Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كارل راينر عميد الكوميديين في العالم رحل وهو يضحك

انطلق من برودواي الأربعينيات ورافقه الجمهور 70 عاماً وترك أثراً في الأجيال

كارل راينر نجم السينما الكوميدية الأميركية (موقع الفنان)

"اذاً، حتى كارل راينر يموت، لا شك أنه رحل وهو يضحك". هكذا علّق أحدهم على صفحته عند تبلغه خبر رحيل كارل راينر الثلثاء الماضي، في إشارة واضحة إلى السنوات المديدة التي عاشها والتي تتجاوزالمعدّل. فعملاق الكوميديا هذا، رحل عن عمر يناهز الـ98 عاماً، ولو عاش سنتين اضافيتين، لجاز القول بأنه عاش قرناً من الزمن، بحلوه ومره. مهلاً، عن أي مر نتحدّث هنا؟ فالراحل الذي كان شيخ الكوميديين الأميركيين وأسطورة لا تتكررفي تاريخ بلاده، كان العدو الأول لأي شيء يبعث على المرارة والكآبة في هذه الحياة، أي شيء يكسر البهجة، فحاول بالتالي مداواة التعاسة ونشر الغبطة طوال ما يقارب الـ70 سنة من خلال الضحك والدعابة والنكت.

مسقط رأسه برونكس في نيويورك، الحيّ الذي وُلد وتربى فيه العديد من الفنانين المشهورين. عائلة أمه هاجرت من رومانيا إلى الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين، أمّا عائلة والده فنمسوية الأصل. في مذكّراته، يروي: "اشتغل والدي في صناعة الساعات، وفي أوقات فراغه كان يعزف على الكمان والفلوت. كان بارعاً في التعامل مع الآلتين، وهذا كله قبل ان يتزوج أمي". يروي أيضاً انه بعد تخرجه، اضطر إلى العمل في تصليح ماكينات الخياطة. لم يخطر التمثيل في باله إلا عندما أخبره شقيقه الأكبر عن دروس مجانية للتمثيل. تسجّل فيها وهكذا بدأ كلّ شيء. بسرعة أدرك ان هذا ما يريده لبقية حياته. حتى عندما التحق بالخدمة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، فخدم في الجهاز المخصص للترفيه. 

بداياته كانت من خشبة برودواي حيث لعب الدور الرئيسي في مسرحية "لقبني مستر" التي عُرضت عام 1946. الكساد الكبير والفاشية الزاحفة إلى أميركا في تلك الحقبة، أثّرا على عقلية الكثيرين من العاملين في مجال الثقافة والفنّ، ويُقال أن راينر لم يتطرف ولم يتجه إلى اليمين، إلا أن معاينة دقيقة لبعض أعماله وقراءة متأنية بين سطورها، بحسب البعض، قد ترينا تعاطفاً ما.

قارئ كافكا

يروي في مذكراته بأنه خلال صيف، قرأ رواية "المسخ" لفرانز كافكا أمام مغني الجاز الكبير سيدني بيشيت وأعضاء فريقه. قال لاحقاً بأنه لم يحظَ في حياته بجمهور رائع كهذا الجمهور. كان راينر أيضاً عضواً في حزب العمّال الأميركي، ويُقال بأنه في عام 1947، قدّم في الكارنيغي هول حفلاً خيرياً لقدامى الجنود الذين شاركوا في الحرب الأهلية الإسبانية. حدث هذا في ذروة الماكارثية، أثناء ما عُرف بـ"مطاردة الساحرات"، وقد أرسل الـ"أف بي أي" عنصرين إلى المكان ليحققا في ما اذا كان راينر شيوعياً. فرد عليهما أن ما من ممثّل شيوعي يعترف بأنه شيوعي.

مع بداية الخمسينات، ألّف وقدّم برنامجين تلفزيونين: "استعراض استعراضكم" (1950- 1954) الذي كان يستغرق 90 دقيقة ويُبث مباشرة على الـ"أم بي سي" الأميركية، و"ساعة سيزار" (1954- 1957)، الذي كانت مدته ساعة مباشرة على الهواء، وكلاهما من بطولة النجم سيد سيزار وضيوف آخرين يشاركون من وقت إلى آخر ومنهم راينر. 60 مليون مشاهد كانوا يتابعون هذين البرنامجين، وقد احتل "استعراض استعراضكم" المرتبة العاشرة في لائحة 100 أفضل برنامج ترفيه على الإطلاق. 

