Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمليات أمنية إيرانية في الخارج لتعويض اخفاقات الداخل

يحاول النظام في طهران ترهيب معارضيه عبر استعراض قدرات أجهزته

في تاريخ 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أعلن جهاز الأمن التابع لقوات "الحرس الثوري" الإيراني عن عملية استدراج الناشط الاعلامي المنشق روح الله زم من مقر لجوئه في العاصمة الفرنسية باريس إلى العراق واعتقاله هناك ونقله إلى إيران عبر عملية معقدة قام بها الجهاز ووصفها بـ "المهنية والذكية" والتي استُخدمت فيها أساليب "حديثة ومبتكرة" لخداع أجهزة الاستخبارات الأجنبية من أجل استدراج "روح الله زم" إلى البلاد والقبض عليه بصفته رئيس الموقع الإلكتروني "آمد نيوز".
وكان زم صرح قبل خطفه من مقره الباريسي "شخصيات موثوقة اتصلت بي وأقسمت بأن هناك عملية مشتركة بين فليق القدس ووزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري لخطفي، لأنهم يريدون سد الثغرات الأمنية، وهذا يعني أنهم يريدون سد الثغرات من خلال خطف أو اغتيال المعارضين".

أجهزة متوترة
أما التوقيت الذي نٌفذت خلاله العملية فيكشف عن حجم "التوتر" الذي واجهته الأجهزة الأمنية التابعة للنظام الإيراني من جراء الأحداث التي شهدها الداخل الايراني والحركات الاعتراضية والاحتجاجية التي خرجت وهددت استقرار الحكم ووضعته أمام تحديات حقيقية.
ويبدو أن العمليات الأمنية التي كشفتها الأجهزة الأمنية في الأسابيع القليلة الماضية تهدف في وجهٍ من وجوهها إلى توجيه رسائل "قاسية" إلى الداخل الإيراني وحتى إلى الاشخاص المؤثرين ضمن صفوف المعارضة في الخارج، بأنها قادرة على الوصول إليهم، وتخطي كل العوائق والموانع الدبلوماسية والأمنية والأعراف السياسية من أجل تحقيق هذا الهدف. ويساعد ذلك على اظهار الجانب القوي للنظام وقدرته على ادارة ملفاته الأمنية والسياسية.

عملية تركيا
وهذا ما حدث قبل أسابيع مع 3 شبان تم استردادهم من تركيا، على الرغم من اختلاف الروايات بين حدوث تعاون إيراني مع الأجهزة الأمنية التركية أو تنفيذ عملية مستقلة لفرع النشاطات الخارجية في وزارة الاستخبارات الإيرانية. ويُتهم الشبان الثلاثة من قبل النظام وأجهزته بتحريض الشارع في أحداث 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 والتظاهرات التي خرجت في مدن إيرانية عدة احتجاجاً على قرار رفع أسعار الوقود (البنزين)، وأدت إلى مواجهات عنيفة وواسعة "سقط على أثرها أكثر من 250 شخصاً" بحسب تصريحات أدلى بها وزير الداخلية رحماني فضلي قبل نحو شهرين، على يد عناصر من جهازَي الشرطة والأمن وقوات مكافحة الشغب التابعة لأجهزة "الحرس الثوري".


رسائل رعب

وفي هذا السياق، أتت عملية استدراج المعارض الإيراني جمشيد شارمهد الذي يتزعم جمعية "تندر" الملكية من الولايات المتحدة إلى عاصمة إحدى دول المنطقة، إذ تناقضت التسريبات حولها بين أن تكون العاصمة التركية أنقرة أو العاصمة الطاجيكية دوشنبه، في وقت تلتزم وزارة الأمن الايرانية الصمت لرفع منسوب الغموض وتضخيم الهالة الأمنية التي تريد تعميمها في محاولة لايصال رسائل رعب إلى الداخل الإيراني.
إلا أن العملية الأخيرة التي استهدفت شارمهد، سجُلت في خانة انجازات وزارة الأمن. وتولى وزيرها محمود علوي مهمة الكشف عن بعض تفاصيلها عبر مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، بعكس العملية التي استهدفت روح الله زم التي نفذها جهاز أمن "الحرس الثوري"، الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بوجود تنافس وصراع وحتى تسابق على تحقيق الانجازات بين المؤسسات الأمنية الرسمية ومؤسسات أمنية تعمل خارج سلطة الدولة وتتبع مباشرة لسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي. وحتى في حال نفي وجود هذا الصراع والتنافس، إلا أن الوقائع والعلاقة المتوترة بين طرفي هذه المعادلة، أي المؤسسات الحكومية الرسمية من جهة والمؤسسات غير الخاضعة لسلطة الحكومة من جهة أخرى، تعزز فرضية وجود مثل هذا الصراع، بما يعني اتجاه الأمور نحو تعميق التمايز والتباين في عمل ومرجعية هذه المؤسسات وأساليب عملها، ما يؤدي في النتيجة إلى غياب التنسيق وارتفاع مستوى الإرباك في التعامل مع التحديات التي تواجه النظام ومؤسسات الدولة، لا سيما الأزمات الداخلية وحتى الخارجية.


