Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر وإثيوبيا تتسابقان لإقناع العالم بعدالة قضيتيهما في أزمة سد النهضة

متخصصون: ترك نافذة مجلس الأمن مفتوحة أمر مهم للضغط على إثيوبيا

أعمال الإنشاءات في سد النهضة  (أ ف ب)

استمع مجلس الأمن الدولي، في جلسة حول السلم والأمن الأفريقي، الاثنين، إلى ملاحظات من مصر والسودان وإثيوبيا ودول أخرى، بشأن سد النهضة الذي تقوم الأخيرة بإنشائه على نهر النيل، والمعروف رسمياً باسم سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD).

قدمت مصر خلال الجلسة من خلال وزير خارجيتها سامح شكري، عرضاً موجزاً لمراحل المفاوضات بين الدول الثلاث، تضمن مواقف كل دولة وأشار إلى الموقف المصري الداعم للتنمية في إثيوبيا مع التأكيد على حق مصر في حماية مصالحها المائية إذ يهدد النهج الإثيوبي مقدرات ووجود 150 مليون مواطن مصري وسوداني. كما سرد العديد من الحقائق في ما يتعلق بالشح المائي في مصر، وأوضح أن ملء وتشغيل السد بشكل أحادي، ومن دون التوصل إلى اتفاق يتضمن الإجراءات الضرورية لحماية المجتمعات في دولتَي المصب، ويمنع إلحاق ضرر جسيم بحقوقهم، سيزيد من التوتر ويمكن أن يثير الأزمات والصراعات التي تهدّد الاستقرار في منطقة مضطربة بالفعل.

على الجانب الآخر أظهرت إثيوبيا امتعاضاً لتدخل مجلس الأمن الدولي في الأزمة، إذ قال مندوبها السفير تاي أسقي سلاسي، خلال الجلسة، إن بلاده "لا ترى أن قضية سد النهضة لها مكان شرعي في مجلس الأمن ووصف رفع القضية إلى المجلس الدولي بأنه "تم على نحو غير منصف"، وطلب إحالة المسألة على الاتحاد الأفريقي مشيراً إلى المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقول إن النزاعات ينبغي التعامل معها أولاً على مستوى إقليمي". وهو ما استدعي احتجاج وزير الخارجية المصري الذي رد بالقول "تفاوضنا معكم خلال 10 سنوات، واحترمنا كل التعهدات من أجل التوصل إلى اتفاق. نحن التزمنا باجتماع مكتب الاتحاد الأفريقي، ولم نلقِ باللائمة على أيّ من الدول".

شكوك في شأن المفاوضات الأفريقية

أجمعت القوى الدولية في مجلس الأمن وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا على ضرورة مواصلة المفاوضات والامتناع عن أي إجراءات أحادية تحول دون التوصل إلى اتفاق عادل للجميع، وألقوا بثقلهم مرة أخرى على جولة المفاوضات الجديدة التي فرضها الاتحاد الأفريقي والتي تم بموجبها تأجيل عقد جلسة مجلس الأمن، إذ كان مقرراً لها أن تعقد الجمعة الماضية بدلاً من الاثنين. غير أن تعليقات مندوب إثيوبيا والتي تضمنت بعض الاتهامات لمصر، تلقي بشكوك بشأن ما ستسفر عنه المفاوضات الأفريقية التي تستغرق أسبوعين.

وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية" وصف السفير علي الحفني، نائب وزير الخارجية المصري السابق للشؤون الأفريقية، الموقف الإثيوبي بأنه "متناقض". وأوضح أن اتفاق إعلان المبادئ في مارس (آذار) 2015، يتضمن إمكانية التواصل مع وسيط إذا ما تعثرت المفاوضات الخاصة بسد النهضة، ومن هنا اقترحت مصر إشراك البنك الدولي لأنه الجهة العالمية الأكثر خبرة في مجال الأنهار الدولية والسدود، بينما قوبل هذا الطلب برفض من إثيوبيا وفي مرحلة لاحقة طلبنا من الولايات المتحدة لعب هذا الدور. وأشار إلى أنه "في كل مرة كانت تهدف مصر إلى التغلب على تعثر المفاوضات ومنح قبلة حياة ودفعة جديدة لها، لإدراكنا أن هذا النزاع يجب أن تتم تسويته من خلال الوسائل السلمية والحوار".

