Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الليبيون يحاربون أنفسهم بأموالهم

القوى الدولية دخلت على خط الأزمة لاستثمار خيرات البلاد من النفط والغاز بالإضافة إلى الأموال المجمدة

عناصر من قوات الجيش الليبي في مدينة بنغازي  (أ ف ب)

يعد ملف الأموال الليبية المجمدة في الخارح ملفاً ملغماً بالفعل، وأحد مصادر الصراع الراهن والمقبل بين حكومتي ليبيا الشرقية وليبيا الغربية لاعتبارات متعلقة بحجم الأموال المجمدة والتي تقدر بنحو 67 مليار دولار، وربما أكثر وبالتنافس الراهن على إدارة وتوجيه هذه الأموال في العواصم الأوروببة المختلفة بل وبعضها غير محدد وخارج الرصد والمتابعة، وإن كان بطبيعة الحال معلوما لأجهزة المعلومات الدولية التي تتابع وترصد وتلاحق لاعتبارات أمنية أكثر منها اقتصادية أو استثمارية ملفاً شائكاً ومسكوتاً عنه في الحرب الدائرة في ليبيا.

10 ملاحظات مهمة

1 - يعود سبب تجميد الأصول الليبية في الخارج إلى قرار صدر عن مجلس الأمن الدولي في مارس (آذار) 2011، ومسجل برقم 1973، ويتضمن فرض عقوبات على نظام القذافي- بعد اتهامه بقمع حراك فبراير ومن بينها تجميد الأصول الليبية، شاملة كل الأصول المالية والأموال والموارد الاقتصادية التي يملكها النظام السابق بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الخارج.

2 - تذهب بعض التقديرات الأخرى إلى أن قيمة الأموال الليبية في الخارج تزيد على 200 مليار دولار على شكل أصول وأسهم وودائع وحسابات بنكية في دول أبرزها إيطاليا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا والنمسا. كما أن صندوق الاستثمارات الليبي لإدارة واستثمار فوائض العوائد النفطية الليبية. وقد استثمر هذا الصندوق في عهد القذافي أكثر من 70 مليار دولار غالبيتها في شركات وبنوك إيطالية وبريطانية وبلجيكية وألمانية. ويوجد في البنوك البلجيكية وحدها 18 مليار دولار منها. وكانت الحكومة البلجيكية قد اعترفت بتصرفها في فوائد الأموال الليبية المجمدة ببنوكها، وتحويل جزء منها لتسديد مستحقات وديون شركات ومؤسسات بلجيكية عاملة في ليبيا.

3 - في ظل الصراع الدائر والمستمر بين الشرق والغرب الليبي وعلى الرغم من الاعتراف الدولي بأن حكومة الوفاق الوطني لا تزال شرعية وممثلة للشعب الليبي إلا أن التطورات السياسية والإستراتيجية المكثفة ودخول رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح علي الخط، يدفع بوجود طرف ثان ومؤثر في المعادلة، وقد يؤدي إلى عرقلة بل ووضع إشكاليات أمام احتمالات قيام حكومة الوفاق بإدارة ملف الأموال المجمدة، أو مراجعة الموقف الدولي بشأنها.

4 - عدم وجود دور حقيقي أو مؤثر في إدارة الأموال للجانب الليبي الراهن سواء في الشرق أو في الغرب، على الرغم من أن بعض الأرصدة الليبية في عواصم لم تحدّدها القرارات الدولية تباعاً والخاصة بفرض المراقبة عليها بل وتجميد التصرف فيها، على الرغم من أن بعض هذه الأرصدة المجمدة تم تسكينها بصورة رسمية للاستثمار في الخارج، ومن خلال قنوات مشروعة.

