Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة المرأة مجدداً إلى ألعاب الفيديو بعد اتهامات وتهديدات بالقتل، وتغير في طبيعة الألعاب نفسها

ارتابت هولي باكستر في البداية عندما عرضت عليها لعبة "البارون الدموي"، ولكنها تعشق الآن عالم ألعاب الفيديو بعد أن صارت مختلفة تماماً عما كانته

هل يمكن تخصيص جوائز أوسكار لأفضل ألعاب الفيديو؟ (سي دي بروجكت) 

لدى "البارون الدموي" مُهمّة يريد تكليفك بها. يريدك أن تعثر على زوجته وابنته اللتان فقدتا على حدّ قوله، عقب تعرض قلعته للاقتحام والنهب... وربما اختُطِفتا خلال عمليّة سطو مسلح.

ونظراً لأنك كائن سحري غير بشري، يُدعى "المشعوذ" The Witcher ("ذي ويتشر")، يمكنك استخدام حواسك لتجوب القلعة بحثاً عن علامات ترشدك إلى هوية الخاطفين. ولكن، عندما تُعاين مكان الحادث، يتبيّن لك أنّ هناك شيئاً ما مريباً. ثمة دمار واسع النطاق، لكن شيئاً لم يُسرَقْ، ورائحة الكحول تعبق في المكان. هناك تعويذة واقية أُخفيَتْ تحت الألواح الخشبيّة التي تكسو أرضية غرفة البارون وزوجته آنّا التي كأنها كانت على عِلم مسبق بأنها معرّضة للخطر.

تذهب من فورك إلى عرَّاف البلدة، الرجل الذي اشترت منه آنّا التعويذة، وتكتشف أنها جاءت إليه طلباً لـ"الحماية" قبل بضعة أسابيع.

ولدى عودتك إلى قلعة "البارون الدموي"، تقابل الرجل الذي كلفك بالمُهمّة. تجده يتغنّى بحبّه لآنّا وابنته تمارا، ويتحدّث عن عائلة مُحِبّة ومترابطة لكنها تمزقت فجأة بسبب حادث عشوائي ارتكبه أشرار غرباء وحاقدون. والآن، يبدو أن الخطر ربما كان موجوداً داخل العائلة طول الوقت.

ويُحدّثك القرويون طوال الطريق عن إدمان البارون للكحول، حتى أنه أضرم النار مؤخراً في أحد أسطبلات الخيول أثناء سورة غضب انتابته تحت تأثير الكحول. لقد نجا حارس الأسطبل بأعجوبة من الموت حرقاً. عندها، تذكر رائحة الكحول التي كانت تعبق في كل أنحاء المنزل المُدَمّر.

لقد انتهى الأمر بالبارون إلى الكذب. وبعد مشادة عنيفة تتهمه فيها بتضليلك، يعترف بأن زوجته وابنته تركتاه من تلقاء أنفسهما، ويقرّ بأنه سكّير. لقد كان زوجاً سيّئاً. وسُمّي "البارون الدموي" لأنه قضى حياته في شن الحروب في جميع أنحاء البلاد، ولطالما قاد رجاله إلى صراعات محكوم عليها بالفشل بسبب أيديولوجياته الزائفة.

من شأن مشاهدة رفاقك يموتون من دون غاية تُذكَر أن يترك تأثيراً عليك. لقد لجأ البارون إلى الكحول لإخماد الذكريات وإسكات صوت ضميره بسبب تساقط خيرة الشباب من حوله. خرج إدمانه عن حدود السيطرة. وقد اعتاد الشجار مع آنّا أمام تمارا. وفي الحادثة الأخيرة، عندما كانت آنّا حاملاً في شهرها الثالث، دفع البارون زوجته بعنف لدرجة أنها أجهضت طفلهما الثاني بعيد ذلك.

في ذلك العالم الخيالي، لا تلقي أفعالٌ مثل هذه بظلالها على الجوانب العاطفيّة وحدها. والآن، يتعرّض البارون، اسمه الحقيقي فيليب بحسب ما كشفه بنفسه، للملاحقة على يد وحش معلّق بين الموت والحياة كالـ"زومبي"، يسمّى "بوتشلينغ". يزحف ذلك الجنين ذو العيون الواسعة والبشرة الأرجوانيّة على أرضية القلعة، ويصر على أسنانه الحادة مُصدراً أصواتاً شريرة. لقد ظهر ذلك الوحش لأن فيليب، تحت وطأة الشعور بالاضطراب والندم، لم يتّخذ إجراءات الدفن المناسبة للجنين المُجهَضْ الميّت، بل تخلص منه في حفرة وهو يشعر بالاشمئزاز من نفسه بعد تسبّبه في إصابة آنّا بكل ذلك القدر من الألم. ولم يمض وقت طويل قبل أن تلوذ آنّا وابنتها بالفرار.

 

أول مأزق أخلاقي تواجهه يتعلّق باختيارك (أو إحجامك) مساعدة فيليب في العثور على زوجته وابنته، خصوصاً عندما تأخذ بعين الاعتبار ما صرت تعرفه الآن عن القصة الحقيقيّة. ولدى البارون أيضاً معلومات ثمينة يمكنها مساعدتك في العثور على طفلك المفقود، ولكنه لن يفصح لك عنها إلا إذا وافقت على البحث عن آنّا وتمارا. ولكن، عليك أولاً أن تساعده على التكفير عن الإجهاض من خلال تسمية الطفل، والاعتذار له عن سوء المعاملة، والمشاركة في طقس الدفن المهيب الذي من شأنه أن يحوّل الـ"بوتشلينغ" الشبيه بالشياطين إلى شبح طيّب يدعى "لوبِركين"، وإلا فقد تؤدي تلك المطاردة إلى تدمير القرية بالكامل.

