إسرائيل تعد لائحة دفاع عن جرائمها أمام المحكمة الدولية وتستعد لما تعتبره "اليوم الأسود" في جنيف

ملف جريمة قتل ناصر سيكون واحداً من مئات الملفات التي ستطرح في المحكمة الجنائية الدولية ضد الجيش الإسرائيلي وقيادته بتهمة ارتكاب جرائم حرب

الضغط على زناد البندقية تجاه كل فلسطيني، هو أسهل مهام الجيش الإسرائيلي (غيتي)

ناصر مصبح، طفل لم يتجاوز الـ 11 سنة، لم يرتكب جريمة حتى يقتل بدم بارد بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي، سوى أنه ولد فلسطيني، لم يعش تلك الطفولة التي يعيشها أطفال العالم، وشهد أكثر من حرب وعمليات قصف، ارتعب، بكى، خاف من ظلمة انقطاع الكهرباء، لكنه أصرّ على تحقيق حلمه المتواضع بأن يصبح طبيباً، وعلى الرغم من جيله الصغير إلا أنه تطوّع في الهلال الأحمر شغفاً منه في ما يمكّنه من اكتساب معرفة لهذه المهنة الإنسانية.

لكن ناصر، مثل المئات وربما آلاف الأطفال الفلسطينيين، ليس فقط لم يتمكن من تحقيق حلمه، بل حرم من حقه في الحياة، فالضغط على زناد البندقية تجاه كل فلسطيني، هو أسهل مهام الجيش الإسرائيلي.

انضم إلى قافلة الشهداء

يوم الجمعة 28 سبتمبر (أيلول)، قبل ستة أشهر، انطلق مع شقيقتيه المسعفتين في الهلال الأحمر لمساعدة جرحى تظاهرات الجدار في غزة، وتقدّمت الشقيقتان نحو الشريط الحدودي لإسعاف المتظاهرين المصابين وأبقيتا أخاهما الصغير في منطقة الخيام على بعد نحو 300 متر من الشريط، وبعد أكثر من ساعتين اقترب من الجدار، ربما بحثاً عن شقيقتيه، وعلى بعد 100 متر فقط بينما كان يقف مع بقية المتظاهرين، لا يحمل بندقية ولا حتى حجراً يهدد الجيش، أصيب بالرصاص برأسه، لينضم بلمح البصر، إلى قافلة شهداء نيران الجيش الإسرائيلي.

وفي إفادة قدمتها لمركز "بتسيلم" قالت شقيقته المسعفة دعاء "لم يكن ناصر شقيقي فقط. لقد كان كلّ شيء بالنسبة إلي. كان ينام إلى جانبي، يأكل معي، ولم يفارقني. حتى في التظاهرات لم يفارقني، كان يريد مرافقتي طيلة الوقت. كان يجلب المعدّات الطبية ليساعدني ويساعد شقيقتي إسلام. كان يعرف اللغة الإنجليزية بمستوى يجعله يتعرف على أسماء التجهيزات الطبية وقد درس دورة إسعاف أولي من 30 ساعة في مؤسّسة الهلال الأحمر الفلسطيني، لكنه لم يحصل على شهادة نظراً لصغر سنّه".

وناصر هو شهيد من بين 31 طفلاً فلسطينياً استشهدوا خلال هذه التظاهرات، على الأقل، و180 متظاهراً إضافة إلى إصابة ما لا يقل عن 5800 فلسطيني.

إلى المحكمة الجنائية الدولية

ملف جريمة قتل ناصر سيكون واحداً من مئات الملفات التي ستطرح في المحكمة الجنائية الدولية ضد الجيش الإسرائيلي وقيادته بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ويتضمنه تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، المتوقع أن يصادق عليه، الاثنين 18 مارس (آذار) 2019، وهو يوم وصفته إسرائيل بـ "اليوم الأسود"، وتستعد لحملة دولية لمواجهته، إذ ستنظم في جينيف تظاهرة ضد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالتزامن مع طرح التقرير للمصادقة عليه.

 ووفق إسرائيل، فإن السفير الأميركي لدى ألمانيا، ريتشارد غيرنيل يقود هذه التظاهرة، وعلم أن منظمة ما يسمى"UN WATCH"، إلى جانب 24 منظمة أخرى من إسرائيل والعالم، تعمل ليكون أكبر احتجاج على الإطلاق ضد المجلس.

لائحة دفاع لمواجهة تقرير مجلس حقوق الإنسان

تظاهرات الجدار ستعيد إلى المحكمة الدولية ملفات جرائم القتل التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي وقيادته، التي تصدر التعليمات وتشرف على تنفيذها، وإذا كان الفلسطينيون رفعوا في السابق الدعاوى ضد إسرائيل، بمبادرة شخصية أو جمعيات فلسطينية، فستصل هذه المرة من قبل لجنة التحقيق في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، التي أعدّت تقريراً حسمت فيه أن القتل نفذ في شكل اجرامي ومن دون أية مواجهات تهدّد حياة أي جندي إسرائيلي.

