Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيضانات السودان تزيد نزيف الخسائر وجراح المنكوبين

ما جرى ألحق ضرراً بالغاً باقتصاد البلاد وأدى إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق بشكل يفوق التصور

"من السهل تقدير حجم خسائر ما دمرته الفيضانات، إذا ما اتبعت الدولة اسلوباً حديثاً وعلمياً في التعاطي مع الامر" (اندبندنت عربية-حسن حامد)

وضعت الفيضانات والسيول التي اجتاحت السودان منذ نهاية أغسطس (آب) الماضي والتي ما زالت مستمرة في 16 ولاية سودانية الحكومة السودانية في موقف لا يحسد عليه، نظراً لحجم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، في ظل ما تمرّ به البلاد من أوضاع اقتصادية صعبة، ما تجعلها عاجزة عن تقديم يد العون لهؤلاء المتضررين بالشكل المطلوب.

وبحسب اقتصاديين سودانيين، فإنه من الصعب والمبكر تقدير حجم الخسائر لهذه الفيضانات بشكل دقيق في الوقت الحاضر، نظراً لأن الفيضان لم ينتهِ بعد، فضلاً عن اتساع رقعة مساحة المناطق التي تضررت بهذه الكارثة، وهو ما يتطلب تشكيل لجنة متخصّصة من جهات عدة ذات علاقة لحصر هذه الخسائر.

إعادة إعمار

ويقول وزير الدولة في وزارة المالية السابق عز الدين إبراهيم، "من السهل تقدير حجم خسائر ما دمرته الفيضانات، إذا ما اتبعت الدولة إسلوباً حديثاً وعلمياً في التعاطي مع هذه الخسائر، لكن هذا العمل يتطلب في الوقت ذاته إمكانات مادية وبشرية من خلال فرق عمل تقوم بإحصاء حجم الخسائر في الولايات التي تضررت، فالآن ما هو معلن من خسائر سواء في العقارات والمزارع والمواشي وغيرها لن يكون دقيقاً ويمكن تقديره بسعر السوق الجاري اليوم، لكن المشكلة أن أثر هذه الفيضانات وخسائرها ستظل مستمرة لفترة مقبلة بسبب التصدعات التي ستصيب بعض المنازل والمرافق الخدمية، بالتالي إن أي تقديرات في الوقت الحاضر ستكون أولية، خصوصاً أن الفيضانات والسيول نفسها ما زالت مستمرة ولم تتوقف". لافتاً إلى أن السيول كان أثرها كبيراً في صعيد الخسائر البشرية والمادية، لأنها سريعة في هدم وتدمير المنازل، وهذا ما حدث في ولايات مثل دارفور وكردفان التي تبعد مئات الكيلو مترات من نهر النيل الأبيض، والنيل الرئيسي، لذلك من الأجدى حالياً العمل بسرعة لإيواء المتضررين بالكامل حتى إيجاد حلول للبناء وإعادة تعمير ما دّمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "في الحقيقة إن هذه الفيضانات ألحقت ضرراً بالغاً بالاقتصاد السوداني، فقد غرق كثير من البساتين والمزارع، فضلاً عن نفوق أعداد كبيرة من الثروة الحيوانية، بالتالي تأثرت قطاعات عديدة مثل مصانع الألبان واللحوم والمعلبات الغذائية، لدرجة أن بعض هذه المصانع توقف عن العمل، وكذلك أثّر ذلك في حجم الصادر، وأدى إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق بشكل يفوق التصور"، وبيّن أن الحكومة الانتقالية الحالية غير قادرة على فعل شيء لمجابهة هذه الكارثة من خلال مواردها الذاتية، فهي تعاني من عجز في الموازنة العامة يقدر بـ 200 مليار جنيه سوداني (مليار دولار)، لذلك لا بدّ من المعونات الخارجية في ظل هذا الظرف الاقتصادي السيء والبالغ التعقيد.