وأضاف الحفني أنه على الرغم من قبول إثيوبيا أخيراً المشاركة في لقاءات واشنطن مع مفاوضين من البنك الدولي والولايات المتحدة إلا أنها انسحبت بالنهاية ورفضت التوقيع على اتفاق ملزم، "فكيف يمكن لممثلها الآن أن يقول إن الموضوع يجب أن يحل إقليمياً؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاءت مبادرة الاتحاد الأفريقي، برئاسة الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، للتدخل لعودة المفاوضات بين الدول الثلاث، بعدما تقدمت مصر في 19 يونيو (حزيران) بطلب إلى مجلس الأمن لمناقشة ملف سد النهضة في أعقاب إعلان إثيوبيا أنها ستبدأ بملء خزان السد بشكل أحادي من دون التوصل إلى اتفاق مع مصر.

ويقول السفير المصري إن الاتحاد الأفريقي على مدار 10 سنوات من المفاوضات بين الدول الثلاث المعنية لم يقم بأي دور. ويضيف أن مندوب إثيوبيا لدى الأمم المتحدة ردّد كلاماً مكرراً وهذا أسلوب غير عملي أو موضوعي في عملية مفاوضات استمرت عشر سنوات، مشيراً إلى أن استمرار اتّباع النمط نفسه من الاتهامات يطرح الشكوك في شأن جدية إثيوبيا والإرادة السياسية للخروج باتفاق قانوني ملزم لكل الأطراف، ليس فقط لمرحلة الملء الأول للسد ولكن للمراحل اللاحقة وللمستقبل للأجيال القادمة، إذ يجب أن تكون هناك التزامات قانونية واضحة ومحددة للدولة الإثيوبية ليست عرضة لأهواء القوى السياسية أو من يجلس على كرسي الحكم في أديس أبابا.

نقاط الخلاف

تعتمد مصر على نهر النيل لسد أكثر من 90 في المئة من احتياجاتها المائية وتواجه بالفعل ضغوطاً مائية كبيرة إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه حوالي 560 متراً مكعباً سنوياً، الأمر الذي يضع مصر على قائمة الدول التي تعاني من الشُح المائي وفقاً للمعايير الدولية وهو ما لفت إليه وزير الخارجية المصري، لذا تخشى أن يكون لسد النهضة تأثير مدمر في سكانها البالغ عددهم أكثر من 100 مليون نسمة.

وتتعلق نقطة الخلاف الرئيسية بالإطار الزمني لملء خزان سد النهضة، ففي حين تريد إثيوبيا ملء الخزان في غضون 5 سنوات، تطالب مصر بزيادة عدد السنوات بين 7-10 سنوات، ويشمل ذلك كمية المياه التي ستصل إلى دول المصب (مصر والسودان) في فترات الجفاف عند تعارض احتياجات توليد الكهرباء مع وصول كميات كافية من المياه لدول المصب، وكيفية حل أي خلافات مستقبلية.

وتتفق السودان مع مصر على ضرورة أن تؤجل إثيوبيا ملء السد حتى يتم التوصل إلى اتفاق بين الدول الثلاث. وخلال جلسة مجلس الأمن، حثّ ممثل السودان لدى الأمم المتحدة، عمر صديق، قادة الدول الثلاث على إظهار إرادتهم السياسية والتزامهم بحل القضايا المتبقية والتصديق على اتفاقية قانونية. وطالب بردع أي طرف يتخذ إجراء من شأنه عرقلة جهود الاتحاد الأفريقي نحو تحقيق السلم والأمن.

وقبيل انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعث السودان بخطاب إلى المجلس محذراً من أن ملء سد النهضة من دون التوصل إلى اتفاق ثلاثي سيضر بسلامة سد الروصيرص السوداني ويعرض حياة الملايين للخطر.

وفي أديس أبابا، ذكرت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأسبوع الماضي، أن استعدادات جارية لتنظيم حملة إلكترونية عالمية لدعم بناء السد من قبل الإثيوبيين في الخارج وأصدقاء إثيوبيا. وأضافت أن الحملة ستنظم من خلال المنظمة الإثيوبية المتحدة للسلام والمصالحة، وهي منظمة مدنية مقرها المملكة المتحدة، بالتعاون مع شبكة تبادل المعرفة العالمية، بهدف تعريف المجتمع الدولي بالسد وعملية المفاوضات وجمع الأموال لإكمالها.

وترفض إثيوبيا توقيع أي اتفاق قانوني ملزم، كما تراجعت عن اتفاق إعلان المبادئ الذي يلزم الدول الأفريقية الثلاث بالتوصل إلى اتفاق بشأن المبادئ التوجيهية لملء السد وتشغيله، حيث أبلغت مجلس الأمن في رسالة في 14 مايو (أيار) الماضي، تفيد بأنها "ليس لديها الالتزام القانوني بالسعي إلى الحصول على موافقة مصر لملء السد". وتنص المادة 5 من إعلان المبادئ، على أنه يتعين على الدول الثلاث التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، الذي تبلغ سعته 6 آلاف ميغاوات قبل البدء في عملية ملء الخزان لتجنب الإضرار بمصالح دول الجوار.

