Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجربة السفر في زمن الوباء (2-2)

"لعل أهم درس اكتسبته هو أن الحياة التي كنا نعيشها أبعدت كثيرين عن الالتفات إلى ضعف البشرية مجتمعة"

صار السفر مضنياً ومنهكاً ولم تعد فيه اللذة القديمة التي كان المسافر يستمتع بها (أ ف ب)

حين بدأتُ في ترتيبات السفر تواصلت مع الفنادق التي عادة ما أسكنها في مدريد، وفوجئت بأنها جميعاً مغلقة ولا تقبل الحجوزات خلال الفترة التي حددتها لوصولي، بسبب ارتفاع كلفة تأمينها صحياً جراء انتشار وباء كورونا في مقابل نفقات التشغيل بسبب ندرة الزائرين، وبصعوبة بالغة وجدت فندقاً آخر، وعلى غير العادة خرجت من مطار أدولفوا سواريز (باراغاس) بسرعة، إذ لم تتجاوز الإجراءات فحص درجة الحرارة وتعبئة استمارة موقعة إلكترونياً، يذكر فيها القادم العنوان الذي سيسكنه، والإجابة عن أسئلة قصيرة حول حاله الصحي.

بعد انتهاء إجراءات التسجيل في الفندق خرجت فوراً على الرغم من إرهاق الرحلة الطويلة عبر دبي، وشعرت بوحشة في مدينة عشت فيها سفيراً لبلادي من أكتوبر (تشرين الأول) 2010 إلى أكتوبر 2014، حين تم استدعائي مع عدد آخر من السفراء لانتهاء الفترة القانونية التي كان يُعمل بها في عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، عدا حالات استثناء نادرة، وحينها قرّرت اختيار البحرين مستقراً، لأني شعرت بأن أوضاع اليمن ستدخل مرحلة فوضى، وللأسف صدق حدسي.

شوارع الصيف

خلال يوليو (تموز) وأغسطس (آب) عادة ما تكون شوارع مدريد شبه خالية، فيتوجه سكانها إلى الشواطئ هرباً من صيفها الحار نسبياً إذا ما قورن بالصيف في منطقتنا، ولكن أعداد السياح كانت تعوّض قليلاً من هذا الفراغ، فيملؤون مقاهيها الصاخبة والمطاعم التي تشغل أرصفتها. وحين خرجت إلى شارع المنطقة القريبة من الفندق لاحظت عدم الالتزام بالتعليمات والنصائح الصحية العالمية التي صارت جزءاً من حياتنا اليومية، فليس هناك تباعد اجتماعي ولا كمامات إلا في وسائل النقل العامة والمتاجر.

العودة إلى البحرين

قضيت خمسة أيام في المدينة الجميلة، ثم قررت العودة عبر دبي مرة أخرى، وكان الانتظار طويلاً جداً، لكن لا خيار آخر يمكن اللجوء إليه، وفور الوصول إلى مطار البحرين تم توقيف كل المسافرين لإجراء الفحص الذي صار معروفاً عند الجميع بالـ (PCR)، وكانت الإجراءات في غاية الترتيب والتعامل المهذب من العاملين، وتم أخذ عيّنة من الأنف ثم وضع أسوارة بلاستيكية حول المعصم، مرتبطة بتطبيق إلكتروني على الهاتف للتأكد من التزام القادم بالحجر المنزلي في العنوان الذي يحدده مدة عشرة أيام.

عند خروجي من المطار لم أكن في بداية الأمر قد أدركت الشعور المزعج الناجم عن تقييد حرية الإنسان حين يصبح أسيراً للتطور التقني، وعلى الرغم من أني كنت قبل سفري من البحرين أمضي أياماً طويلة داخل البيت، إلا أنه كان أمراً اختيارياً لم أشعر معه بالضيق أو الانزعاج.

ما إن وصلت إلى المنزل حتى تلقيت رسالة عبر التطبيق الإلكتروني "مجتمع واعي" BeAwareBahrain المرتبط بـ "فريق البحرين" المشرف على عملية حماية الناس من انتشار الوباء، وطلبت الرسالة أن أبعث صورة لي من مكان إقامتي للتأكد من صحة العنوان الذي سجلته في المطار، إذ إن الأسوارة البلاستيكية والتطبيق متصلان عبر تقنية البلوتوث، وتصورت أن تلك هي خاتمة المتابعة، لكن الرسائل التي تطلب صوراً لي من مكان الإقامة صارت جزءاً من حياتي خلال أيام الحجر العشرة، وصرت أستغرب تأخر تسلّمها، وفي يوم واحد طلب مني التطبيق إرسال خمس صور خلال ساعات قليلة.