5 - لا يوجد في الأفق السياسي الدولي ما يمكن أن يشير إلى احتمالات المبادرة إلى فك الحظر والتجميد لهذه الأموال بخاصة أن الحكومة المعترف بها وهي حكومة الوفاق الوطني حاولت منذ سنوات القيام بهذا الأمر ولم تنجح فيه، ومن ثم فإنه من غير المتوقع وفي ظل التطورات الإستراتيجية الجارية أن يتم ذلك بخاصة  أن المواقف الدولية الحاكمة للمشهد الليبي، ستعمل على رفض أي خطوة في إطار السماح لهذه الحكومة بتولي إدارة بعض الأرصدة، ولو بصورة مرحلية أو مؤقتة  بخاصة مع فشل الحكومة المعترف بها في إتمام توحيد الدولة بل والانفتاح على الجانب التركي وإبرام اتفاقها البحري معها والقبول بدورها في الداخل، وهو مكمن الخطورة في ظل الاتجاه إلى عسكرة كاملة للمشهد الليبي والتسريع بمواجهة محتملة في الفترة المقبلة.

6 - تم تسيس ملف الأموال بصورة واضحة، وهو ما سينعكس على مواقف الدول الأوروبية تحديداً بل والولايات المتحدة وروسيا، وما سيقود بالفعل إلى تعقد الملف المالي ومنعاً لتوظيفه بالكامل لحسابات سياسية، ولهذا كان تحرك البرلمان الليبي دولياً، ودعوة مجلس الأمن إلى إصدار قرار ملزم يقضي برفع التجميد عن هذه الأموال والاستفادة بها لغلق الباب أمام أية تحركات حقيقية تقوم بها حكومة الوفاق الوطني في هذا التوقيت، وتحت مسمى إفادة الشعب الليبي بثروته المجمدة، وإن كان هذا الأمر مرتبط بتخوفات متعلقة باحتمالات إساءة استخدامها في أغراض أخرى، منها شراء الأسلحة من الأسواق السوداء، أو توظيفها لشركات أو أجهزة معلومات دولية.

7 - أقدمت بعض الدول الكبرى، منها بريطانيا على سبيل المثال بالتقدم إلى مجلس العموم لاقتطاع جزء من الأموال الليبية المحتجزة فيها لدفع تعويضات ضحايا الجيش الإيرلندي والتي تم استخدام بعضها في عهد الرئيس معمر القذافي، ومن المتوقع أن يدخل مجلس اللوردات على الخط لإقرار إنشاء صندوق تعويضات لأسر البريطانيين، وتقدّر أموال ليبيا في بريطانيا فقط بـ9.5 مليار إسترليني، وهو ما قد يتكرر بالفعل مع دول أخرى منها فرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا وسويسرا وغيرها من الدول التي لا تزال الأموال الليبية موجودة فيها مع زيادتها وفق نظامها المالي والاستثماري منذ احتجازها. (ما تم تحويله من أموال ليبيا المجمدة في بنوك بلجيكا وصل إلى حوالي 6 مليارات دولار، وهذا الرقم تم الإعلان عنه،  وهناك أرقام أكبر لم يتم الإعلان عنها حتى الآن).

8 - في حال دخول مجلس الأمن إلى خط المشكلة ما بين مطلب الحكومة المؤقتة سواء في الشرق أو الغرب، فإنه من المستبعد تماماً أن يصدر قرار دولي بتوجيه الأموال إلى جهة واحدة حاسمة، لأن الذين سيتحفظون على القرار الدولي حال صدوره كثر ولن يكون سهلاً أو ميسوراً بما في ذلك أسر وعائلات دولية في بريطانيا ودول من الاتحاد الأوروبي تطلب تعويضات جراء قيام الرئيس معمر القذافي بعملياته في الخارج، وسيستوي في ذلك الأطراف الأميركية والفرنسية والألمانية. والواقع أن الثروة الليبية الكبيرة موزعة بالفعل على 35 دولة وتشمل إلى الأرصدة أموالاً تتبع المؤسسة الليبية للاستثمار، وعقارات ومنتجعات وفنادق دولية كبيرة. وقد يتم توجيه بعضها إلى التعويضات المقترحة أو المقررة، وستؤدي إلى تبعات متعددة، وقد تم فتح الملف من قبل عضو في حزب الديمقراطيين الاتحادي الإيرلندي، ريج أمبي، والذي يتبنى حملة لتوجيه بعض الأموال إلى التعويضات، والواقع قانونياً أن فوائد تلك الأموال المجمدة يمكن الحصول عليها وتوظيفها وتحريك مصادر الاستخدام سواء من قبل الحكومة الليبية المعترف بها وإن كان هذا الهدف بات صعباً في ظل رفض دولي واضح، وغياب دور الأمم المتحدة في هذا الإطار، ومسعى بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة  لممارسة أكبر قدر من السواتر على الحركة الليبية في هذا الموضوع، وتجدر الإشارة إلى أن هناك ثروات أخرى منها طائرات ومعدات عسكرية أشترتها ليبيا من أميركا ودفعت ثمنها كاملاً ولم تتسلمها بعد.