تعتقد أنك قد توافق على الأقل على تتبّع آثار آنّا وتمارا، لأنّه حتى لو اكتشفت ما حدث لهما، فليس عليك أن تخبر فيليب بمكانهما. يصرخ فيليب نادماّ، ويخبرك أنه على استعداد لمعاملة عائلته بشكل أفضل، ويرجوك مرّة أخرى أن تعيدهما إلى المنزل. ويؤشّر "لوبِركين" إلى اتجاه أمه قبل أن يتلاشى في الهواء. ثم تنطلق نحو أحد المستنقعات.

هذه ليست سوى بداية حكاية الأسرة المشؤومة. في المستنقع، تعرف أن آنّا الحامل قد أبرمت اتفاقاً مع ثلاث ساحرات لإجهاض الجنين مقابل الاستعباد لمدة سنة. إذاً، لم يكن عُنف فيليب هو سبب الإجهاض. لقد فقدت آنا عقلها عند المستنقع، وكانت ترعى نزوات الساحرات وتسمّن الأطفال لتقديمهم لهن على العشاء.

جرى خداع العائلات في المنطقة المحلية للاعتقاد بأنه إذا لم يكن بمقدورهم توفير الطعام لطفل آخر، فعليهم إرساله إلى الغابة بتعقب "خط من الحلوى" يصل إلى منزل الساحرات حيث لن يضيرهم الجوع مرة أخرى، كما تقول الإشاعات. ويحصل ذلك بكل أسف، لأنه سيجري تسمينهم قبل أن تلتهمهم الساحرات الشريرات بسرعة.

أخبر فيليب عن مكان وجود آنّا وسيذهب مباشرة إلى المستنقع مع الجنود، فقط للعثور على نسخة محطّمَة من زوجته التي باتت تعاني اضطراباً فُصاميّاً. في تلك الأثناء، انضمت تمارا المراهقة إلى مجموعة تدعى "النار الأبديّة"، وقرّرت البقاء معها حتى لو نجح والدها في استعادة والدتها.

وعندها، يقول فيليب لابنته وعيناه مغرورقتان بالدموع "لك كل الحق في أن تغضبي مني، فأنا لم أكن زوج طيّباً ولا أباً حنوناً، أعرف ذلك". كان يحاول لَمّ شمل الأسرة عند المستنقع عندما تتكشف الحقائق كلها، لكن تمارا تصرّ على رأيها وتسمح أنت لها بالمغادرة مع زعيم "النار الأبديّة". لقد اختارت طريقها بمحض إرادتها، وباتت لديها حياتها الخاصة بعيداً عن بيت والديها الذي يموج بالاضطرابات.

وفي وقت لاحق، تواجه أنت أعضاء من جماعة "النار الأبديّة" وهم يضرمون النار في كائنات غير بشريّة مثلك على محرقة، ثم يتبين لك أن اسمهم كان على مسمّى بأكثر مما توقّعت. وتدرك أنّ تمارا ، بعد أن شاهدت كمية الإساءة والعنف طوال فترة طفولتها، أسلمَتْ نفسها الآن في مرحلة البلوغ لسلطة استبداديّة مسيطرة على رأس جماعة من القتلة. هل يتوجّب عليك إجبارها على ترك تلك الجماعة؟ أم يجب عليك تحدّي قادة الجماعة؟ أم يجب عليك الابتعاد متقبلًا فكرة أنه لا يمكن إنقاذ الجميع؟

لا تشكل قصة هذه العائلة سوى مُهمّة جانبيّة واحدة في لعبة "ذي ويتشر 3: وايلد هانت"، وهي لعبة فيديو كانت جديرة بأن أكرهها لأسباب عدّة. أولاً، هي لعبة تصيبني بحالة من اليأس والإحباط. إذ لم ألمس وحدة تحكّم مذ كنت في السابعة من عمري، حين كان أخي يعطيني دور الثعلب "تيل" في لعبة "سونيك" SONIC التي كان يمارسها على جهاز "سيغا ميغا درايف" الذي يباع الآن بشكل منتظم باعتباره "تحفة كلاسيكية" من قبل هواة جَمْع القطع الكلاسيكيّة على موقع "إي باي" eBay.

ثانياً، لأن صندوق "بلايستيشن 4" الذي كان يحتوي على لعبة "ذي ويتشر" بدا منفّراً تماماً، مع صورة رجل مشوّه بندبة قديمة على وجهه الذي نمت عليه لحية ظاهرة، ويرتدي درعاً ثقيلاً جدّاً، فيما كان يستل سيفاً من غمده. بدا كأنه أحد شخصيّات أفلام العنف الذكوريّة التي يصيح فيها الرجال في وجوه بعضهم بعضاً قبل أن يلقوا حتفهم على نحو بطولي في ساحات المعارك بمختلف أشكالها وأنواعها لأسباب "نبيلة" لكنها مفتعلة.

