Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الاحتقار" لألبرتو مورافيا: إعادة الحق إلى أصحابه

النصّ الغائب خلف الفيلم الأنجح للفرنسي غودار

مورافيا كما رسمه ريناتو غوتوزو (مواقع التواصل الاجتماعي)

غالباً ما تكون هناك مناسبة صالحة للكلام عن واحد من أفضل وأنجح أفلام المخرج جان- لوك غودار: "الاحتقار". ولكن، غالباً ما يُذكر الفيلم لمناسبة الحديث إما عن بريجيت باردو، بطلته، أو ميشال بيكولي أو فريتز لانغ، المخرج الكبير الذي لعب دوره الخاص في الفيلم، أو حتى عن جاك بالانس الذي كان يوماً من عمالقة هوليوود. ودائماً ما يُقال إن غودار قد جمع لإنجاح "الاحتقار" عدداً كبيراً من الأسماء. لكن المشكلة هي أن ثمة اسماً ناقصاً، منسيّاً، مع أنه في الحقيقة الاسم الذي يستحقّ أن يُذكر لأنه صاحب الرواية التي أُخذ الفيلم عنها. ونعني الإيطالي ألبرتو مورافيا، الذي نادراً ما أُهمل ذكر اسمه لدى الحديث عن فيلم اقتُبس من نصّ له. والمسألة هنا هي أن غودار هو غودار. إضافةً إلى أنه استحوذ على النص ليجعله فيلماً غودارياً بامتياز، ومن دون أن يكون في ذلك ما يزعج مورافيا. فهو كاتب محترف وضليع في شؤون السينما ومعجب بسينما غودار. ثم إن روايته استفادت كثيراً من دخول غودار إلى عالمه. ولما كان ثمة دائماً أناس مثلنا يروقهم أن يعيدوا الفضل إلى أصحابه بين الحين والآخر، ها نحن نفعل لمناسبة مرور ثلاثين عاماً على رحيل مورافيا، بالحديث عن "الاحتقار" كرواية وليس كفيلم.

يوليسيس معاصر مرة أخرى

في الرواية التي صدرت في أصلها الإيطالي للمرة الأولى عام 1954 لتُعتبر من فورها واحدة من أجمل روايات مورافيا، بل حتى نوعاً من "التحديث الموارب لحكاية يوليسيس وبينيلوب" من خلال اشتغال الكاتب ريكاردو مولتيني، الشخصية الأساسية في الرواية على سيناريو سينمائي موصى عليه لحساب منتج في روما، في هذه الرواية لدينا أصلاً عالم السينما قبل حضور غودار بكثير. بل لدينا حكاية فيلم داخل الرواية قبل أن يصبح هذا الموضوع رائجاً في عالم السينما.

فالكاتب مولتيني الذي تزوج حبيبته إيميليا قبل سنتين يطالعنا هنا وهو يطرح على نفسه بعض الأسئلة الشائكة في خضمّ وضع مالي سيّء، خصوصاً أن إيميليا تركت عملها لتتفرّغ للبيت، فيما هو بات غارقاً في الديون، لا سيما بسبب الشقة التي اشتراها كرمى لعينيها. من هنا، نراه مضطراً إلى التخلّي عن طموحاته الكتابية لينصرف إلى كتابة سيناريو مقتبس من "الإلياذة". لكن كتابة السيناريو مهنة لا تروقه بل يعتبرها سدّاً في وجه حرّيته كمبدع. والأدهى من هذا أن كاتبنا فيما يشتغل على السيناريو باشمئزاز، متلبساً في حياته اليومية دور يوليسيس، ناظراً إلى إيميليا بكونها بينيلوب، يبدأ بالظهور لديه شعور يتفاقم يوماً بعد يوم بأن إيميليا لم تعد تحبّه، بمعنى أن كل ما يضحّي به من أجلها اليوم بات لا جدوى منه. غير أنه ما إن يدُعى بصحبة إيميليا، إلى بيت المنتج في جزيرة كابري كي يكتب هناك مستوحياً المكان، حتى ينحي هواجسه جانباً، محاولاً أن يحوّل حكاية يوليسيس/ بينيلوب إلى مسألة شخصية تقيم التوازي بين الثنائيَّيْن. غير أن الأمر ينتهي ذات يوم وهما غائصَيْن في سحر الجزيرة والحياة المرفهة المستعارة التي يعيشانها، إلى إقرارها أخيراً في وجهه بأن سبب المشكلة بينهما أنها تحتقره... لكنها لن تقول سبب ذلك الاحتقار. ونحن كقراء لن نعرف في أي حال، حصّة البعد الذاتي في الرواية. كم فيها من سيرة مورافيا؟ وكم فيها من تشاؤم بالنسبة إلى العلاقات الزوجية؟