وتبلغ قيمة الأموال المجمدة نحو 168 ملياراً و438 مليوناً من النقد الأجنبي، منها 113 ملياراً أصول سائلة ما بين ودائع وسندات، و63 ملياراً ودائع لدى بريطانيا و15 ملياراً كأصول سائلة وودائع وسندات، أما ألمانيا فلديها 12 ملياراً أصولاً سائلة وودائع وسندات، وفرنسا لديها ما يقارب 10 مليارات أصولاً سائلة وودائع وسندات، وكذلك 10 مليارات لدى إيطاليا أصولاً سائلة وودائع وسندات.

9 - هناك قلق من قبل بعض الدول والشركات والبنوك التي تتواجد الأموال المجمدة فيها، وفي مقدمها إيطاليا التي تعاني أكثر من غيرها من تبعات الأزمة المالية الراهنة بعد كورونا، ولن تقبل بأي حل وسط في صرف أو رفع الحظر عن بعض الثروات المالية الكبرى لليبيا، أو بريطانيا التي تعاني حالياً من تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن لا تقدم على خطوة إيجابية إلا في ظل مخططها لتطبيق أسلوب التعويضات، وهو الأهم بالنسبة إليها ولأنه سيوفر المليارات من الأموال المجمدة، وسينطبق بالفعل على دول أخرى تتخوف من تداعيات الصرف المالي أو التوجيه، بخاصة أن مجلس الأمن سيظل بعيداً عن المشهد، ولن يصدر أية قرارات لصالح أي طرف على الأقل في المدى المتوسط.

10 - على الرغم من وجود كل هذه الأموال الكبيرة للشعب الليبي واستمرار حالة التأزم بين الشرق والغرب، فإن الداخل الليبي يعاني من أزمات متلاحقة وانهيار البنية التحتية وعدم وجود الخدمات الأساسية التي دمرتها حالة الحرب االمستمر حتى الآن. ومع تصاعد المواجهات على طرابلس وتوقّع تمدّد المواجهات إلى مصراتة والزنتان ومناطق ليبية أخرى، ما يؤكد صعوبة التهدئة وانفتاح المشهد الليبي على سيناريوهات متعددة وفي ظل الصراع الدولي المستمر على ثروة الشعب الليبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الخلاصات

مع استمرار المشهد السياسي والأمني على حاله بين الشرق والغرب الليبي، ودخول الجانب التركي بمشروعه السياسي والأمني والإستراتيجي، فإن ملف الأموال المجمدة سيتعقد تماماً لأسباب. الأول، سعي كل طرف أوروبي للوصل إلى مصالحه عبر مشروعات إعادة الإعمار. وسيدخل الجانب الإيطالي والروسي والفرنسي على الخط. الثاني، أن الولايات المتحدة ستراهن على جزء من الثروة الليبية سواء الموجودة في الداخل الليبي حيث موارد الطاقة في الهلال النفطي أو ما يجاورها. ومع وجود احتمال قوي بحصول حكومة حفتر على دعم دولي إضافي إلى جانب الدعم الحالي من فرنسا وروسيا ومصر، فإن فرصتها في الحصول على الأصول المجمدة وتسييل جزء منها بهدف إعادة بناء ليبيا التي دمرتها الحرب تصبح الأقوى وهو مايخطط له الجيش الليبي جيداً هو الآخر. لكن في الإجمال ووفقاً لقراءة المشهد بالتفصيل فإنه لن يتم الإفراج عن الأموال الليبية في ظل استمرار الصراع الثنائي بين الجانبين وحتى إشعار آخر.

المزيد من تحلیل