Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدن وقرى سودانية لا تزال تحبس أنفاسها تحت مياه الفيضان

الخسائر طالت 16 ولاية سودانية ومئات الأسر مشردة بلا مأوى وتحذير من انتشار الأوبئة

جراح غائرة في النفوس، وخسائر فادحة بالأرواح والمنازل والممتلكات، خلفها الفيضان المرعب في السودان هذا العام. وعلى الرغم من مرور أكثر من أسبوع، لا تزال أحياء وقرى تحبس أنفاسها تحت الماء، وهي تعاني وطأة مياه الفيضان. منازل غادرها أصحابها لتواجه مصيرها المحتوم، ومع كل يوم يمر، تتقلص قدرة تلك البيوت على الصمود، إذ إن معظمها مساكن تقليدية بُنيت من طين. وقد عمق الفيضان جراح قاطنيها الفقراء، ورسم لهم القدر مأساة جديدة.

ولم يكن في وسع الكثيرين سوى مراقبة منازلهم وهي تتهاوى ويبتلعها الفيضان، على الرغم من التحذيرات والنداءات المبكرة التي أطلقتها الحكومة الاتحادية وحكومة ولاية الخرطوم، لسكان ضفاف النيل بفروعه المختلفة وسكان الجزر، باتخاذ الحيطة والحذر، عقب بيان لجنة الفيضان بتعرض الخرطوم لموجة ارتفاع جديدة بمنسوب النيل من احتمال وقوع كارثة وشيكة.

ومع استمرار بقاء مناسيب مياه نهر النيل وروافده عند مستويات خطرة، خارج مجرى النهر لأيام عدة أخرى، تظل أحياء وقرى كاملة محاصرة ومغمورة بالمياه، ما يهدد بزيادة حجم الخسائر والفاجعة، وتزداد كل يوم أعداد الأسر المهددة بالتشرد وفقدان المأوى. فبيوت الجالوص (المنية من الطين)، لن تصمد كل تلك الفترة، على الرغم من حالة الاستنفار والتأهب القصوى التي وضعت فيها قوات الدفاع المدني، تحت مظلة اللجنة العليا للطوارئ، في محاولات مستميتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في ظل حالة الطوارئ الإنسانية التي أعلنتها الحكومة، لمدة ثلاثة أشهر.

دموع وأوجاع وتماسيح

في منطقة الكلاكلة القبة غرب "حي أبو دومة" قال المواطن السر صالح "عندما حضر المسؤولون لم نجد وسيلة لتوزيع مواد غذائية جاءت بها الحكومة المحلية، إلا عبر مركب صغير نجوب به الشوارع التي تحولت إلى أنهار صغيرة، ونطرق كل باب لنسلم صاحبه كيساً من المواد الغذائية، عبارة عن دقيق وأرز وعدس وسكر وزيت".

ويستطرد قائلاً "وقتها كانت المنازل متضررة جزئياً، غير أنه قبل قدوم الليل لم يسعفنا الفيضان حتى أن نطهو داخل بيوتنا، فقد انهارت وابتلعها الماء، لقد عشنا وضعاً متأزماً. كنا نطارد التماسيح داخل الحي، ونحاول حماية كبار السن من الآباء والأمهات والأجداد".

تغالبه الدموع ويواصل حديثه "هنا في هذا المنزل ولدت وفيه كل ذكرياتي، ولكن الحمد لله أنه لم تكن هناك خسائر في الأرواح".

تدارك الموقف

ووصف حسين عبد الوهاب، مسؤول لجنة المقاومة بالحسانية الشقيلاب مربع (1)، جنوب الخرطوم، لوكالات أنباء محلية، الوضع بالمنطقة بأنه يتجه نحو الأسوأ، وأن بعض المنازل في طريقها للانهيار، مطالباً الحكومة بالوقوف مع المواطنين في تلك المحنة التي ألمّت بالمنطقة بين عشية وضحاها والتدخل فوراً، لتدارك الموقف.

ودعا عبد الوهاب المنظمات العاملة في المجال الإنساني، للوقوف إلى جانب أهالي المنطقة لتخفيف الآثار المترتبة على الفيضان.

وفي منطقة الجديد الثورة التي تأثرت بشدة بالفيضان، أوضح عبد الله بشير، مواطن ومدير تنفيذي سابق، أن أكثر من 150 منزلاً انهارت بالكامل، وأن روح التكافل السودانية جعلت الأسر غير المتضررة تتنافس على استضافة من فقدوا منازلهم وإيوائهم، في مشهد يعيد الأمل في تماسك المجتمع السوداني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحذر بشير من أن اختلاط الصرف الصحي بمياه الفيضان التي تغمر الشوارع يهدد بكارثة صحية وبيئية وشيكة، داعياً إلى سرعة تدارك الموقف.