نظرت إلى صديقي بشيء من الارتياب. لقد كان هو من أقنعني بالمضي قدماً في ممارسة ألعاب الفيديو، بعد عامين من الجدل الإشكالي حول ما سُمّي فضيحة "غايمر غايت" Gamergate (استعارة من فضيحة "ووترغيت"السياسيّة المعروفة) بشأن تعرّض عدد من النساء العاملات في الشركة الصانعة لتلك اللعبة، إلى حملات ممنهجة من كراهيّة الإنثى. ويرجع أصل تلك المسألة إلى تدوينة إلكترونيّة طويلة للغاية كتبها آيرون جيجوني، وهو صديق سابق لمطوّرة ألعاب إلكترونيّة تُدعى زوي كوين، عرضّ فيها تفاصيل حميمة في علاقتهما، وأخرج إلى العلن عدداً من محادثات خاصة سبق أن تبادلاها في تطبيقات التراسل الشبكي مثل موقع الدردشة في "فيسبوك". وكذلك زعم جيجوني أنّ كوين، المطوّرة المستقلة للعبة "دِبرِشينشس كويست" Depression Quest، كانت تسيء معاملته طيلة زمن علاقتها به.

شعر كثيرون أنّ تلك المُدوّنَة الإلكترونيّة التي ظهرت في اللحظة التي صعد فيها نجم كوين في مجال ألعاب الفيديو، كانت تهدف إلى تعطيل مسيرتها المهنيّة. كانت "دِبرِشينشس كويست" عبارة عن لعبة تفاعليّة تركّز على الصحة العقلية، بل جاءت عكس كل التوقّعات التقليديّة للنجاح في عالم ألعاب الفيديو. وعلى نحو أذهل كثيرون، تلقّت إشادة النقّاد في كل أنحاء العالم تقريباً. وافترض جيجوني وغيره (من دون دليل) أنّ كوين قدمت خدمات جنسيّة من أجل الحصول على آراء إيجابيّة لصالح لعبتها.

 

انتهى الأمر بكثيرين إلى التورّط في "الثقب الأسود" من السموم التي أحاطت بمدوّنة جيجوني. وتحوّلت المنصّات الإلكترونيّة التي غالباً ما ينشر فيها لاعبون محترفون، مثل موقعي "رديت" Reddit و"فورشان" 4Chan (السيّء السمعة)، إلى محاور أساسيّة في حرب ثقافيّة شُنّت على انحرافات مزعومة لكوين ، و"الأخلاق في الصحافة"، والحركة النسائيّة والنزعة المناهضة للنسوية. واتسع نطاق تلك الحرب ليصل إلى التصويت المُنَسّقْ على جوائز كتابات الخيال العلمي وحملات الضغط على المعلنين. كما تلقّت مطوّرة ألعاب فيديو أخرى تدعى بريانا وو قرابة  45تهديداً بالقتل في ذروة الجدال الإشكالي حول فضيحة "غايمر غيت"، لمجرد إدلاء بريانا برأيها الخاص. واضطرّت الصحافيّة المناصرة للحركة النسوية أنيتا ساركسيان التي غطت تلك الإشكاليّة عبر بثّ سلسلة من أشرطة الفيديو على الإنترنت، إلى إلغاء خطاب كان مقرّراً أن تلقيه في إحدى الجامعات بعد ثلاثة تهديدات مجهولة المصدر تطاول حياتها وأرواح الطلاب الذين قد يحضرون الخطاب.

بعبارة أخرى، لم تكن الألعاب الإلكترونيّة يوماً صديقة للمرأة، حتى لو لم نأخذ بعين الاعتبار مسألة تشييء الشخصيّات النسائيّة في تلك الألعاب، على غرار تقديم شخصيّة لارا كروفت وأشباهها مع ثديين ضخمين يقفزان من قميصها، أو فتيات التشجيع بشعورهن المُضفّرة وهن يتسلقن منشاراً على شكل عضو ذكري، ويكوّرن شفاههن في حركات تحمل إيحاءات جنسيّة.

وتزخر المواقع الإلكترونيّة والمجلات التي تخاطب حاجات المتمرّسين في الألعاب الإلكترونيّة، بمقالات تحمل عناوين من نوع "الـ15 امرأة الأشد إثارة في ألعاب الفيديو"، مع صور لكل منهن وقد ارتدت قميصاً مكشوفاً يظهر كثيراً من مفاتنها وسروال قصير يعرّي فخذيها، على الرغم من حقيقة أن عدداً من أولئك النسوة يفترض أنهن جُنديّات في خطوط أماميّة لأراضٍ مُدَمّرة بالحروب، أو كائنات فضائيّة تدافع عن كواكبها ضد غزوات. ولن يجانبك الصواب إذا ظننت أن ملابسهن غير ملائمة تماماً عندما تتصفّح صور مصّاصات الدماء العاريات الصدر، والمقاتلات ذوات التنانير القصيرة، والمخلوقات الفضائيّة ذوات الأجسام المكتنزة اللواتي يحرصن على إظهار تلك الأثداء الرقميّة المرنة على كامل الشاشة مع إخفاء بقية أجزاء الجسم تحت دروع معدنيّة، بما في ذلك رؤوسهن.

