Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل وجدت هذه الدولة لأسباب زراعية؟

بعدما كان سويسرا الشرق لموقعه كباب عبور بين الغرب والشرق العربي يشهد لبنان تغييرات في وجهته الاقتصادية والمالية في ظل دعوات داخلية إلى التوجه شرقاً

المندوب السامي الفرنسي دوجوفينيل والجنرال دوبون في زيارة رسمية لبيروت العام 1925 (غيتي)

عشية الاحتفال بمئوية لبنان الكبير في (سبتمبر – أيلول المقبل "1920- 2020")، اتخذت هذه الذكرى أبعاداً جديدة فرضتها التطورات المتسارعة التي تشهدها البلاد منذ اندلاع شرارة انتفاضة السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وصولاً إلى الانفجار الذي هزّ العاصمة بيروت ودمر مرفأها الحيوي تحت وطأة انهيار مالي واقتصادي لم يعرفه اللبنانيون على مدى العقود العشرة الماضية. 

تحمل المئوية الأولى تحديات ضخمة لا تقف حدودها عند العوامل السياسية الداخلية لتطرح إشكالية حقيقية تتصل بالكيان ومدى نجاح النموذج الذي تطور بفعل قيام لبنان الكبير، لا سيما في بعده الاقتصادي الذي من المفترض أن يشكل صمَام الأمان للاستقرار والسيادة وعدم الارتهان إلى الخارج والتحرر من الوصايات، وهي الشروط أو المعايير التي شكلت الهدف الأبرز لرسم حدوده كما هي اليوم والتي سعى رافضو الحكم العثماني إلى توسيعها في سبيل تأمين استقراره الاقتصادي والاكتفاء الذاتي من خلال الاعتماد على الزراعة مصدراً أساسياً من مصادر الدخل بفعل المساحات السهلية المتوافرة في الأقضية. لهذا جرى العمل، كما عرض بولس نجيم في كتابه المنشور باللغة الفرنسية "قضية لبنان"، لتوسيع أراضي متصرفية جبل لبنان كي تشمل بيروت والبقاع بسهله ومرجعيون في الجنوب وعكار بسهلها أيضاً في شماله. وعرض نجيم الذي درس في مدرسة عينطورة الشهيرة في قضاء كسروان، وأكمل تحصيله الجامعي في باريس العوامل الاقتصادية الداعية إلى تحديد التعريف الجغرافي بحدوده الأوسع. وما لبث يوسف السودا العائد من مصر أن أكد هذا البعد في كتابه "المسألة اللبنانية"، داعياً إلى ضم البقاع إلى المتصرفية من أجل دعم الاقتصاد. 

لقد ارتكز العاملون على فكرة قيام لبنان الكبير على أهمية تأمين الاكتفاء من خلال الزراعة. حتى البطريرك يوسف الحويك لم يكن بعيداً من هذا التفكير، انطلاقاً من خوف ساد في تلك الأيام من المجاعة، لا سيما بعد التجربة المريرة للحرب العالمية الأولى. 

هل يصلح ذلك التفكير ولا يزال ليكون أساساً للبنان الذي يخطو خطواته الأولى نحو مئوية ضعيفاً، هشاً، ومتآكلاً، في بحث مستميت عن نموذج سيتمخض من ولادة قيصرية للنظام السياسي والاقتصادي الجديد الذي سيحكم المئوية الثانية: هل سيبقى على حدوده التي رُسمت في العام 1920 أو ثمة حدود جديدة ترتسم في الأفق بحبر الحرب الاقتصادية المعمدة بالدم؟.

مرفأ بيروت بين الأمس واليوم

ما يدفع إلى طرح هذا السؤال يكمن في التغييرات البنيوية التي يشهدها لبنان في العقد الأخير، وهي تؤشر إلى أن الذكرى المئوية لقيامه بالمفهوم السيادي المستقل عن الحكم العثماني، وما بعده عن الانتداب الفرنسي والوصاية الخارجية التقليدية التي فرضها اتفاق "سايكس - بيكو" لن تكون محطة انطلاق نحو مئوية ثانية، معززة سيادياً واستقلالياً للبلاد، بل أخرى مفصلية لإعادة النظر بالنظام السياسي والاقتصادي والنموذج الليبرالي الذي اعتُمد وطُوّر وفقاً للمصالح المحلية المتقاطعة مع الغرب. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بذل البطريرك الحويك جهوداً كبيرة من أجل ضم الأقضية إلى لبنان الكبير، اقتناعاً بالدور الزراعي الممكن أن يضطلع به. لكن رؤيته لم تلتقِ مع شبكة المصالح الغربية ومجموعة المتمولين اللبنانيين الذين رأوا في موقع لبنان الجغرافي على المتوسط، ومرافقه المهمة لا سيما مرفأ بيروت، دوراً أكبر يتجاوز الحدود الضيقة للزراعة. شكلت بيروت مركزاً خدماتياً وتجارياً بامتياز، فتح الباب أمام ازدهار التجارة مع أوروبا، ودخول الوكالات الأجنبية، ومرفأها بوابة عبور بين الشرق والغرب يضاهي مرفأ حيفا وينافسه، وبقطاعها المصرفي والمالي بدخول أموال المغتربين من جهة والمتمولين السوريين والفلسطينيين من جهة أخرى، شكلت المركز المالي والاقتصادي والخدماتي والسياحي. واعتبرت لؤلؤة المتوسط حتى صح وصفها بـ"سويسرا الشرق". بلغت ذروة تألقها في السبعينيات، حين عاش لبنان الحقبة الذهبية قبل دخوله في أتون الحرب الأهلية، وبعدها حلقات الاضطراب السياسي والاستقرار الهش التي نما فيها على الرغم من ذلك، اقتصاد منفتح متحرر من أي قيود جذب الودائع الخارجية. لكنه وبفعل انغماس منظومة الحكم القائمة على تشابك المصالح في أجندات خاصة ذات امتدادات إقليمية، وقع أسير الارتهان مجدداً إلى الخارج، وهذه المرة ليس إلى الغرب الذي اعتاد أن يكون الملاذ الطبيعي لامتداده بل إلى محور ممانعة يواجه عزلاً دولياً وعقوبات بفعل سيطرة مكوّن سياسي مصنف إرهابياً على المستوى الدولي، هو "حزب الله" حليف إيران وذراعها العسكرية. 