أضاف إبراهيم، "بحسب تجاربنا السابقة، فإن أي إحصاء يعمل لتقدير حجم الأضرار لا سيما المتعلقة بالكوارث الطبيعية يكون أقل مما يجب، لأن ليس كل الناس المتضررين يقومون بالتبليغ عن خسائرهم، كما أن هناك فقداناً كاملاً وآخر جزئياً، إلى جانب ذلك إن المشكلة في الغالب تكون متحركة وبالتالي تزداد الخسائر يوماً بعد يوم، لذلك فإن بلداً كالسودان يمتد بمساحات كبيرة، يتطلب المسح والحصر استخدام طائرات ووسائل أخرى حتى تكون التقديرات دقيقة وعادلة"، وأوضح أن السودان ينقصه من زمن طويل الخرائط الكنتورية لمعرفة المناطق المرتفعة والمنخفضة، ومجاري السيول، وغيرها من المناطق الخطرة، كما أن كثيراً من الإشكالات التي حدثت جنوب العاصمة الخرطوم بسبب الفيضان كانت نتيجة لتضييق مجرى النيل الأبيض ما جعله مخنوقاً وأدى إلى تراجعه للوراء، وتسبب في هذه الكارثة.

آثار كورونا

في الاتجاه ذاته، يقول أستاذ مادة الحدّ من مخاطر الكوارث في الجامعات السودانية محمد عبد الحميد لـ "اندبندنت عربية"، "في مثل هذه الكوارث الطبيعية التي اجتاحت السودان من فيضانات وسيول يكون التركيز بداية على توفير الاغاثات العاجلة من خلال الدولة والمنظمات الدولية والمحلية، ومكونات المجتمع المدني، وتكون هناك في الوقت نفسه تقديرات مبدئية، لكن إحصاء الخسائر يحتاج لجهود كبيرة لأن هذه الكارثة تشمل 16 ولاية في البلاد، وهو أمر يأخذ وقتاً حتى يتم الحصر بشكل دقيق"، منوهاً إلى أن هذه الفيضانات والسيول جاءت في وقت سيء لأن المجتمع الدولي والمانحين ما زالوا يعانون من الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا التي ضربت معظم دول العالم لأكثر من ستة أشهر ما جعل تفاعلهم ضعيفاً مقارنة بما حدث من فيضانات عام 2013 على الرغم من الفارق الزمني بينهما.

أضاف، "كما أن الحكومة السودانية من خلال وضعها الاقتصادي المنهار أمام أعين الجميع قد يكون من الصعب أن تتفاعل بالشكل المطلوب مع حجم هذه الكارثة، فبلادنا فقيرة اقتصادياً وليس لديها مخزون سلعي، بل إنها عاجزة تماماً عن تقديم أي نوع من المساعدات الإيوائية والغذائية والصحية لهؤلاء المتضررين، لذلك الأمل في المساعدات التي ينتظر أن تأتي من المنظمات والدول لإغاثة المنكوبين، لكن من المهم استنفار جهود المنظمات الطوعية المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص السوداني، والخيّرين من الأفراد للعمل بروح التكافل لدرء هذه الكارثة التي أدت إلى هذه الخسائر الفادحة".

وأشار عبد الحميد إلى أنه من المهم أن يكون هناك مشروع وطني حقيقي لإعادة إعمار وتوطين متضرري السيول والفيضانات، وفق معايير وأنظمة عالمية حتى لا يتكرر المشهد مرة أخرى وتقع البلاد في المشكلة والأخطاء السابقة، لكن هذا يتطلب أن تسنّ الحكومة قوانين جديدة يلتزم فيها ربّ الأسرة بألا يعود ويبني في منطقته القديمة، وألا يبيع أرضه الجديدة، وأن يقوم ببناء الأرض الممنوحة له من الدولة. لافتاً إلى أنه صحيح أن مثل هذه المشروعات الحقيقية مكلفة مادياً سواء للدولة أو الأفراد، بل ليس في استطاعتهما تنفيذها في الوقت الحاضر، لكن هذا هو الحل الأمثل والأجدر لتفادي تكرار الكارثة مرة أخرى.