ويواجه المصير ذاته عديد من الأحياء والقرى التي غمرتها المياه على ضفاف النيل الأبيض، منها مناطق الشقيلاب غرباً، والكلاكلات والحسانية الشقيلاب جنوب الخرطوم (الحرازة)، والمنطقة الآن تستغيث من هذا الانسياب التاريخي للنيل في أحياء القماير والفتيحاب والصالحة، بمدينة أم درمان، حيث تعيش تلك المناطق وضعاً وصف بالمأساوي، كما غمرت مياه النيل الأزرق مرفقات سياحية وترفيهية على طول شارع النيل.

وضع صحي حرج

فور إعلان الحكومة حالة الطوارئ بدأت القوافل المحلية دعماً وعوناً للمتأثرين محلياً وعربياً، ووصلت أمس الأحد قوافل طبية وإعانات من دول عربية عدة.

ووصف وزير الصحة المكلف أسامة أحمد عبد الرحمن، الوضع الصحي، بالصعب والاستثنائي، خصوصاً أن ذلك القطاع منهك بسبب جائحة كورونا، محذراً من ظهور الأوبئة خلال الأيام المقبلة، كأمر متوقع نتيجة تداعيات الفيضان وقبلها السيول والأمطار.

لا يزال الخطر ماثلاً

وبحسب مسؤول الإنذار المبكر في وزارة الري، رضوان عبد الرحمن، فمن غير المتوقع حدوث انحسار سريع في منسوب المياه إلا خلال ثلاثة أيام؛ إذ لا يزال مستوى المنسوب في الخرطوم عند 17.66 متر، وهو ارتفاع غير مسبوق تاريخياً، في حين يعتبر الفيضان عند منسوب 16.50 متر، ما يعني أن مستوى المياه لا يزال أعلى من مستوى الفيضان الطبيعي، مبيناً أنه من غير المنتظر أن تبدأ المياه في الانحسار والعودة التدريجية إلى مجرى النهر، وبالتالي الانسحاب من داخل القرى والأحياء المغمورة، إلا بعد غد الأربعاء، وربما تكون هناك بعض الزيادات الطفيفة في المنسوب قبل حدوث ذلك الانحسار.

وأوضح أن الانحسار المنتظر سيكون انعكاساً للانخفاض الطفيف، الذي حدث عند محطة الديم على الحدود السودانية الإثيوبية، وعودة خزان الروصيرص، منذ يوم الاثنين الماضي إلى حدود التصرف الآمن، 550 مليون متر مكعب من المياه المتجهة إلى الخرطوم، وقد تواجه بعض الزيادات نتيجة هطول الأمطار وتجمعات مياه الوديان، والتي قد ترفع تلك الكمية إلى نحو 600 إلى 650 مليون متر مكعب، وهى في حدود ما يتحمله مجرى النيل الأزرق، وبناء عليه، ليس من المتوقع أن تبدأ المناسيب في الانخفاض عند ولاية الخرطوم خلال اليومين المقبلين.

وأضاف رئيس وحدة الإنذار المبكر، أن "المناطق المتضررة في ولاية الخرطوم على وجه الخصوص، تأثرت من مصادر مائية مختلفة. فبعضها تضرر مباشرة من فيضان النيل الأزرق، وهي المناطق التي تقع بولايات الجزيرة وسنار وجنوب الخرطوم، بكل من الجديد الثورة والكاملين وأم دوم، وغيرها، بينما تأثرت مناطق شمال الخرطوم، أو ما يعرف بالريف الشمالي في كل من ودرملي وواوسي وقرى النخيلة وود الرشيد، بفيضان نهر النيل الرئيس بعد التقاء النيلين الأزرق والأبيض، قرب جزيرة توتي التي هددها فيضان هذا العام، الأعلى والأقوى والأعنف، بصورة غير مسبوقة، ما وضعها في مرمى خطر الاجتياح التام، لولا تكاتف جهود أهل المنطقة والدفاع المدني وصمود شبابها ومتابعتهم ليل نهار مستويات ارتفاع المياه. وهم قد صقلتهم التجارب منذ فيضان 1946، مروراً بفيضان 1988".

وأردف أنه نتيجة لسيل النيل الأزرق المعروف بسرعة جريانه وعمق مجراه، فإنه قد ضغط باندفاعه عند لقائه المقرن على النيل الأبيض، المعرف بهدوئه واتساع ضفافه، ما أدى إلى دخول المياه إلى أحياء عدة بمناطق الكلاكلات والعديد من المناطق على ضفافه جنوب غربي الخرطوم.

خسائر مادية وبشرية مفجعة

على الصعيد ذاته، قال العقيد عبد الجليل عبد الرحيم، الناطق الرسمي للمجلس القومي للدفاع المدني، لـ"اندبندنت عربية"، إن مستوى الفيضان وارتفاع المناسيب هذا العام، بلغ مستويات أعلى من الجسور الواقية، ما دفع بالدولة إلى إعلان حالة الطوارئ الإنسانية بعد أن طال الفيضان والسيول والأمطار 16 ولاية سودانية من جملة 18 ولاية، مشيراً إلى أن إعلان حالة الطوارئ وضع كل قدرات وإمكانات الدولة، ووجهها نحو مجابهة هذه الكارثة، بغرض توحيد وتكاتف وتكثيف الجهود للتعامل الطارئ والفوري مع تلك الأوضاع.