ولكن في مقابل كل ما يرد إلى أذهاننا عن أشخاص نمطيين يمارسون العادة السريّة بأخيلة تلك الصور، هناك عدد كبير من الرجال والنساء (وكذلك الفتيان والفتيات) الذين يطالبون الآن بألعاب تنسج روايات معقولة، وتجسّد شخصيّات واقعية.

تستند المهام الأساسيّة في لعبة "ذي ويتشر" إلى المنطق، وتقصّي الحقائق، وعمليات نسج العلاقات، حتى أن لديها لعبة بطاقات خاصة بها تدعى "غوِنْت" gwent التي يمكنك أن تلعبها مع أي شخص في العالم إذا طلبت ذلك، ببساطة كنوع من الترفيه الإضافي. وقد لاقت لعبة البطاقات المبتكرة إقبالاً كبيراً منذ إصدار لعبة "ذي ويتشر" حتى أن صفحة "غوِنْت" الرسمية على "تويتر" تضم 72500 متابعاً، إضافة إلى صدور كتاب بطبعة فاخرة يتناول العمل الفني الأصلي للعبة "غوِنْت" حمل عنوان ("غوِنْت": فن بطاقات اللعب في لعبة "ويتشر") Gwent: The Art of the Witcher Card Game، وترجم إلى لغات عدّة.

لقد بات مثل ذلك التفاني في صنع عوالِم الألعاب الإلكترونيّة أمراً متوقعاً الآن من قبل مطوّريها، لكنه يتطلب الكثير من الوقت والجهد والمال. إذ استغرقت لعبة "ذي ويتشر 3" ثلاث سنوات ونصف السنة، مع تخصيص سنتين ونصف السنة للتسجيل الصوتي لصنع عدد من المهمات التي يستطيع اللاعب اختيارها أثناء عبور الخريطة الضخمة للعبة وزيارة جميع البلدات والمدن والقرى في عالم الـ"ويتشر". وأفاد موقع الألعاب "كوتاكو" Kotaku أنّ كل مُهمّة في اللعبة تتطلب تخصيص كاتب ومصمّم لكل مهمّة. إذ يقدّم الكاتب الفكرة الأصلية للقصة، ثم يعمل مصمّم المُهمّة على ببناء السرد وإعداد الهيكل الدرامي والتصويري اللازم لتجسيد القصة، ثم يعمل الإثنان سويّة عل وضع اللمسات النهائيّة على الحوار والتفاعلات والعواقب والتفرعات المختلفة للتطورات المحتملة في القصة التي تجري بالتفاعل مع خيارات اللاعب، بعد أن يُعطى شخصيته في اللعبة، أي البطل جيرالت.

وبصورة إجماليّة، هناك 405 مُهمّة من هذا النوع في لعبة "ذي ويتشر 3"، يستغرق استكمالها كلّها قرابة 220 ساعة. وقد تتمكن من ضغط الوقت إلى حوالي 200 ساعة، إذا لم تتردّد كثيراً عندما يُطلب منك الاختيار بين التضحية بزوجة صديقك أو مجموعة من الأطفال، أو إذا ما كان يجب تحرير روح شجرة مخادعة من قفص مصنوع من أخشاب البلوط عندما تعدك بألا تعيث فساداً في الأرض بعد تحريرها، أو ما إذا كان يجب أن تصدق صديقتك السحريّة السابقة والخطيرة عندما تخبرك أنها تهتم بمصالحك الشخصيّة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يتوقف التعطيل على الخيارات الشخصيّة وحدها، بل تقدم لك اللعبة باستمرار معضلات أخلاقيّة عدّة. هل يجب أن تحمل روحاً تخريبيّة عبثيّة وتتسبّب في إلحاق الضرر والأذى بالغير في عالم البشر، كأن تدمّر الصحة العقلية لامرأة بالمداومة على إرسال كوابيس مرعبة إليها باستمرار، من دون فهم أخلاقي لعواقب تلك الأفعال؟ هل يجب أن تحمي رجلاً من إعدامه شنقاً بسبب ارتكابه جريمة سرقة، حتى لو أدى ذلك في النهاية إلى انهيار المجتمع وقتل أعداد كبيرة من الناس؟ هل يجب أن تتدخل لمحاولة إنقاذ امرأة بشريّة تعرضت للتسمّم بجرعة تعرف أن مفعولها يسري على الكائنات غير البشريّة، مع المخاطرة بأن تموت مُعَذَّباً إذا حدث خطأ أثناء عملية الانقاذ؟ هل يجب أن تتحدى الحركة الفاشيّة التي تعاقب وتطرد الكائنات غير البشريّة من المدينة التي تمر بها، وتتسبّب بالتالي في نشوب حرب مفتوحة؟

هل يجب أن تثق في وعود فيليب، البارون الدموي، وتصدّق أنه سيكون زوجاً طيباً لزوجته من الآن فصاعداً، أم يجب أن ترفض الصفح عنه والتعايش مع حقيقة أنك إذا فعلت ذلك، فسوف يؤول به الحال إلى قتل نفسه؟

لا توجد إجابة بسيطة في كثير من الأحيان: كل خيار له ظلاله الرماديّة، وضحاياه الأبرياء، والمستفيدين الذين لا يستحقون الإحسان. ثمة خيارات قد تبدو إيجابيّة بشكل واضح لكن سُرعان ما يتبيّن أن لها عواقب سلبيّة في مدينة مختلفة، مع عائلة مختلفة، بعد ثماني ساعات من إكمال المُهمّة الأصلية. على ذلك النحو، تكون اللعبة تجسيداً مذهلاً لنظرية "أثر الفراشة" التي تقول بأن تغييراً هيّناً في مكان ما، ربما يؤدي إلى تأثيرات كوارثيّة في مكان آخر.