الانفجار المزلزل في مرفأ بيروت يطرح علامات استفهام حول مستقبل هذا المرفق، هل سيبقى تحت إمرة القوى السياسية التي أضعفته وانتزعت دوره لتحويله إلى مستودع للمواد المتفجرة والنفايات السامة، هو المجهز والمؤهل لينافس مرافىء المتوسط لا سيما مرفأ حيفا الإسرائيلي.

هل انتهى الدور الإقليمي؟

كثيرة كانت المؤشرات وصفارات الإنذار باستحالة استمرار المنظومة الاقتصادية والمالية ذاتها في إدارة بيئة أعمال واستثمار تحت مظلة الائتلاف الحاكم. لكنها لم تكن كافية للإضاءة على خطر المخاض الذي يمر به البلد، وينقله من ضفة إلى أخرى، ومن نهج اقتصادي مالي ليبرالي منفتح، إلى منغلق متشدد، ينادي بالاكتفاء الذاتي والعودة إلى اقتصاد منتج ليس ريعياً. إن كانت هذه المقاربة سليمة وصحيحة فخطرها يأتي من خارج إستراتيجية اقتصادية متكاملة تقضي على كل القطاعات المالية والمصرفية والخدماتية والسياحية، كما حاصل هو اليوم، والتخبط يبدو واضحاً في الممارسة، دافعاً بالبلاد إلى الانزلاق أكثر وفقدان دوره الريادي الذي اضطلع به على مر العقود الماضية. 

هل فقد لبنان دوره وميزاته؟

في هذا الواقع يُعرب الوسط الاقتصادي والنخب الفكرية عن خشيتهما حيال المستقبل على أبواب إطلالة المئوية الثانية للبلد، تستدعيان وفق هذه النخب نقاشاً وتبصراً في عناوين المرحلة المقبلة: عن أيّ لبنان نتحدث؟ وأيّ لبنان نريد، أو يراد لنا؟ وما مهمة البلد الصغير في شرق متغير سبقته دول المحيط إلى تبوّء دوره، واستغنت في مكان ما عن الحاجة إليه كمركز مالي وخدماتي؟ 

أكثر ما تخشاه هذه الطبقة النخبوية يتمثل بالسياسات الاقتصادية والمالية التي انتهجتها الحكومة قبل إعلان استقالتها، إذ أسقطت منظومته الاقتصادية التي بُني عليها، إن في المجال المالي والمصرفي أو التربوي والتعليمي والصحي والاستشفائي والتجاري والخدماتي، لتدعو إلى الزراعة والاكتفاء الذاتي من دون أيّ رعاية أو تأهيل أو حوافز تحتاجها الأراضي الزراعية.

في رأي هذه النخب، رصاصة الرحمة انطلقت على اقتصاد منهار ودولة مفلسة، وجاءت من انفجار المرفأ الذي خلق حالاً من اليأس والإحباط في أوساط الكفاءات الشابة (ثروة لبنان ومناعته) ضد الصدمات، دافعة بها نحو الهجرة ما يؤدي إلى إفراغ البلد منها علماً أنها أهم بكثير من طبقة المستثمرين وأصحاب الرساميل والثروات الذين هم قلة، وذلك فور توافر الفرص مع خروج معظمها إلى دول المحيط والحوافز الاستثمارية، ولن يتبقى إلا أصحاب الاستثمارات الصناعية التقليدية. 

هذا المشهد المستجد سيفقد لبنان دوره إذا لم يُستدرك الخلل البنيوي الذي أصابه، واستعادة الثقة به وبمقوماته عبر العودة إلى الدعم الدولي وبرنامج مع صندوق النقد الدولي، عطفاً على تسوية ترسي نظاماً سياسياً جديداً يتوافق عليه الفرقاء الداخليون بمظلة دولية. وإلا فالاحتفالات بمئوية لبنان الكبير في الأول من سبتمبر المقبل لن تكون على ما تمناه مؤسسوه، بل ستكون لدفنه!.