وخلال جلسة الاثنين، قال السفير الإثيوبي إن بلاده قد حُرمت من حقها في استخدام مياه النيل الأزرق لسنوات، مشيراً إلى أن أكثر من 60 في المئة من البلاد هي أرض جافة ولا تتمتع بموارد مائية مستدامة، بينما تتمتع مصر بمياه جوفية ولديها إمكانية الوصول إلى مياه البحر التي يمكن تحليتها، وهي العملية المكلفة للغاية والتي تواجه صعوبة كبيرة، بحسب خبراء. وأضاف تاي أسقي سلاسي إنه بمجرد اكتمال السد، سيوفر السد الكهرباء "لأكثر من 65 مليون شخص يعيشون حالياً في الظلام الدامس".

الموقف الدولي

جلسة مجلس الأمن، التي عقدت بناء على دعوة من السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، نيابة عن مصر، حظيت بزخم وعرض على مستوى دولي للأزمة ووجهات نظر الأطراف المعنية، فضلاً عن تأكيد أربعة من الأعضاء ضرورة متابعة الأزمة، وهو ما يراه المراقبون مفيداً للجانبين المصري والسوداني.

الجملة العامة التي برزت في حديث القوى الدولية خلال الجلسة هي التوصل إلى اتفاق وعدم اتخاذ إجراءات أحادية، فضلاً عن أن جود الاتحاد الأفريقي كشريك مع الولايات المتحدة والبنك الدولي يضع إثيوبيا تحت ضغط، بحسب قول السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، الذي أشار إلى أن ترك نافذة مجلس الأمن مفتوحة أمر مهم للضغط على إثيوبيا.

وأضاف حجازي "نحن أمام مشهد نقبل فيه الآلية الأفريقية وإنما الآلية الأم لحفظ الأمن والسلم الدولي هي مجلس الأمن". وبالتالي دفعت مصر نحو التزام مجلس الأمن بمناشدة الأطراف الدخول في مفاوضات بحسن نية وعدم اتخاذ إجراءات أحادية والالتزام باتفاق قانوني ملزم.

وبينما يرى الحفني أن الموقف الدولي كان يمكن أن يتناول الملف بشكل مختلف قبل دخول الاتحاد الأفريقي على خط المفاوضات، غير أنه يشير إلى أن الدول ذات الثقل في مجلس الأمن قرأت الملف المصري جيداً ولعبت الولايات المتحدة دوراً مهماً على صعيد الوساطة، كما تدرك فرنسا الموقف المصري بشكل كامل ومن ثم فإن الموقف الذي يفرض نفسه على مجلس الأمن وأعضائه هو الانتظار لنتائج جهود المنظمة الإقليمية، مع استمرار اطلاع الأمم المتحدة ودول مجلس الأمن على التطورات وهو ما يؤكد دور الأمم المتحدة في القضية.

ويشير الحفني إلى أن مجلس الأمن لديه الكثير من الأدوات للضغط على إثيوبيا، فليس بالضرورة اللجوء إلى خيارات تعسفية لكن هناك خيارات أخرى للدفع باتجاه حسم هذا النزاع والتوصل بمساعدة المجتمع الدولي إلى حل. وأشار إلى أن مصر لم تطلب فرض عقوبات على أديس أبابا أو مواجهة معها لكنها تطلب تدخل المجلس لاستئناف المفاوضات للسماح بوصولها إلى مبتغاها، أما إذا أصرت إثيوبيا على تعنتها وفرض أمور معينه فإن مصر لن تقبل ذلك.

دعم عربي

وإلى جانب الجهود الدبلوماسية المصرية، تلعب المجموعة العربية لدى الأمم المتحدة دوراً داعماً في الترويج للموقف المصري. وفي تعليقات تليفزيونية، الاثنين، قال السفير ماجد عبد الفتاح، المندوب الدائم لجامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة، إن هناك تياراً عريضاً داخل مجلس الأمن يدعو إلى دور أكبر للأمم المتحدة ومن ثم ستعمل المجموعة العربية برئاسة تونس على تعزيز هذا التوجه خلال الأيام المقبلة. وأشار إلى أن عقد الجلسة جاء بعد محاولات مضنية من إثيوبيا لمنعها، يمثل نجاحاً للدبلوماسية المصرية بدعم عربي حيث حصلت مصر على التزام الدول الأعضاء في المنظمة الأممية بمتابعة الأزمة.

المزيد من متابعات