هذا التقرير دفع إسرائيل الى إعداد لائحة دفاع عن جرائمها واستبقتها بفتح تحقيقات مع الجنود الذين أطلقوا النيران مقتصرة على 11 ملفاً فقط، وهي تأمل في أن تنجح في حملتها الدولية لمنع تقديمه إلى المحكمة الدولية.

تخوّف إسرائيلي

التخوّف الإسرائيلي ليس فقط من المحكمة الجنائية بل من استخدام التقرير دولياً لمبادرات فرض عقوبات أو قيود على إسرائيل، فالتقرير الذي أعده مجلس حقوق الإنسان يؤكد أن هناك أساساً لإدانة الجنود الإسرائيليين بإطلاق نيران على المتظاهرين في منطقة الجدار الحدودي في شكل غير قانوني، وبالتالي اعتبار ذلك جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، كما يؤكد معدو التقرير أن المسؤولية تقع على منفذي إطلاق النار، بمن في ذلك القادة في الميدان وكذلك من صاغ أو أقرّ تعليمات فتح النار.

وثائق إسرائيلية

إسرائيل رفضت التعاون مع اللجنة الدولية لكنها بعثت بوثائق، وفق الإسرائيليين، تدافع فيها عن الجنود ومن أطلقوا النار، وتظهر هذه الوثائق هوة كبيرة بين الادعاءات الإسرائيلية وما ورد في التقرير الدولي.

فقد ادعت إسرائيل في الوثائق أن "تعليمات فتح النار تتلاءم مع التعليمات التي تنطبق على وضعية تنفيذ القانون في ظلّ التعاطي مع وجود مواجهة مسلحة بين إسرائيل وحماس، وبأنه في إطار الأحداث التي وقعت، كانت حالات تحوّلت فيها أعمال الشغب، كما تسميها إسرائيل في وثائقها، إلى عنيفة بمقدار يهدّد الجنود والمدنيين، حين حاول الفلسطينيون هدم السياج".

إضافة إلى ذلك، كانت أحداث إطلاق نار وإلقاء عبوات ناسفة نحو الجنود تحت رعاية أعمال الشغب، وفي مثل هذه الأوضاع، وبعد استنفاد استخدام الوسائل غير الفتاكة، سمحت التعليمات بإطلاق النار على أقدام المحرّضين أو المشاغبين الرئيسيين، إضافة إلى ذلك سمح بإطلاق النار نحو من شُخّص كعضو في القوات المسلحة لحماس أو كمنفذ لنشاط قتالي كإطلاق النار أو زرع عبوات".

وترفض إسرائيل في الوثائق، التي وصلت إلى اللجنة التعاطي مع ما تسميه أعمال الشغب كتظاهرات مدنية في داخل دولة بل كأحداث عنف توجهها حماس في مواجهة مسلحة مع إسرائيل، على طول الحدود بين إسرائيل وبين المنطقة التي تحت سيطرتها".

تقرير لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة

يشير التقرير إلى أن اللجنة جمعت معلومات عن هوية الفلسطينيين المتظاهرين، وستقدمها إلى جانب التقرير الكامل والمواد المجمعة إلى محكمة الجنايات الدولية، كما يدعو التقرير إلى ممارسة الصلاحيات القضائية ضد الجرائم الموصوفة فيه وكذلك النظر في فرض العقوبات، بما في ذلك من خلال منع السفر وتجميد الأملاك، على من يعتبرون مسؤولين عن ارتكاب الجرائم.

ووفق التقرير، فإن تظاهرات الفلسطينيين عند الجدار مدنية في جوهرها، وذات أهداف سياسية، وعلى الرغم من أحداث عنف في إطارها، لم تكن جزءاً من معركة عسكرية، وبالتالي، يتوجب تنفيذ القانون وتطبيق قوانين حقوق الإنسان، التي بموجبها لا يمكن استخدام القوة الفتاكة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو لحماية الآخرين من تهديد فوريّ على الحياة والذي معناه تهديد في مدى ثوانٍ وليس ساعات، وحين تكون القوة ضرورية ومتوازنة.

وتقول اللجنة إنه عندما وقع نشاط قتالي يرتبط بالمواجهة المسلحة بين الطرفين كان يمكن تبرير استخدام قوة فتاكة ضد من يشارك مباشرة في النشاط القتالي حتى بغياب تهديد فوريّ وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

 المصابون الفلسطينيون

يركز التقرير على المصابين الفلسطينيين ويفصّل قوائم حالات القتل والإصابة، ومما جاء فيه، فقد جرى فحص 189 حالة قتل للفلسطينيين، منها 183 بالنيران الحية، و300 حالة إصابة بها أثناء التظاهرات، ويقدر التقرير أنه أصيب 103 أشخاص بالنار بينما أصيب آلاف آخرون بالغاز المسيل للدموع.