ولعل الطريقة الأكثر وضوحاً التي تبيّن ابتعاد لعبة "ذي ويتشر" عن تقاليد صناعة ألعاب الفيديو هي عدم احتوائها على أخيار وأشرار، أو إرهابيين أشرار ضد حكومات خيّرة، أو أنظمة قمعيّة ضد أبطال شجعان يقاتلون من أجل الحرية؛ بل يعمل جيرالت بمفرده في لعبة "ذي ويتشر"، مكتفياً باتخاذ القرارات حول المجموعات التي يتفاعل معها ومع الاهتمام بمصالحه الشخصيّة.

هناك ألعاب تأخذ هذه الفكرة وتطوّرها مثل لعبة "فوول آوت 4" Fallout 4، التي تصوّر عالماً بائساً مدمراً بعد مرور 50 سنة على حرب نوويّة عالميّة، وتطالبك بالانضمام إلى عشيرة بعد فترة وجيزة من إطلاق شخصيتك الرقميّة البديلة في تلك المشهديّة التي تعج بالخراب، فتتورّط كليّاً في نزاعات عشائريّة.

هناك جماعة تسمّى "السكك الحديديّة"، وهي عصبة من الثوريين الذين يعيشون في الأنفاق تحت الأرض ويؤمنون بالقتال من أجل حقوق البشر والـ"سينثز" synths على حدّ سواء (والسينثز هي الروبوتات التي اكتسبت أحساسيس شبيهة بأحاسيس البشر، ويرغب كثيرون في إبادتها أو استعبادها). وهناك نشطاء "أخويّة الحديد" المتقدّمة تكنولوجيّاً، الذين لا يكنون أي نوع من التعاطف تجاه الـ"سينثز" أو البشر الضعفاء، ويبيدون كل شيء يقف في طريقهم تقريباً. أو يمكنك اختيار "المعهد" وهي مؤسّسة طوباويّة نقيّة بنيت وسط عالم حاق به الدمار، ويكون فيها الانضباط إجباريّاً والـ"سينثز" خدماً. أخيرًا، هناك خيار أن تتحرّك بمفردك، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً نظراً للمساعدات الإضافيّة التي ستحتاج إليها لإكمال اللعبة.

في المرّة الأولى التي مارست فيها لعبة "فوول آوت 4"، اخترت جماعة "السكك الحديديّة". لقد كان لديهم كلب ودود وبشّروا بالرحمة للجميع، وكانوا محايدين جنسيّاً في نهجهم العام، إذ لم يكن هناك الكثير بالنسبة لبطلتي الأنثى في   "أخويّة"، وكذلك ساورني القلق من المجتمع الأبوي في "المؤسّسة". ولكن بعد ذلك، نجح أعضاء من جماعة "السكك الحديديّة" في التسلل إلى دواخل مؤسّسة "المعهد" وتوصلوا إلى خطة كبرى لتحرير الـ"سينثز" الخدم تقضي بقتل الجميع في أحد أجنحة المبنى. وبقول آخر، قضت الخطة بإطلاق النار على الأصدقاء الذين ارتبطتُ بهم أثناء مهمات تقصّي الحقائق داخل "المعهد"، والعلماء الأبرياء الذين يعملون من أجل عالم أفضل والذين أعرف أن لهم أزواجاً وأطفالاً، إضافة إلى التخلّص من الـ"سينثز الذين يحتمل أن يكونوا في المكان الخطأ في الوقت غير المناسب، واعتبارهم نوعاً من "الأضرار الجانبيّة".

تكوّنت حماسة كبيرة لدى بعض أعضاء "السكك الحديديّة" تجاه تلك المهمة التي تجاوزت البداهات العامة واستخفّت بالعالم الرحيم الذي ناضلوا من أجله. ومع إلقاء القبض على أفراد منها ثم قتلهم، على يد مقاتلي "المعهد" و"أخويّة  الحديد" أثناء مهمّات مختلفة في اللعبة، تولّدت لدى نشطاء "السكك الحديديّة" حالة من الإحباط جعلتهم قُساةُ القلب. وبالنتيجة، توجّب عليّ الاختيار بين الموافقة على خطط الإبادة أو خيانة آخر فرد منهم وتسليمه إلى موظفي الأمن غير الرحيمين الذين يعملون في "المعهد". وهكذا، أنهيتُ اللعبة وأنا أشعر بخواء عاطفي وغير واثقة بالمرّة إذا كنت قد فعلت الصواب.

إذاً، لا عجب في أن لاعبي تلك الأنواع من الألعاب يتساءلون حول ما كان سيحدث لو اختاروا مساراً مختلفاً. وإذا أردت استراق النظر إلى عالم موازٍ لم تختر فيه أن تقتل الـ"سينثز"، أو تضرم النار في "المعهد"، أو تسمح بإلقاء القبض على قزم بتهمة الخيانة، يتوجّب عليك زيارة منصة "تويتش" Twitch للبث التدفقي لأشرطة الفيديو، التي تضم أكثر من 15 مليون مستخدم نشط يومياً، إضافة إلى 2.2 مليون شخص يقومون ببث مقاطع فيديو لأنفسهم أثناء ممارستهم الألعاب، بهدف الاستمتاع بمشاهدة أشخاص آخرين. يورد مسؤولو منصة "تويتش" أنّ 81.5 في المئة من مستخدميها من الذكور، وتتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً في الغالب، كما يُظهر رسم بياني ملوّن صغير على تلك المنصة أنّ أكثر من 70 في المئة من جيل الألفيّة الثالثة في الولايات المتحدة قد مارسوا لعبة فيديو واحدة على الأقل في آخر 60 يوماً.