خطة إسكانية

في سياق متصل، أوضح الأمين العام لمنظمة "دارنا" الطوعية عماد عبد القادر لـ "اندبندنت عربية"، أن حجم الخسائر من الفيضان تركزت على سكان المدن والقرى القريبة من ضفاف النيل، وكانت الخسائر كبيرة، ويصعب تقييمها وتقديرها في الوقت الحاضر، لأن الجهد المبذول حالياً يركز على إيجاد مناطق آمنة لترحيل المتضررين الذين فقدوا منازلهم، وتوفير المواد الغذائية لهم، فضلاً عن توفير فرق طبية لتقديم المساعدات الطبية والأدوية للحالات الطارئة، وكذلك فرق صحية في مجال إصحاح البيئة، مبيناً أن معظم المنظمات المحلية تنقصها الإمكانات المادية، وتعتمد على دعم المواطنين والخيرين، وهو لا يشكل 10 في المئة من المطلوب لتغطية حاجات المتضررين.

أضاف، "المطلوب الآن من الدولة إيجاد خطة إسكانية لترحيل وإيواء من فقدوا منازلهم، وإبعادهم عن ضفاف النيل، لكن المشكلة التي ستواجه هؤلاء أن ظروفهم المادية صعبة ولا يستطيعون توفير 20 في المئة من تكلفة البناء، كما أن الدولة أيضاً عاجزة عن تقديم معونات مادية لمساعدتهم، وهناك مشكلة أخرى أن كثيرين من المتضررين على الرغم مما حصل لهم من دمار لمنازلهم ومزارعهم، إلا أنهم متمسكون بمناطقهم وأراضيهم التي تعرضت للغرق، وهذا يتطلب تشدداً من الدولة بسنّ تشريعات واضحة في هذا الخصوص حتى لا تتكرر الكارثة مرة أخرى"، مشيراً إلى أن ما حدث من فيضانات وسيول هذا العام فاق سيطرة الناس والحكومة معاً، وما زاد من حجم المأساة أن البنية التحتية في أنحاء البلاد هشة جداً، فضلاً عن الاعتماد على الوسائل البدائية والتقليدية لحجز مياه النيل على طول ضفافه باستخدام جوالات الرمل بدلاً من الجرارات والأحجار الكبيرة.

وزاد الأمين العام لمنظمة "دارنا" الطوعية "كما لا بدّ من أن تكون هناك جهود واضحة وتنسيق عالي المستوى وفعال بين جميع أجهزة الدولة ومنظمات وقطاعات المجتمع السوداني المدني وقطاعات الأعمال المختلفة والأفراد لحشد الموارد المادية والبشرية حتى يتمكن السودان من العبور من هذه الكارثة، وأن يتم تسريع خطوات إيواء الذين فقدوا منازلهم، مضيفاً "بلا شكّ أن الأضرار تقدر بالمليارات لأن الفيضانات لم تنتهِ بعد وحجم الخسائر في ازدياد يوماً بعد يوم سواء في الإنتاج الزراعي واستخراج الذهب والثروة الحيوانية والمحال التجارية والممتلكات الخاصة والعامة، ناهيك عن تأثر البنى التحتية بأضرار بالغة لا سيما الطرق والجسور التي انهار بعضها، وهذا كله يمثل ضغطاً جديداً على موازنة الدولة لتعويض من تضرر من المواطنين، كما أن هذه الفيضانات عطلت عجلة الإنتاج تماماً، فالحياة التجارية شبة مشلولة في مناطق عديدة من البلاد، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع بشكل جنوني".

كثافة الأمطار

ويشهد السودان سنوياً نوعين من الفيضانات أولها الناتجة من كثافة هطول الأمطار أو السيول خلال موسم الأمطار التي تسقط داخل الأراضي السودانية خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى أكتوبر (تشرين الأول)، والثاني يحدث من فيضانات نهر النيل الأبيض.

وأدت الفيضانات حتى الآن إلى مقتل 100 وشخصين، وإصابة العشرات، وانهيار حوالى 70 ألف منزل ومئات المدارس والمنشآت العامة، في الوقت الذي أعلنت الحكومة السودانية حالة الطوارئ في البلاد لثلاثة أشهر.

المزيد من العالم العربي