنظيماً وخبرة ودعماً مالياً من الخارج، وتتحالف حالياً مع فتحي باشا آغآ، من بين الوجوه البارزة في المشهد، لعلمها بأن الرجل مدعوم من الولايات المتحدة الأميركية وتركيا ونجح في تقديم نفسه لها، كممثل عن الغرب الليبي، من خلال إعلانه محاربة الفساد، ومحاولته احتواء الحراك الشعبي الذي انطلق في العاصمة طرابلس بتاريخ 23 أغسطس (آب)، إلا أنه في الحقيقة لا يحظى بأي دعم شعبي، ولا يحارب الفساد بل هو نفسه جزء من منظومة الفساد المتفشي في البلاد".

ويتابع بوعرقوب، "من جهته، سعى أحمد معيتيق، المدعوم من إيطاليا ويحظى بعلاقات طيبة، مع صناع القرار، في كل من روسيا و تركيا، إلى تقديم نفسه على أنه شريك محتمل، على أمل أن يكون أحد أطراف مثلث المجلس الرئاسي الجديد، ولأنه لا يتمتع بأي شكل من أشكال الدعم الشعبي، ولا ولاءات قادة ميليشيات كبيرة، كالتي يحظى بها منافسه باشا آغآ، قرر أحمد معيتيق التواصل مع خليفة حفتر، وعقد تحالف داخلي قوي ومؤثر يعيدهما إلى الواجهة السياسية بقوة". وقال إن المرحلة المقبلة "ستشهد انقساماً أكبر وتنافساً محموماً على السلطة، بين كل هذه الأسماء، ستكون فصوله مؤثرة على مستقبل الأزمة والبلاد برمتها".

المزيد من العالم العربي