وبعد زيارة عشوائيّة إلى منصة "تويتش" وإجراء عملية بحث عن شخص يبث شريطاً في تلك اللحظة للعبة "ذي ويتشر 3"، تبيّن لي وجود 54 بثاً مباشراً من أنحاء العالم، يأتي من مستخدمين في تركيا وروسيا وبولندا والدنمارك والبرتغال وكندا والصين وألمانيا وإسبانيا وكوريا وفرنسا وبلغاريا. وبالنقر على إحدى قنوات البث التدفقي، تمكنت من الوصول إلى بث مباشر لأحد ممارسي اللعبة، والحصول على أداة عرّفتني على عدد الأشخاص الذين شاهدوا ذلك اللاعب (أكثر من 14 ألف مشاهد)، إضافة إلى عدد الأشخاص الذين يشاهدون اللاعب في الوقت نفسه الذي أشاهده أنا فيه (147 مشاهداً).

وكتب اللاعب المُكنَّى "فيرلي أود باندا" FairlyOddPanda "مرحباً بكم في قناتي!"، وهي عبارة تظهر عند أسفل الفيديو الذي ينقل مجريات اللعب مباشرة. "سوف أنقل لكم اليوم مزيجاً من أساطير "اللعب بأداء الأدوار" Role- Playing Game (اختصاراً "آر بي جي" RPG) والألعاب السحريّة الطابع، إضافة إلى ألعاب أخرى تروّح عن القلب في بث خفيف يبعث حالة من الاسترخاء ويشجع على الدردشة مع المشاهدين... طلبات الألعاب مرحّب بها دائماً!". وتحتها ظهرت قواعد القناة التي أرساها ذلك المستخدم: كُن لطيفاً، لا للعبث، لا رسائل إلكترونيّة متطفّلة، "لا بأس باللعب المسترخي، بشرط الاعتدال".

إنه عالم مختلف تماماً ومربح في الوقت ذاته. إذ تتبع منصة "تويتش" لشركة "آمازون" Amazon العملاقة التي استحوذت عليها في العام 2014 بقيمة 970 مليون دولار. وأشارت تقارير إلى أن شركة "غوغل" أبدت القدر نفسه من الاهتمام بعمليّة الاستحواذ، لكنها تراجعت لأسباب غير معروفة. كما أرجعت مجلة "فوربس" السبب إلى قلق "آمازون" بشأن كيفية تأثير الاستحواذ، في حال اتمامه، على ملكيّة "آمازون" موقع "يوتيوب". ومنذ ذلك الحين، تجري مطالبة مستخدمي قناة "آمازون برايم" بالدفع مقابل عضوية تقدّم لهم منصة "تويتش" خالية من الإعلانات كجزء من حزمة استخدامها "آمازون برايم". وكذلك أبرمت اتّفاقاً للتعاون على المستوى الدولي لمدة عامين مع شركة "بليزارد إنترتينمنت" Blizzard Entertainment لتطوير الألعاب، يتيح لها أن تكون القناة الوحيدة على الإنترنت الناقلة لبطولات "ألعاب بليزارد الإلكترونيّة" المُكوَّنَة من فعاليات ضخمة تجرى بحضور لاعبين متمرّسين يتنافسون مع بعضهم بعضاً عبر لوحات تحكم مسيّطر عليها مركزيّاً، لنيل جائزة نقدية.

إذا كنت تعتقد أنّ هذا النوع من المسابقات يقتصر على فئة محدودة من الممارسين، فأنت مخطئ. إذ يشير "الاتحاد البريطاني للرياضات الإلكترونيّة" إلى أن 10 في المئة من سكان المملكة المتحدة يتابعون أو يشاركون في الرياضات الإلكترونيّة. وبوتيرة متصاعدة، تُجرى فعاليّات تُرصَد لها جوائز بقيمة 20 ألف جنيه إسترليني في استاد "ويمبلي" الشهير الذي يمتلئ عن آخره بجمهور يتابع تلك المنافسات بالبث الحي. لذا، يمكن القول أنّ من لا يزال يزدري ألعاب الكومبيوتر، يسيء في الحقيقة إلى أحد أضخم مصادر الاقتصاد  العالمي. وفي آسيا وبعض أنحاء الولايات المتحدة، تصل أموال جوائز تلك الألعاب الآن إلى ملايين الدولارات لكل منافسة فيها. وصار اللاعبون الذين كرّسوا جهودهم لتلك الألعاب وضحك منهم أقرانهم ذات يوم، هم من يضحكون الآن أثناء توجّههم إلى البنك.