ويشير التقرير إلى أنه في إسرائيل قتل جندي واحد، وأصيب أربعة آخرون وتضرّرت ممتلكات نتيجة للبالونات الحارقة.

وأضاف التقرير "باستثناء مصابَين اثنين، واحد أطلق النار نحو جنود الجيش الإسرائيلي والثاني حاول الاعتداء على جنود بسكين، كان استخدام الجنود الإسرائيليين إطلاق النار الحيّ غير قانوني على متظاهرين كانوا يقفون على مسافة بعيدة منهم ويعملون في نشاطات مدنية، من دون أن يشكلوا خطراً فورياً أو يقوموا بأعمال عدائية".

رصاص على الأطفال

وبرأي معدي التقرير فإن قناصة الجيش الإسرائيلي هاجموا في شكل مقصود أطفالاً، وأعضاء طواقم طبية، وصحافيين ومقعدين، على الرغم من أن هؤلاء أناس يستحقون حماية خاصة. وفي التقرير "كان يمكن استخدام وسائل أقل فتكاً وهناك وسائل دفاعية كافية وبالتالي فإن استخدام القوة الفتاكة لم يكن ضرورياً أو متوازناً ويشكل خرقاً للحق في الحياة والذي هو في قوانين حقوق الإنسان ومبدأ التمييز الذي في القانون الدولي الإنساني يحظّر المس المقصود بالمدنيين". وأضاف، أن بين القتلى 29 من رجال القوات المسلحة الفلسطينية و18 آخرين لم يُشخصوا، ومع ذلك، فمجرد الانتماء إلى هذه القوات لا يشكل مبرراً قانونياً للقتل، إلا إذا كان القتلى مشاركين في أعمال قتالية أثناء إطلاق النار أو شكلوا تهديداً فورياً.

والإذن في تعليمات فتح النار لإطلاق النار على أقدام "المحرضين الرئيسين" يشكل شذوذاً عن الحالات التي تبرر استخدام السلاح الفتاك كونه لا توجد مكانة كهذه في القانون الدولي.

 ويشير التقرير إلى أن في غياب تحمل إسرائيل مسؤولية الأحداث، التي وقعت في الحملات السابقة، وفي ضوء تصريحات كبار المسؤولين في إسرائيل، هناك شك كبير لدى معدّيه في شأن استعداد إسرائيل فحص أعمال الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية، التي كانت مسؤولة عن تعليمات فتح النار. إضافة إلى ذلك، تمتنع إسرائيل عن تعويض الضحايا كما تمنع المصابين وعائلات الشهداء من المطالبة بالتعويض في المحاكم في إسرائيل.

حركة حماس

 التقرير لا يحمّل حماس أية مسؤولية وهذا ما ستركز عليه إسرائيل في لائحة دفاعها، وحملتها الدولية ضد اللجنة، إذ تعتبر إسرائيل حركة حماس مسؤولة عن الأحداث. وقد اكتفى معدو التقرير بالإشارة إلى أن أعضاء في اللجنة، التي نظمت التظاهرات، بما فيها حماس، استخدموا البالونات والطائرات الورقية الحارقة وإن السلطات الحاكمة في غزة فشلت في تنفيذ واجبها للعمل على منع استخدام هذه الأمور تجاه إسرائيل.

الحصار على غزة

إلى جانب تناول التقرير جرائم القتل وإطلاق النار وإصابة الآلاف، فهو يتناول الحصار على قطاع غزة وآثاره الإنسانية، وانهيار الجهاز الصحي في المنطقة، والذي تفاقم بسبب الحاجة لمعالجة الكثير من الجرحى، والقيود التي فرضتها إسرائيل ومصر على خروج الجرحى من غزة لتلقي العلاج الطبي، وشدد معدو التقرير على أن هذا يعتبر خرقاً لحق العيش بكرامة ولواجبات إسرائيل تجاه سكان غزة، بصفتها القوة المحتلة في المنطقة.

 إسرائيل، من جهتها، تتهم اللجنة الدولية في تبني موقف الفلسطينيين وإفاداتهم، وفي تعليقها على اللجنة "في ظل وصفها الأحداث كتظاهرات مدنية ما لا يبرّر استخدام القوة، ولم تتناول الواقع المركّب للأحداث التي تجري على الحدود بينهما والمشاركة النشطة لحركة حماس". وعليه ترى إسرائيل، أن رفع التقرير وما يشمله من وثائق إلى المدعية العامة في محكمة الجنايات الدولية، كفيل بأان يؤثر في قرارها إذا كانت ستفتح تحقيقاً في هذه الأحداث.

المزيد من