متفائل على الرغم من كل شيء

غير أن هذا لا يبدو هنا فائق الأهمية. فقبل رحيله بفترة، حين سُئل ألبرتو مورافيا عن الكيفية التي سيكون عليها عالم المستقبل، في رأيه، أجاب "أنا، في نهاية الأمر، متفائل. في الأمس فقط كان الناس يمتشقون السيوف ويرتدون الشعر المستعار على رؤوسهم ويمتطون الأحصنة. إنني لأعتقد أن الإنسانية بالكاد خرجت حديثاً من طفولتها. وهي اليوم، لذلك، تعيش مرحلة المراهقة. أما مستقبلها، فما هو إلّا مستقبل العلم والتطبيقات التكنولوجية التي لا يزال في وسعها أن تقلب العالم رأساً على عقب. ومع هذا، صحيح كذلك، أن المراهقة في الحياة هي مرحلة أزمة عميقة وأن عالمنا يمكنه أن يفنى حتى من قبل أن يصل إلى كامل شبابه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الحيوية الجدلية، وهذه البساطة في التعبير لم تطبع، فقط، ما كان ألبرتو مورافيا يصرح به في آخر أيامه، بل طبعت كذلك أدبه كله، ما جعل لأدبه شعبية لم تضاهِها شعبية أي أديب أوروبي آخر في طول القرن العشرين وعرضه. وحتى لئن كانت شعبية أدب كاتب إيطاليا الكبير قد جعلت دهاقنة جائزة نوبل يغضّون الطرف عنه دائماً، فإنّ الباحثين المعمّقين في الأدب لم يَفُتْهم أن يدركوا كم أن البساطة التي تطبع رواياته وقصصه كانت من النوع الخادع، إذ غالباً ما كانت الحياة في أعماقها تلوح ظاهرةً من خلال أدب كان يبدو للوهلة الأولى سطحياً، أو على الأقل، ميبلودرامياً في ملامسته لمواضيعه.

ليس الكاتب الذي تعتقدون!

من هنا، كان شعار باحثي أدب ألبرتو مورافيا على الدوام يتلخّص في عبارة تقول: "لكنه، بعد كل شيء، ليس الكاتب الذي تعتقدون". ألبرتو مورافيا الذي رحل عن عالمنا قبل ثلاثين عاماً من الآن أي عام 1990، ولد العام 1907 في مدينة روما، وعرف الشهرة باكراً وبشكل مفاجئ منذ روايته الكبيرة الأولى "اللامبالون" التي نشرها وهو في الثانية والعشرين من عمره، ولكنها لم تكن، مع ذلك، عمله الأول، إذ كان قد نشر قبلها مجموعة شعرية بعنوان "18 قصيدة"، يُقال إنه كتبها حين كان في الثالثة عشرة من عمره. ومورافيا يقول لنا عن صباه إنه انطبع بداءَيْن أصاباه وهو بعد في أولى سنوات وعيه: داء السلّ العظمي الذي أصابه يافعاً واضطُره إلى المكوث لسنوات طويلة في مصحات التيرول عاجزاً عن الحركة، والفاشية التي بدأت تغزو إيطاليا منذ العشرينيات وتحاول أن تحطّم لها روحها. ومن الواضح أن وعي مورافيا (واسمه الحقيقي بينكرلي) قد اكتمل عبر ردّ فعله على ذينك الداءَيْن، ما جعل كل أدبه التالي يُكتب كردّ فعل على صدمهما الجسد والروح. والحال أن الشغل الشاغل لمورافيا طوال حياته الأدبية كان الردّ على تينك الصدمتين المبكرتين.

النجاح الذي كان من نصيب "اللامبالون" شجّع مورافيا على الإمعان في الكتابة، فراح يصدر طوال سنوات الثلاثين والأربعين، كتبه التالية بادئاً بـ"الطموحات الخائبة" و"تربيع الأقنعة"، وصولاً إلى "الحياة الجميلة" (1935) وهو الكتاب الأول الذي عرف فيه مورافيا كيف يصوّر سقوط المجتمع المخملي في روما خير تصوير، فاستبق بذلك نظرة فلليني الثاقبة إلى المجتمع ذاته، مع ما في نظرَتَيْ الفنانَيْن من لمسات سخرية ناقدة مشتركة.

الكتابة ضد الفاشية

ليس من اليسير بالطبع إحصاء كل ما كتبه مورافيا، ولكن يمكن الإشارة إلى أبرز أعماله، ومنها ما نقلته السينما ومعظمه تُرجم إلى شتى لغات العالم ومنها اللغة العربية بالطــبع، ومن تلك الأعمال: "العصيان" و"الحب الزوجي" و"امرأة من روما"، ثم بخاصة "اللاممتثل" التي نقلها برناردو برتولوتشي إلى فيلم سينمائي حمل العنوان ذاته ويُعتبر من أجمل إنتاجات السينما الإيطالية وأكثرها فضحاً لاشتغال الفاشية على الذهنيات. وهناك أيضاً "امرأتان"، الرواية التي حوّلها دي سيكا إلى فيلم متميز، و"حكايات رومانية" ثم بشكل خاص "الاحتقار" التي نتناولها هنا و"السأم" وغيرها.

إضافةً إلى رواياته، تمرّس مورافيا في أدب الرحلات، وتدخّل في القضايا السياسية وأمضى آخر سنوات حياته يناضل في سبيل البيئة وضدّ انتشار السلاح النووي، هو الذي غلب على شخصيات أدبه طابع اللامبالاة والحياد السلبي والرغبة المضمرة في تدمير العالم وصياغة علاقات لا تستجيب للنظم الاجتماعية. ومن هنا، لم يكن غريباً أن يقول عنه ناقد إنجليزي كبير: "إنّ مورافيا صاحب أدب وجودي عبثي، روعته أن وجوديته وعبثيته لا تظهران إلّا للمنقّبين بدقة".

المزيد من ثقافة