ومع ذلك، لم تكن الرياضات الإلكترونيّة تستثير خيالي بالطريقة التي استهوتني بها لعبة "ذي ويتشر" أو "فوول آوت". فعلى نحو دائم، اعتمدت تلك  الرياضات التنافسيّة على أعداد القتلى ومحاكاة الحروب الحقيقيّة. وإذا رأيت مراهقاً يجلس أمام جهاز "بلايستيشن" ممسكاً بذراع التحكم في يده وعلى أذنيه سماعات عالية التقنية يتدلى منها ميكروفون، فالأرجح أنّك رأيت شخصاً يمارس لعبة "كوول أوف ديوتي" Call of Duty (ترجمتها شبه الحرفيّة= "نداء الواجب")، التي تعتبر من أكثر الألعاب الإلكترونيّة شعبيّة، وتدور بين فرق من الجنود الرقميين يتقاتلون ضد بعضهم بعضاً، وتعتمد بشكل كبير على لاعبين يتحدثون إلى بعضهم بعضاً أثناء تنسيق هجماتهم.

وعلى نحوٍ مماثل، جرّبتُ بنفسي ألعاباً أخرى بهدف كتابة هذا المقال، منها لعبة "أساسنز كريد" Assassin’s Creed (= "معتقد السفّاح") التي تصوّر ستينيات القرن التاسع عشر في لندن تصويراً دقيقاً، لكنها في النهاية تضعك في موضع البطل الطيّب الذي يقتل الأشرار بمجموعة متنوعة من الطرق المبتكرة. وكذلك تتحداك لعبة "فار كراي 5"  Far Cry 5 (= "البون الشاسع 5")، التي تتحداك لاصطياد وتدمير أعضاء طائفة إنجيلية قاتلة تثير أعمال شغب. وتتميز اللعبة بالطريقة المتقنة التي تستعيد فيها أجواء المناطق الريفية في ولاية مونتانا. ولكن، إلى حدّ ما، شعرت أنها على نحو ما بأنها تمثّل أيضاً استعادة بالمشهديات العالية الدقة للترسيمة السينمائيّة القديمة التي تقضي بقتل الأشرار. وإذا كنتَ ممن لم يتمرّس جهازهم العضلي- العصبي منذ الطفولة باللعب على وحدات التحكّم  بأجهزة اللعب، فسيكون من صعب التعامل مع تلك المشهديات، خصوصاً إذا لم تكن هناك سرديّة عليا ترشدك وتكون بمثابة الضوء في نهاية النفق.

 

ولوهلة، ظننتُ أنني رأيت كل ما يمكن أن تقدمه صناعة ألعاب الفيديو حينما قضيت على آخر أعضاء العصابة الكبرى في لعبة "فار كراي 5"، ولكن سرعان ما ظهرت لعبة "هورايزن زيرو دون" Horizon Zero Dawn (= "فجر بلا أفق")، وهي تحفة سينمائيّة للعبة تجري في عالم الديناصورات الروبوتيّة والقبائل الأمومية.

وفي هذه اللعبة، تتمثّل صورتك الرمزيّة في فتاة صغيرة تحاول التعرف على أصولها بعد أن جرى التخلي عنها في ظروف غامضة وهي طفلة رضيعة. في مجتمع تلك اللعبة، يعتبر مصطلح "من لا أم له" أسوأ إهانة يمكن أن تُلصَق بك، كما تقضي الطقوس بتجاهل الناس الذين يرتكبون أدنى خرق للقانون طوال حياتهم. ويسكن العالم عدد من القبائل البدائية المتفرقة، بعدما قُضِيَ بقية البشر لأسباب تكون غير معروفة في البداية. (إذا لم تلاحظ ذلك بنفسك، فإن المناظر الطبيعية في مرحلة ما بعد الدمار الشبيه بيوم القيامة، تحظى بشعبية كبيرة في ألعاب الفيديو مثل حالها حاضراً مع روايات الخيال للكبار، وأفترض أن ذلك ليس من قبيل المصادفة على الإطلاق). كذلك لا تخجل اللعبة من طرح الأسئلة الكبيرة... ما مدى أهمية الدين في المجتمعات الحديثة؟ لماذا نستغيث بإله مطلق القدرة بينما سوى أدلة قليل تدعم وجوده؟ ماذا يعني أن تكون منبوذاً؟ كيف تستفيد المجتمعات من الأضحيات؟

عند نقطة معينة في لعبة "هورايزن..."، تبحث البطلة آلوي عن جهاز تكنولوجي نجا من الدمار الشامل للعالم. يشبه الجهاز أجهزة تقنية منزليّة مثل المساعد الصوتي "غوغل أليكسا" أو المتصفح الصوتي "سيري" في "آي فون"، لكنه مزوّد أيضاً بماسح ضوئي بيولوجي يسمح للشخص المناسب بدخول غرفة مغلقة. وبصوت آلي، يتعرف الجهاز بنسبة خمسين بالمائة على وجه البطلة ويُصدِر الجواب التالي "شيفرة تالفة. ممنوع الدخول". وإذ يشاهد شيوخ القبيلة ذلك المشهد، فإنهم يعلنون أنّ آلوي استطاعت التحدث مباشرة إلى "الأم  الكبرى" المعبودة، فتولد أسطورة تفيد بأن "الأم الكبرى" طلبت من آلوي التطهر من الفساد في نفسها، كي تمضي قدماً في بحثها الشخصي.