تحذير الداخل
ويبدو أن هدف هذه العمليات الأمنية التي تستهدف اشخاصاً إما شاركوا في حركة احتجاج وتظاهرات سابقة كالشبان الثلاثة، وإما اشخاصاً يتهمهم النظام بلعب دور مؤثر في حشد وتحريك الشارع وتأجيج حركة الاعتراضات والعمل على اسقاط النظام من الداخل، وفي حالة شارمهد التورط في عمليات أمنية وتفجيرات تستهدف زعزعة الأمن الداخلي، هو توجيه رسالة إلى الداخل الإيراني بأن أجهزة الأمن متيقظة ومتحفزة لمواجهة الأخطار التي تهدد النظام أو تشكل مصدر خطر ضده. وأنها قادرة على الوصول إلى الرؤوس المدبرة التي تساهم في تحريك الشارع وتأجيج الاحتجاجات، أو تلك التي تحاول النيل من قيادات النظام وتشويهها وفضح ملفات الفساد والهدر والسرقات التي تحصل على حساب مصالح الشعب ولقمة عيشه.
هذه العمليات والمظاهر الإعلامية والدعائية الواسعة التي ترافقها، بالإضافة إلى محاولة النظام تأكيد قدرة أجهزته على ضرب مَن يُعتبرون المفاتيح المحركة لهذه الاعتراضات، تكشف حجم القلق والخوف الذي تعاني منه مؤسسات النظام وأجهزته الأمنية حيال تزايد النقمة الشعبية نتيجة الفشل في إدارة الملف الاقتصادي والمعيشي وفي التعامل مع تداعيات العقوبات والحصار الاقتصادي الذي فرضته الإدارة الأميركية بعد انسحابها من الإتفاق النووي، وان التجارب التي خاضتها هذه الأجهزة في مواجهة حركات الاحتجاجات والتظاهرات السابقة ألحقت اضراراً جسيمة بصورة النظام وقدرته على ضبط الأمور والسيطرة والإمساك بالرأي العام والشارع، وأن أي تحرك مقبل سيشكل تحدياً مصيرياً وحقيقياً أكثر تعقيداً من الاحتجاجات السابقة، خصوصاً وأنه سيكون نتيجة للانهيار الكبير الذي أصاب العملية الوطنية أمام الدولار وتراجع القدرة الشرائية للمواطن الإيراني وارتفاع الأسعار التي باتت خارج قدرته على مواكبتها أو استيعابها، فضلاً عن الركود الذي أصاب ما تبقى من اقتصاد جراء جائحة كورونا وفشل النظام والحكومة في إدارة الملف الصحي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


اخفاقات أمنية
وإذا ما استطاع النظام استعراض قدراته الأمنية في النيل من بعض مَن يعتبرهم قيادات مؤثرة في الحركات الشعبية الاعتراضية، إلا أن هذه العمليات وعلى تنوعها، تأتي في وقت تعرضت فيه القبضة الأمنية لتحديات واخفاقات حقيقية، كشفت حجم الترهل الذي أصاب هذه الأجهزة وامكانياتها في الحفاظ على المؤسسات الاستراتيجية التي تشكل العصب الأساس لقدرات النظام العسكرية والتقنية. وظهر ضعف قدرتها على حفظ سلامة المؤسسات الحيوية، لا سيما درة البرنامج النووي في منشأة نظنز، في عجزها عن كشف الخلية التي استطاعت اختراق كل الاجراءات الامنية التي تُفرض على كل العاملين في هذه المنشآت، إضافة إلى أطواق المراقبة والحراسة التي تحيط بها، وهي ذات الاجراءات التي تطبَق على موقع بارتشين الذي يضم منشآة نووية وأخرى لصناعة الصواريخ الباليستية.
وفي موازاة الخلل الذي كشفته هذه الاختراقات داخل الاجهزة الامنية المولجة حماية هذه المنشآت والتي تدخل في اطار صلاحيات ومهمات جهاز أمن "الحرس" بالدرجة الأولى باعتبار أن هذه المؤسسة هي المسؤولة عن البرنامجين النووي والصاروخي، ظهر فشل آخر في جهاز الأمن المخصص لمواجهة الحرب الالكترونية، اعترف به المسؤول عنه الجنرال غلام رضا جلالي الذي أكد أن حرباً الكترونية تتعرض لها المنشآت الحيوية الإيرانية، وأن "المعركة قاسية" على هذا الصعيد، الا أن احداثاً جرت من دون أن يتمكن هذا الجهاز من الحؤول دونها، مثلما حدث في حريق ميناء بوشهر وبعض محطات توليد الكهرباء ومصافي النفط في محافظة خوزستان. وأحرجت هذه الأحداث أجهزة النظام الأمنية، وكشفت اخفاقاتها في التصدي للخروقات الأمنية، اضافة إلى ما كشفته اعترافات "روح الله زم" المتعلقة بحصوله على أدق المعلومات وأكثرها سرية من اشخاص في مواقع حساسة داخل النظام، حيث ترددت معلومات عن وجود تعاون بينه وبين أحد العاملين في مكتب خامنئي، ما مكّنه من الوصول إلى معلومات سرية أربكت النظام وأجهزته.

وفي وقت أعاد فيه المرشد الإيراني التأكيد على استمرار بلاده في معركتها ضد ضغوط ومطالب أميركا التي تستهدف تغيير سلوك النظام وتفكيك برنامجَيه الصاروخي والنووي والحد من نفوذه الإقليمي وعرقلة تقدمه العلمي ونموه الاقتصادي، يبدو أن هذه البرامج تعرضت لهزات أمنية عدة طرحت علامات استفهام حول قدرة الأجهزة على الدفاع عن هذه المشاريع، في معركة مفتوحة لن تتوقف مع تصاعد حدة التوتر بين الطرفين. كما تزداد المواجهة الأميركية – الإيرانية تعقيداً وحساسية وهي تسير على حافة الانفجار، الذي لن يكون مقتصراً في حال وقوعه على المواجهة العسكرية، بل سيطال الداخل الذي يتحفز للتحرك مدفوعاً بضغوط اقتصادية ومعيشية، بشكل قد لا ينجح معه المزيد من العمليات الأمنية، في التعويض عن الاخفاقات والاستمرار في إخافة هذا الداخل من مغبة التحرك.

المزيد من تحلیل