 

إلا أن صيت راينر ذاع على نطاق أوسع، يوم ابتكر وألّف وأنتج وقدّم المسلسل التلفزيوني الشهير "استعراض ديك فان دايك" (1961 - 1966) الذي استمر بثّه قرابة الخمسة مواسم وكانت مدته نصف ساعة. في هذا المسلسل الذي عُرض على قناة "سي بي أس" كان فان دايك يمثّل دور كاتب كوميديات تلفزيونية متزوج من سيدة تعمل لحساب نجم ذي مزاج متقلّب كان يلعب دوره راينر، وهذا النجم كان يعيش ويعمل في ضواحي نيويورك. حلقة بعد حلقة، ندخل في كواليس صناعة الترفيه في الشاشة الصغيرة. الشخصيات كانت من وحي ناس حقيقيين، وحتى أن كاراكتير فان دايك استلهمه راينر من تجربته الخاصة، ومن تعاونه السابق مع سيد سيزار. نال البرنامج 15 جائزة "إيمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من أعمال راينر البارزة أيضاً، "رجل عمره 2000 عام" ابتكره مع صديقه ميل بروكس في العام 1950، لكنه بُثَّ لأول مرة في عام 1960. حققت سكيتشات الثنائي نجاحاً غير مسبوق وفازت بالجوائز وجذبت العديد من المعجبين. الـ"شو" عبارة عن راينر يحاور رجل عمره 2000 سنة (بروكس)، في مواضيع مختلفة، من الزواج إلى الانجاب فالتاريخ، والرجل يرد عليه مستخدماً اللهجة اليهودية الأميركية. معاً شكلا ثنائياً لا يزال صدى نكاتهما وطرائفهما يتردد إلى اليوم في وجدان الذين عاشوا تلك الحقبة أو اكتشفوها لاحقاً. إطلاع راينر على التاريخ وعلى المحطات البارزة في السيرة البشرية، كان كفيلاً برفع مستوى الحوار، واعترف مرة بأنه كان يعرف الأسئلة مسبقاً، ولكنه يجهل الأجوبة تماماً، ذلك أن بروكس كان يعتمد كثيراً على الارتجال. 

كوميديا إجتماعية

عُرف راينر بتحويل حالات اجتماعية إلى كوميديا ودعابة مكثّفة. المجتمع الأميركي، خصوصاً في الخمسينات كان مصدر إلهامه الأبرز. ولكن، العمل في تلفزيون القطاع العام لم يكن يسمح وقتها الممثّلين بابداء آراء راديكالية أو ذات نزعة اشتراكية. كالعديد من أبناء جيله الذين عاشوا واشتغلوا في جو الحرب الباردة، حاول راينر التكيف مع أجواء معاداة الشيوعية السائدة آنذاك، إلى أن انتهت به الحال في معسكر الليبرالية، خصوصاً أن الضغوط في هذا المجال كانت هائلة.

 

كان راينر شخصية متميزة عُرف بموهبة الارتجال، قامة ثقافية وفكرية، ألّف ومثّل وأخرج، عمل من خلف الكواليس. ربما لا يكون وجهه معروفاً من الجمهور الشاب اليوم، ولكنه أيقونة في بلاده. كان تأثيره في الأجيال اللاحقة كبيراً، خصوصاً في الذين عملوا في مجال الكوميديا، وقد ترك بصماته على الفنّ الكوميدي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

كمخرج، كان له صعود وهبوط. أخرج 15 فيلماً روائياً طويلاً بين 1966و1997، بما فيها اقتباس لسيرته الذاتية ومسرحية من تأليفه. من هذه الأفلام: "يا الهي!" (1977) من تمثيل جورج برنز، وله أيضاً العديد من الأفلام الشهيرة أُنجزت ما بين أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، من تمثيل الكوميدي ستيف مارتن، أشهرها "الرجل صاحب الدماغين" و"الوضيع". لم يتوقف راينر عند الكوميديات الخفيفة فقط، بل تخطاها إلى أفلام تُعتبر محاكاة لأفلام الثريللر الإيروسي، من نوع "غريزة أساسية" مع شارون ستون. ظلّ وفياً للسينما حتى آخر أيام حياته (ظل يسجّل صوته لبرامج وأفلام وأعمال تحريك حتى أشهر قبل رحيله)، ولمّا توقف عن الإخراج بسبب تقدّمه في السن، هذا لم يمنعه من أن يكون له إطلالات محببة في أفلام لسينمائيين كبار، فمن شاهد سلسلة أفلام "أوشن" لستيفن سادربرغ لا بد أن يراه فيها.  

كان راينر متعدد الموهبة. ساهم في النهضة التلفزيونية، اعتلى خشبة المسرح، وقف خلف الكاميرا وقبالتها، إسهاماته في الـ"شوبيز" الأميركي كبيرة. لا يمكن نسيانه في العديد من الأفلام الكلاسيكية التي تُعبّر عن مرحلة سياسية وإجتماعية أبصرت فيها النور. فاز بعدد كبير من الجوائز: تسع جوائر "إيمي"، جائزة "غرامي"، وجائزة مارك تواين للدعابة الأميركية. مضى كارل راينر وترك خلفه إبنه المخرج روب راينر، صاحب الفيلم الرائع "بؤس" مع كاتي بايتس، أفلمة رواية ستيفن كينغ.

 

المزيد من سينما