إنّ لحظات كتلك هي التي تعطي لعبة "هورايزون..." ما يميّزها. ومن الأمثلة عليها مشاهد مُركّبَة تمتزج فيها الفكاهة مع التعليقات الجادة حول طبيعة الحضارة. وفي مكان آخر من اللعبة، هناك طفل يلح بشدة في تكوين صداقة مع أحد الغرباء، لكنه يتعرّض للتوبيخ من قبل والديه المتعصبين، فيشبّ ليغدو ليغدو شخصاً متعصّباً مؤيّداً للعنف ضد المنبوذين من القبائل. والتعصّب يولّد التعصّب: قد تكون هذه قصة قديمة قدم الزمن، ولكنها تبقى قصة جذريّة تصلح أن تروى في لعبة فيديو.

ومع ذلك، تمسي قصص الألعاب الإلكترونيّة أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم، ولا يُستبعد في غضون سنوات قليلة، أن تروج تلك الألعاب وترتقي فنيّاً في غضون بضع سنوات، بما يكفل لها الوصول إلى مكانة لائقة احتفالات الجوائز الأكثر رفعة. وفي العام 2013، كتب بول تاسي "لا نحتاج إلى تخصيص جوائز الأوسكار لألعاب الفيديو... ليس بعد". في المقابل، شهدت صناعة ألعاب الفيديو تغيّرات كبرى منذ ذلك الحين؛ وهو ما تنبّأ به تاسي فعليّاً، إذ كتب في المقال نفسه "يوشك أن يأتي اليوم الذي يجسّد فيه الممثلون شخصيات ألعاب الفيديو بشحمهم ولحمهم، وليس بمجرد أصواتهم، فيشهد ذلك القطاع انتقال مزيد ومزيد من مشاهير السينما والتلفزيون إلى العمل به".

ووفق رأي تاسي، عندما نصل إلى تلك المرحلة، سترتقي نوعيّة الألعاب إلى مستوى يضمن دعوة مطوّريها إلى حفلات الجوائز الكبرى، بل تخصيص جوائز خاصة بها. وبصراحة، تبدو تلك نظرية متحفظة للغاية. وحاضراً، ارتقت الجودة فعليّاً إلى مستوى متقدم في عدد من الألعاب. وسيكون مجرد الإقرار بها خطوة أولى تكفي لضمان تدفق ذلك السيل من اهتمام المشاهير بها، على نحو ما توقّع تاسي. وحاضراً، يوجد قسم في "الأكاديميّة البريطانيّة لفنون السينما والتلفزيون" يعترف بمكانة الألعاب ومطوّريها. ويمكننا أن نفترض باطمئنان أن ذلك سيصبح جزءاً من العروض الرئيسيّة في المستقبل غير البعيد.

ولكن لن يرحب كل اللاعبين المحترفين بانتقال صناعة ألعاب الفيديو من طور الاهتمام المتميّز إلى مرحلة الفن المعترف به رسميّاً، بل لن يقبل بعضهم بالخروج إلى النور، إلا على مضض. لكن الألعاب صارت متاحة للجميع الآن، ويُنظَرُ ليها باعتبارها شكلاً من الفن العالمي من قبل أشخاص لم يجرّبوا يوما لعبة "غايم بوي" Gameboy في طفولتهم، أو سال لعابهم أثناء ممارستهم لعبة "لارا كروفت" في مرحلة المراهقة.

ولنقل ببساطة، أن ألعاب الفيديو أصبحت أكبر وأهم وأكثر جودة، فلا يستطيع أحد أن يتجاهلها، ولا يمكن أن تصل مرحلة النضوج إلا بإسهام من أولئك الذين من الذين يرى بعض الناس وجوب استثنائهم. وحتى الوظائف في تلك الصناعة آخذة في التغير حاضراً. ولم يعد استخدام الكتّاب المتفرغين والمصممين المثابرين مقتصراً على "ذي ويتشر". وهناك اثنان من أصدقائي درسا الأدب الإنجليزي في الجامعة ويكسبان قوتهما الآن من كتابة سيناريوهات ألعاب الفيديو وحواراتها.

ومن رحم التهديد بالعنف، والحض على كراهية المرأة، والموت "الماحق"، والإشارة بأصابع الاتهام إلى ألعاب الفيديو عقب كل عمليّة إطلاق نار في المدارس... من رحم تلك الأمور كلها، ثمة شيء ما أكثر إثارة للاهتمام شرع في الظهور. إنه شيء لا يطلب معرفة إذا ما كنت شخصيّة طيبة أو شريرة، لكن يطالب بمعرفة نوعية العالم الذي تصنعه يداك عندما يتاح لك أن تتصرف متفلّتاً من الضوابط الأخلاقيّة. إنه شيء لا يمثل مجرد شيفرة للغضب والتعصب الذي لا يمكنك التعبير عنه في العالم الحقيقي، بل يتحدى بطريقة حيويّة افتراضاتك الأساسيّة ومعتقداتك الشخصيّة في بيئة تتيح لك اختبار ذاتك بنفسك.

إذا بدا ذلك طموحاً أكثر من اللزوم، فجدير به ألا يكون كذلك. إذ سيكون هذه العالم التفاعلي مكاناً تؤدّى فيه القصص الأكثر إثارة للاهتمام في القرن الواحد والعشرين، بل بقدر ما تشهد ألعاب الفيديو اقتحاماً من قِبَل من يشعرون حاضراً بأنهم مستثنون منها.

© The Independent