وكشف عبد الرحيم عن تقرير مبدئي بحصر الأضرار، بلغت فيه خسائر الأرواح 102 حالة وفاة، مع 46 حالة إصابة مختلفة، وانهيار 26386 منزلاً بشكل كلي، و40617 منزلاً بشكل جزئي، وتضرر 179 مرفقاً مختلفاً، و359 من المتاجر والمخازن. وفي القطاع الزراعي تضررت 4208 أفدنة زراعية، ونفقت 5541 من الحيوانات الأليفة والدواجن.

وأوضح أن جهوداً حثيثة تُجرى على مدار الساعة واليوم، لمتابعة ومعالجة الطوارئ في مناطق الخطر كافة، مبيناً أن الأيام المقبلة ستشهد متابعة لصيقة عبر غرفة العمليات المسنودة من قبل عشرات الفرق الميدانية المرابطة في مناطق الهشاشة، كما يستمر العمل الميداني في معالجات تحسين الحواجز الترابية الواقية، حيث تم توزيع أكثر من مليون و144 ألفاً من أكياس الرمال لذلك الغرض، وتعمل غرفة العمليات على الاستجابة الفورية للبلاغات الواردة إليها، وتنسيق عمليات الإخلاء وترتيبها، وإعداد المعسكرات الإيواء المؤقت.

أضاف الناطق الرسمي أن قوات وفرق الدفاع المدني تواصل وتتابع عمليات الإنقاذ ومساعدة المواطنين في نقل ممتلكاتهم ونقلهم إلى مناطق آمنة، وهي تعمل بالوقت نفسه على توفير الاحتياجات اللازمة للمتضررين، بالتضامن مع الجهات الرسمية الأخرى، ممثلة في اللجنة العليا لطوارئ السيول والفيضانات ومنظمات المجتمع المدني، ومفوضية العون الإنساني، كنقطة ارتكاز.

وكشف عن أن عمليات حصر الأضرار والخسائر لا تزال مستمرة.

الأسباب والتعديات على النيل

من جانبه، عزا كبير المهندسين في الهئية الفنية المشتركة الدائمة لمياه النيل بين مصر والسودان، محمد مصطفى عباس، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، تفاقم مشكلة الفيضان هذا العام إلى التعدي الجائر المستمر على حرم وضفاف النيل، ما أدى إلى تضييق مجرى النهر، مع الزيادة الكبيرة التي حدثت في معدلات هطول الأمطار هذا الخريف، ما تسبب في رفع منسوب المياه إلى مستويات كبيرة.

وكشف عباس عن تشييد عديد من القرى على ضفاف النيل الأزرق بمناطق سنار، وأن التعديات المستمرة حتى داخل العاصمة بمدينتي الخرطوم وأم درمان، حيث تشيد منشآت وطرق، كلها أسهمت في تضييق مجرى النيل الأزرق. واستبعد المختص بهندسة الأنهار أن يكون لأي من سد النهضة والسد العالي، علاقة مباشرة بالفيضانات الكبيرة التي شهدها السودان هذا العام، وأن ذلك لا يمكن ولا يستقيم فنياً، حتى لو أغلقت كل بوابات السد العالي، فإنه لن يؤثر بشكل كبير على المناسيب، بالصورة التي حدثت.

كذلك شدد على ضرورة إجراء دراسات شاملة وعاجلة مستقبلاً، تبنى على المعلومات الجغرافية لمعرفة المنخفضات بدقة علمية، لعمل الحماية اللازمة من الفيضانات أو إنشاء مشروعات تمتص مياه الفيضانات الزائدة عن مجرى النهر، وتوظيفها اقتصادياً.

وكانت مناسيب النيل قد واصلت ارتفاعاً غير مسبوق منذ 100 عام مضت، وسجلت في محطة الخرطوم اليوم 17.48 متر، وفي شندي 18.07 متر؛ ليقترب من أعلى رقم مسجل 18.07 متر، فيما وصل المنسوب في الخرطوم إلى أكثر من 17.53 متر.

وكررت لجنة الفيضانات في وزارة الري والموارد المائية تحذيراتها من تواصل ارتفاع مناسيب النيل، لتسجل أرقاماً غير مسبوقة، وفق محطات الرصد الأرضية وصور الأقمار الاصطناعية بالهضبة الإثيوبية والسودان.

كما أن متوسط الأمطار في أعلى حوض النيل الأزرق في الأسبوع الأخير من أغسطس (آب)، أدى إلى زيادة في وارد محطة الديم عند الحدود السودانية – الإثيوبية، ليصبح وارد النيل الأزرق نحو 967 مليون متر مكعب، بينما تؤدي الأمطار في حوض العطبراوي إلى ارتفاع في إيراد أعالي نهر عطبرة.

المزيد من متابعات