أيام العزل

مرت الأيام العشرة ثقيلة طويلة، وصرت أكثر تعاطفاً مع الذين يحتجزون من دون أي قدرة على الحركة أو متابعة ما يدور خلف الجدران، وبلا أية وسائل للاتصال والتواصل مع الآخر، وشعرت بحجم مأساتهم الإنسانية. 

كنت أقضي معظم الوقت في متابعة أفلام وثائقية عن شخصيات مثيرة للجدل، وفي أحيان قليلة أنشغل بالكتابة أو قراءة مقالات عن أحداث العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صار انتظار اليوم العاشر هاجساً يومياً أتابعه عبر التطبيق، وبدأت أحس بالضيق من عملية الرقابة الصارمة التي جعلتني استذكر "الأخ الكبير" كما وصفه جورج أورويل في روايته الشهيرة "1984"، فكانت الأسوارة حول معصمي، والتطبيق الإلكتروني وطلب الصور طوال اليوم أشبه بعذاب نفسي جعلني أندم على قرار السفر الذي لم يستغرق سوى خمسة أيام، فأصبحت سجيناً من دون ذنب. وما إن أقبل اليوم الثامن حتى تلقيت رسالة تعطيني فرصة أخذ الموعد الثاني لإجراء الفحص مرة أخرى.

حددت موعد الفحص الثاني في ساعة مبكرة من صباح يوم الجمعة، وذهبت قبله بحوالى 20 دقيقة، وانتظرت في السيارة إلى أن بدأ العاملون في الوصول، واكتشفت أن الفحص سيجري من دون الحاجة للخروج من السيارة. مرّت تلك اللحظات ببطء شديد ولكن بنظام دقيق مريح، ولم تنتهِ معاناتي إلا حين أخبرتني المساعدة التي أخذت العينة أني أستطيع نزع الأسوارة داخل صالة قريبة، وكان ذلك مثل قرار الإفراج عن سجين انتُزعت حريته من دون جرم ولا ذنب.

لم أكد أنتهي من أول احتجاز إجباري في حياتي حتى قررت العودة إلى ألمانيا لزيارة صديق يتعافى من مرضه، ولم يكن السفر المباشر ممكناً إلا عبر إسبانيا لأني أحمل إقامة طويلة الأمد فيها، ومنها أستطيع الوصول إلى وجهتي المحددة، وعند حجز المقعد كانت تعليمات دخول إسبانيا قد تغيرت، وصار مطلوباً إجراء فحص يثبت خلوّ المسافر من وباء كورونا، وهكذا أجريته للمرة الثالثة خلال ثلاثة أسابيع. 

بدأت الرحلة الإسبانية مرة ثانية بإرهاق الانتظار في مطار دبي، وحين قررت السفر من مدريد إلى ألمانيا أبلغتني شركة الطيران بضرورة الحصول على شهادة تثبت سلبية الفحص قبل الوصول، بعد 48 ساعة على الأقل، مع إمكان إجرائه مجاناً في مطار الوصول، شرط الالتزام بحجر وقائي مدته 48 ساعة.

صار السفر مضنياً ومنهكاً، ولم تعد فيه اللذة القديمة التي كان المسافر يستمتع بها، وأصبحت العزلة بين الناس هي السائدة، ولاحظت أن الناس في ألمانيا صاروا يتعاملون مع الواقع الجديد من دون ضيق، بل صاروا يبدون تذمراً من خلال نظراتهم تجاه من لا يلتزم بالتعليمات، ولعل أهم درس اكتسبته هو أن الحياة التي كنا نعيشها أبعدت كثيرين عن الالتفات إلى ضعف البشرية "مجتمعة" في مواجهة فيروس انتقل عبر القارات، من دون أن تتمكن كل التقنيات من مواجهته والتصدي لأضراره والتعامل مع آثاره، ولم يجد العلم حلاً فورياً إلا بمنع الناس من الاختلاط وفرض "التباعد الاجتماعي"، واختفت عادات العناق وتبادل القُبل، وظهر العجز المذهل لكل القدرات والثروات.

المزيد من آراء